ما الذي يحدث في الساحل السوري؟ قراءة في تقارير رويترز والتحولات السياسية

في الجغرافيا السياسية، ليست الجبال ولا السواحل مجرد تضاريس، بل مسارح للقدر، والساحل السوري، الممتد من جبال الغربية لسورية إلى شاطئ المتوسط، ليس استثناء؛ إنه مختبر مكثف لفهم التحولات السورية بعد عقدين من الحرب والدم والانقسام.
تقريران متزامنان لوكالة “رويترز” خلال الأيام الأخيرة، أحدهما عن حظر تجول في اللاذقية عقب احتجاجات دامية، والثاني عن محاولات السلطة الجديدة استعادة ولاء المواطنين من “الطائفة العلوية”، قدما صورة مضغوطة عن لحظة سورية تتشكل في الظل؛ انهيار النظام القديم دون قيام نظام جديد، وعودة البحر إلى لعب دور سياسي بعد قرن من الانكفاء نحو الداخل.

لكن ما يهم في هذه النصوص ليس فقط ما قيل، بل الافتراضات الخفية، والتصورات الضمنية، والرؤية الجغرافية التي تسكن بين السطور، فالمكان هو الحجة الأولى للتاريخ، والخرائط لا تكذب.

عودة الجغرافيا بعد الأيديولوجيا

يقرأ الساحل اليوم كما تقرأ جروح الخرائط؛ منطقة طالما كانت العمق الجبلي الآمن للدولة المركزية، ثم تحولت بعد عام 2011 إلى خط دفاع استراتيجي للنظام القديم، قبل أن تصبح بعد سقوطه مساحة ملتبسة بين السلطة الجديدة ومجتمعاتها المحلية.
في هذا السياق، تعيد “رويترز” توصيف المشهد ببرودة تقنية؛ فـ”الحكومة الجديدة فرضت حظر تجول بعد احتجاجات عنيفة في اللاذقية”، لكن وراء هذا البيان الإداري، تكمن عودة البحر كفاعل سياسي؛ فكلما ضعفت الدولة في الداخل، عاد الساحل ليعبر عن طاقته الجيوسياسية الكامنة كبوابة على المتوسط، ونافذة على توازنات الإقليم.
إن اللاذقية ليست مجرد مدينة، بل مرآة لعلاقة سوريا بذاتها، حيث كانت في حقب سابقة “الملاذ الآمن”، ثم أصبحت “القلب الحصين”، أما اليوم فهي المرجل المفتوح الذي يختبر فيه مصير الدولة ما بعد الحرب.

خطاب الاستقرار الزائف

لغة “رويترز”، كما هي عادة الخطاب الغربي في زمن ما بعد الحروب، تستعير قاموس الدولة الحديثة دون أن تتحقق من وجود الدولة ذاتها.
حين تقول “الحكومة الجديدة” أو “الأمن فرض النظام” أو “المصالحة الوطنية”، فهي تفترض شرعية سابقة الوجود، كأن النظام السياسي في سوريا استعاد تماسكه ببساطة، وأن مؤسسات الحكم تعمل وفق منطق بيروقراطي منتظم.
لكن على الأرض، المشهد مختلف، فما يسمى حكومة ليس سوى ائتلاف هش من القوى الأمنية والاقتصادية؛ بعضها خرج من عباءة المعارضة وبعضها صعد مع سقوط النظام السابق.
إنه نظام بلا مؤسسات، وسلطة بلا قواعد، يقوم على مزيج من المصالح والسلاح أكثر مما يقوم على الدستور أو القانون.
وما تسميه بيانات الإعلام “فرض النظام” لا يعكس استعادة حقيقية للسلطة بقدر ما يشير إلى إدارة مؤقتة للأزمة؛ انضباط شكلي فوق أرض لا تزال تعيش ارتباك ما بعد التحول.
إنه نظام هدوء أكثر منه نظام استقرار، تحافظ فيه الأجهزة الإدارية والأمنية على الإيقاع اليومي للدولة من دون أن تمتلك بعد شرعية أو عقدا جامعا يربطها بالمجتمع.
“الاستقرار” الذي تروج له التقارير ليس سوى سكون ثقيل يشبه صمت ما قبل العاصفة، فالدول لا تنهض بالأوامر ولا بالمراسيم، بل بما يمكن تسميته عقدا اجتماعيا جديدا يحدد طبيعة السلطة وحدودها وغاياتها، وهذا العقد، في الساحل كما في سوريا عموما، ما زال غائبا أو مؤجلا.

المسألة الساحلية من جديد

التقرير الثاني لرويترز حول محاولات استرضاء أهل الساحل السوريين من الطائفة العلوية؛ يعيد إحياء سؤال ظن كثيرون أنه طوي بانتهاء حكم البعث، فهل كان العلويون حقا “الكتلة الصلبة للنظام”، أم أنهم وقوده؟

في “جغرافيا الغضب” تتحول الأقليات الجبلية في أوقات الفوضى إلى محورين متناقضين؛ حراس الخوف، وضحايا الخوف في آن معا، وهذا هو حال الساحل اليوم؛ مجتمع عاش طويلا في تماس مباشر مع الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، ثم وجد نفسه فجأة في مواجهة إرث ثقيل من الارتباط بها، من دون أن يمتلك بالضرورة مفاتيح القرار أو اتجاهاته.
إنه مجتمع يواجه ذاكرة السلطة دون أن يكون هو السلطة، محاط بظلال ماضيه أكثر مما تحميه، ومثقل بما خلفته عقود من المركزية الصلبة التي جعلت الانتماء الجغرافي يقاس دائما بمعيار الولاء السياسي لا المشاركة الفعلية.

السلطة الجديدة، حسب التقرير تتحدث لغة “المصالحة”، لكن الواقع يؤكد أن الولاء العلوي يمكن شراؤه بالعفو والمساعدات، لكن الولاء لا يشترى؛ إنه يبنى على إحساس بالأمان السياسي والمكانة الجماعية، فابن الساحل الذي دافع عن سوريا عبر التحقاقه بصفوف الجيش السوري الذي تم حله من سلطة دمشق لا يثق بالدولة الجديدة، لكنه أيضا لا يملك بديلا؛ إنهم أبناء الجبل الذين فقدوا الجبل.

من الحرب إلى “التعايش المرهون”

السلام في المجتمعات المنهارة ليس غياب الحرب، بل حرب مؤجلة تحت شروط جديدة، والمشهد في الساحل اليوم يجسد هذه الفكرة، فالحواجز باقية والطوائف متوجسة والاقتصاد رمزي.
السلطة الجديدة تتبنى خطاب “السلم الأهلي”، لكنها تفعل ذلك عبر وجوه من الماضي، من قادة ميليشيات ومفاوضين سابقين، وهذا يعني أن آليات السيطرة لم تتغير، بل تبدلت فقط رموزها.

ابن الساحل الذي يتلقى المساعدة من لجنة “صون السلم الأهلي” هو نفسه الذي يرى قاتله السابق جالسا في مقر اللجنة، وفي مثل هذا المناخ، لا تبنى دولة بل تعاد هندسة الخوف، والخوف ليس سياسة طويلة الأمد.

مكر التاريخ في الساحل

الساحل السوري يشبه البلقان في مطلع القرن العشرين؛ منطقة تتنازعها الهويات، تحيط بها قوى متنافسة، وكل شرارة فيها قادرة على إشعال حريق إقليمي.
الجغرافيا لا ترحم:

  • إلى الغرب البحر المفتوح نحو المتوسط الأوروبي.
  • إلى الشرق الداخل الممزق بين فصائل وعشائر.
  • إلى الشمال الحدود التركية التي لم تهدأ.
  • وإلى الجنوب الفراغ السياسي بعد دمشق.

في هذا التقاطع، أي توازن هش سيبقى مؤقتا، فالفراغ الذي تركه سقوط النظام لم يملأ بعد، بل يدار مؤقتا عبر توازن الرعب المحلي، وكل مبادرة “مصالحة” لا تستند إلى عقد وطني شامل ستظل هدنة فوق بركان.

ما وراء الخطاب الإنساني

كثير من الصحافة الغربية تبدي تعاطفا مع معاناة المدنيين، لكنها تفصل المأساة عن سياقها الجيوسياسي، ففي تقرير “رويترز”، نقرأ عن مقاتل سابق يفتح مقهى صغيرا بعد العفو، كأن القصة تنتهي هناك.
لكن خلف تلك الصورة الرومانسية تكمن مأساة أعمق؛ تحويل العنف إلى مشهد محلي منزوع المعنى السياسي، فالمقهى ليس علامة على التعافي، بل على تطبيع ما بعد الحرب حين يتحول المقاتل إلى بائع قهوة لأن أي أفق آخر انغلق.

هذا النوع من السرد يغفل الحقيقة المركزية بأن إعادة الإدماج دون عدالة ليست مصالحة، بل إعادة تدوير للانكسار.

سوريا كـ”مجتمع أطراف

ما تكشفه تقارير الساحل يتجاوز اللاذقية، فهو يعكس تحول سوريا كلها إلى أرخبيل من الأطراف، وكل منطقة تحكمها سلطات محلية، ترتبط بالمركز بخيط إداري هش.
في هذا المشهد، الساحل ليس هامشا بل مركزا جديدا للهامش؛ مجتمع مكون من عسكريين سابقين، ونازحين، وتجار حرب، يعيشون في منطقة غنية بالموقع وفقيرة باليقين.

تبدو السلطة الجديدة كمن يحاول ترميم بيت تهدم أساسه عبر طلاء الجدران، فالمشكلات الجوهرية من الهوية والعدالة وتوزيع السلطة والثروة لم تمس بعد.
ومن دونها، ستبقى كل “مصالحة” مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس في انتظار جولة أخرى من التاريخ.

الجغرافيا تنتقم

كتب كابلان أن “الجبال تحفظ الذاكرة أطول من المدن”، وجبال الساحل السوري اليوم تحفظ ذاكرة قرن من الشك والانعزال والدم، وهي لا تثق لا بالسلطة الجديدة ولا بالوعود الغربية.
وهنا تتبدى المفارقة الجديدة فالسلطة الراهنة ليست ابنة الجبل، بل ثمرة الداخل السوري؛ ولدت من الأرياف التي طالما عاشت في ظلال الساحل، ثم صعدت اليوم لتحتل مركز القرار.
انقلبت الجغرافيا السياسية رأسا على عقب، فالداخل الذي كان هامشا صار مركزا، والجبل الذي كان خزانا للسلطة غدا هامشا مراقبا.
وهكذا تحول ميزان القوة من الامتداد الساحلي إلى العمق البري، من مناطق الدفاع إلى مناطق الإنتاج السياسي، في انعكاس يختصر رحلة الدولة السورية من الطموح إلى التآكل، ومن المركز إلى الأطراف، فحين تتغير موازين القوة، يصبح الارتفاع الجغرافي عزلة سياسية، والبحر الذي كان متنفسا منفذا للهروب.

في لحظة كهذه، لا يحتاج الساحل إلى “مصالحة” بقدر ما يحتاج إلى سردية جديدة للانتماء، قادرة على تحويل الجغرافيا من لعنة إلى فرصة.

نحو قراءة مستقبلية

ما تكشفه تغطية “رويترز” رغم محدوديتها هو أن المرحلة التالية في سوريا ستكون معركة على الذاكرة أكثر منها على الأرض.
من يملك رواية ما حدث سيملك شرعية ما سيحدث، وحين تصاغ الرواية الرسمية الآن بلغة “الاستقرار والمصالحة”، يغيب سؤال العدالة، ويستبدل بخطاب تقني عن “السلم الأهلي” و”إعادة الإعمار”.
لكن التاريخ علمنا أن السلام من دون معنى يولد حربا بمعنى أكبر.

إن الساحل السوري لا يعيش ما بعد الحرب، بل نسخة بطيئة من استمرارها، والبحر الذي طالما كان مرآة للغزاة والإمبراطوريات، يعكس اليوم وجها آخر للعنف؛ عنف النسيان.

بين البحر والجبل

يبقى السؤال الذي لم تجب عليه “رويترز” ولا أي جهة أخرى، هل يستطيع الساحل أن يتشكل على مساحة مختلفة قبل أن تتصالح سوريا مع ذاتها؟
الجواب ليس في البيانات الرسمية، بل في تضاريس الوجوه التي تعبر الشوارع الخالية بعد السادسة مساء، في مدينة يلفها حظر تجول، وفي مقهى صغير يملكه مقاتل سابق يحاول أن يبدأ من جديد.

لكن الجغرافيا تعرف ما لا يعرفه البشر، فالذاكرة لا تمحى بالحظر، ولا الولاء يشترى بالعفو.
الساحل السوري سيبقى مرآة لقدر سوريا كله، بين البحر الذي يغري بالهرب، والجبل الذي يفرض البقاء، وبينهما وطن يبحث عن اسمه في غبار التاريخ.

الساحل السوري: جغرافيا الهشاشة ومكر التاريخ

الساحل السوري: جغرافيا الهشاشة ومكر التاريخ

تحليل مرئي لتطور الوضع في الساحل السوري بعد عقدين من الحرب والتحول
توزيع النفوذ في الساحل السوري
تحول ميزان القوة (2011-2024)
رؤى تحليلية

عودة الجغرافيا بعد الأيديولوجيا

تحول الساحل من العمق الجبلي الآمن للدولة المركزية إلى خط دفاع استراتيجي للنظام القديم، ثم إلى مساحة ملتبسة بين السلطة الجديدة والمجتمعات المحلية.

خطاب الاستقرار الزائف

ما يسمى “حكومة” هو ائتلاف هش من القوى الأمنية والاقتصادية؛ نظام بلا مؤسسات، وسلطة بلا قواعد، يقوم على مزيج من المصالح والسلاح أكثر مما يقوم على الدستور أو القانون.

المسألة الساحلية من جديد

العلويون في الساحل اليوم يواجهون إرثًا ثقيلًا من الارتباط بالدولة دون أن يمتلكوا مفاتيح القرار، محاطين بظلال ماضيهم أكثر مما يحميهم.

تطور الأوضاع في الساحل السوري
قبل 2011
الساحل كعمق جبلي آمن للدولة المركزية ومنطقة نفوذ تقليدي للنظام
2011-2015
تحول الساحل إلى خط دفاع استراتيجي للنظام في مواجهة الانتفاضة
2015-2020
تغير موازين القوة وتدخلات إقليمية ودولية تغير من ديناميكيات الساحل
2020-2024
سقوط النظام القديم وظهور سلطة جديدة ومساحة ملتبسة من النفوذ
الحاضر
منطقة تختبر مصير الدولة ما بعد الحرب بين البحر والجبل والذاكرة

الخلاصات الرئيسية

الجغرافيا تنتقم: انقلاب الجغرافيا السياسية رأسًا على عقب، فالداخل الذي كان هامشًا صار مركزًا، والجبل الذي كان خزانًا للسلطة غدا هامشًا مراقبًا.
سلام المجتمعات المنهارة: ليس غياب الحرب بل حرب مؤجلة تحت شروط جديدة، حيث تبقى الحواجز والطوائف متوجسة والاقتصاد رمزي.
مكر التاريخ في الساحل: يشبه البلقان في مطلع القرن العشرين؛ منطقة تتنازعها الهويات، تحيط بها قوى متنافسة، وكل شرارة فيها قادرة على إشعال حريق إقليمي.

تم إنشاء هذا الرسم البياني التفاعلي بناءً على المقال التحليلي “الساحل السوري: جغرافيا الهشاشة ومكر التاريخ”

المصدر: تحليل مقتبس من مقال لـ”سوريا الغد” مع بيانات استنتاجية لتمثيل التحولات الموضحة في النص

© 2024 – مصمم للتضمين في منصات الووردبريس والمواقع الإلكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *