الأكراد في سوريا: نهاية مرحلة وبداية جغرافيا جديدة للسلطة

لم يكن الصدام الأخير بين السلطة في دمشق والقوات الكردية في شمال وشمال شرق سوريا مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة انعطاف حادة في هندسة السلطة السورية الجديدة.

المعارك التي اندلعت منذ منتصف كانون الثاني 2026، ثم انتهت بوقف إطلاق نار مؤقت في العشرين من الشهر نفسه، تكشف عن تحول استراتيجي في موقع الأكراد داخل معادلة القوة السورية، وعن إعادة رسم لتوازنات الجغرافيا السياسية في المشرق، حيث تتقاطع الخرائط النفطية بالخرائط الإثنية، والمصالح التركية بالإكراهات السورية، والطموحات الكردية بالمصالح الأميركية.

من تحالف الضرورة إلى المواجهة المؤجلة

عندما أطاح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالبنية القديمة للسلطة السورية نهاية 2024، لم يسع إلى تجاوز أزماتها بقدر ما عمل على إعادة إنتاجها في صيغة جديدة أكثر انضباطا ومركزية، فقدم خطابه السياسي تحت شعار “إعادة التوازن الوطني”، لكن ممارساته الميدانية سرعان ما كشفت أن المقصود بالتوازن لم يكن التعدد أو الشراكة، بل إعادة ترسيم حدود الولاء للدولة وفق منطق السيطرة لا المصالحة، واتخذت “الشرعية الجديدة” لغة إصلاحية تخفي جوهرها الأمني خلف خطاب وحدوي وطني.

وبدا للأكراد في حينه أن النظام الجديد مستعد لتقنين وجودهم العسكري ضمن مؤسسات الدولة، خصوصا بعد اتفاق 10 آذار 2025 الذي نص على دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تدريجيا في الجيش السوري، ومنح الأكراد تمثيلا إداريا محدودا.

لكن هذا الاتفاق كان في جوهره محاولة لترويض كيان كردي نما في فراغ السلطة بين 2013 و2020، وأصبح لاعبا دوليا بدعم أميركي، لا مكونا داخليا قابلا للاحتواء، فالخلاف بين دمشق الجديدة وقسد لم يكن إداريا أو مؤسساتيا، بل جيوسياسيا في جوهره، فمن يسيطر على الشمال الشرقي، ومن يحتكر القرار في معادلة الأمن والطاقة؟

تحول التحالف التكتيكي بين سلطة دمشق والأكراد ضد داعش إلى تنافس استراتيجي على الجغرافيا والموارد، وما إن استقر الشرع في السلطة حتى بدأ بتقويض استقلالية الكيان الكردي، مستفيدا من ميل تركيا إلى دعم أي عملية تضعف القوات الكردية على حدودها الجنوبية، فولد التحالف الموضوعي بين دمشق وأنقرة، وإن لم يعلن صراحة، تحت لافتة “استعادة السيادة الوطنية”.

البنية التحتية كمعيار للسيادة

الجغرافيا ليست مساحة، بل أداة سلطة، ومن يملك القدرة على التحكم في البنى التحتية يملك الدولة، وانطلاقا من هذا المبدأ، يمكن فهم الحملة الأخيرة لسلطة دمشق على أنها عملية استعادة البنى الحيوية للدولة السورية؛ من سد الفرات وقاعدة الجراح الى وحقول النفط الممتدة من دير الزور إلى الرقة.

المنطقة التي كانت خاضعة لسيطرة قسد أنتجت قرابة 90% من النفط السوري واحتضنت أهم المنشآت المائية والكهربائية، فلم يكن هدف سلطة دمشق عسكريا محضا، بل اقتصاديا-رمزيا لاستعادة عصب الدولة وحرمان الأكراد من مصادر تمويلهم المستقلة التي شكلت أساس مشروعهم السياسي.

السيطرة على حقول العمر وكونيكو والتنك لم تغير فقط خريطة الطاقة السورية، بل أعادت تحديد علاقات القوة داخل الدولة، فبقدر ما فقد الأكراد مواردهم، تعززت قدرة السلطة على فرض شروطها السياسية، فاستبدلت معادلة “الاعتراف مقابل الشراكة” بـ”الاندماج مقابل البقاء”.

تركيا كمهندس خفي للمعادلة الجديدة

من الصعب فهم مسار الأحداث دون إدراك الدور التركي في خلفيتها، فأنقرة التي كانت تخشى قيام كيان كردي مستقل على طول حدودها الجنوبية، وجدت في سلطة الشرع فرصة تاريخية لتصفية هذا الخطر، وقدمت دعما لوجستيا واستخباراتيا وعسكريا غير معلن، من خلال وحدات سورية موالية لها مثل الفرقة 72والفرقة 76، اللتين تحركتا شمال حلب وشرق الفرات ضمن تنسيق ميداني غير رسمي مع الجيش السوريا الجديد.

في نظر تركيا، تفكيك قسد يعني إغلاق القوس الكردي الممتد من سنجار إلى القامشلي، وهو الهدف الذي لم تستطع تحقيقه لا بالعمليات العسكرية المنفردة ولا بالمفاوضات مع الأميركيين، أما بالنسبة لسلطة دمشق فالتقاطع مع أنقرة لم يكن تنازلا بل استثمارا؛ تحقيق مكاسب سيادية بأيد تركية من دون خسائر سياسية مباشرة.

تفكك “الاستقلال الكردي” وإعادة إنتاج التبعية

تبدو التفاهمات الأخيرة بين سلطة دمشق وقسد وكأنها مقدمة لمرحلة تفكيك تدريجي للكيان الكردي المستقل الذي نشأ منذ 2014، فدمج المقاتلين في الجيش السوري الجديد، ونقل السيطرة على المعابر والحقول النفطية ومراكز احتجاز عناصر داعش إلى السلطة، لا يعني سوى إعادة الأكراد إلى فضاء التبعية المؤسساتية، وإن بغلاف إداري شكلي من الحكم الذاتي المحلي.

لكن هذه “العودة” لن تكون سهلة، فالتجربة الذاتية للإدارة الذاتية، رغم محدوديتها، خلقت وعيا قوميا كرديا يصعب محوه بالقرارات الإدارية، وسيبقى المجتمع الكردي في سوريا مشدودا بين خيارين متناقضين؛ الانخراط في الدولة السورية الجديدة كأقلية مندمجة، أو التمسك بذاكرة الكيان الذي كان ذات يوم “دولة بحكم الأمر الواقع”.

الهشاشة الأمنية وخطر فراغ السلطة

من منظور الأمن الإقليمي، يمكن القول إن إقصاء الأكراد من معادلة السيطرة سيخلق فراغا خطيرا في المناطق التي كانت قسد تؤمنها، فهذه القوات شكلت العمود الفقري للحرب ضد داعش، وأدارت شبكة واسعة من السجون والمخيمات التي تحتجز آلاف المقاتلين وأفراد أسرهم.
ومع انتقال السيطرة إلى قوات سلطة دمشق التي تضم عناصر متشددة وبعضها يحمل إرثا أيديولوجيا قريبا من داعش، تصبح استمرارية الأمن المحلي موضع شك، فالتقارير عن فرار مئات من عناصر داعش من السجون الكردية بعد دخول قوات دمشق ليست تفصيلا ثانويا، بل مؤشر على هشاشة بنية السيطرة الجديدة، فالسلطة الساعية إلى تثبيت شرعيتها من خلال القوة، يفتح من حيث لا يدري باباً أمام عودة الفوضى الجهادية، خصوصا في مناطق البادية والجنوب السوري.

بين واشنطن وطهران… موقع الأكراد الجديد

ثمة بعد آخر يعيد صياغة موقع الأكراد هو تراجع المظلة الأميركية، فالولايات المتحدة، رغم إعلانها دعم سلطة دمشق في إطار محاربة الإرهاب، تبدو مترددة في ترك السجون والمعتقلين تحت إدارة قوات الشرع، ما دفعها إلى نقل بعض الأسرى إلى العراق، وهذا القرار يحمل معنى جيوسياسيا واضحا، فواشنطن لا تثق بالسلطة الجديدة، لكنها أيضا لم تعد ترى في الأكراد حليفا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه إلى الأبد.

في المقابل، يتضح أن الفراغ الذي خلفه تراجع قسد في شمال وشرق سوريا يعيد صياغة الخريطة الأمنية والسياسية هناك ضمن ثنائية النفوذ السوري–التركي، فمع انسحاب القوات الكردية من مساحات واسعة شرق الفرات، أصبح المجال مفتوحا أمام تمدد شبكات النفوذ المرتبطة بدمشق وأنقرة معا وبدرجات متفاوتة.
تسعى سلطة دمشق إلى تثبيت حضورها عبر مؤسسات الدولة والإدارة المحلية، فيما تتابع تركيا مراقبة المنطقة كـ”كمساحة عازلة” تمنع تشكل أي كيان كردي على حدودها الجنوبية، وبين الطرفين، تتآكل المساحة التي شكلتها قسد خلال العقد الماضي بوصفها قوة محلية شبه مستقلة، ما يحول الشمال الشرقي إلى مسرح توازن هش تديره تفاهمات مؤقتة لا ترتقي إلى مستوى التسوية الدائمة.
يفقد الأكراد دورهم كفاعل من موقع المبادرة، ويتحولون إلى عامل استقرار سلبي ضمن معادلة تدار من فوقهم لا بهم، وهي معادلة تحددها الخرائط الأمنية أكثر مما تحددها الإرادات السياسية المحلية.

المعنى الجيوسياسي للانحسار الكردي

إن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته فقط كصراع بين سلطة مركزية وجماعة إثنية. إنه جزء من عملية إعادة تركيب للدولة السورية وفق منطق القوة والموارد، حيث تعود المركزية بعد عقد من التفتت، لكن على نحو أكثر براغماتية وأيديولوجية دينية، مع غياب مشروع وطني.

الأكراد الذين كانوا في العقد الماضي حجر الزاوية في أي مشروع لتقسيم سوريا أو فدرلتها، يجدون أنفسهم الآن في موقع الدفاع عن البقاء الثقافي لا السياسي، فهم يعودون إلى الدولة، لكن لا كطرف متفاوض، بل ككيان مدمج في منظومة سيطرة شاملة.

الهزيمة الجغرافية لا تعني نهاية الفكرة الكردية، فالمجتمع الكردي في سوريا، الممتد عبر الحدود، يحتفظ بعلاقات عابرة للدولة مع كردستان العراق وتركيا، ويملك قدرة ناعمة على إعادة إنتاج ذاته ثقافيا واجتماعيا، الحدود ليست جدرانا، بل نقاط تماس تخلق التوترات والفرص معا.

الجغرافيا تبتلع السياسة

يبدو أن الأكراد في سوريا يدخلون مرحلة جديدة عنوانها “اللامركزية الخاضعة” عبروجود محلي مضبوط ضمن سيادة مركزية قوية، واندماج مؤسسي لا يلغي التهميش الرمزي.

سلطة دمشق وبدعم تركي وصمت أميركي، نجح في إعادة هندسة الخريطة، لكنه لم يُجب بعد على السؤال الأعمق، فهل يمكن بناء دولة مستقرة فوق أرض متنازع عليها إثنيا واقتصاديا؟

الجواب الجيوسياسي الأرجح هو أن سوريا ما بعد 2026 ستشهد تراجع المشروع الكردي من مستوى “الحكم الذاتي الواقعي” إلى تمثيل ثقافي محدود داخل دولة مركزية هجينة تستمد شرعيتها من قدرتها على السيطرة، لا من قدرتها على التمثيل.

كل حرب هي حرب من أجل الخرائط، والخرائط الجديدة لسوريا ترسم اليوم، بمداد النفط لا بالحبر، وبجغرافيا المصالح المحدودة لطرف يعتبر نفسه المحرر وهو الوحيد الذي يحق له يقرر بمنطق الغنائم، فيتقلص اللون السوري بكل أطيافه ومنها الكردي، لكنه لم يمح بعد.

تحول النفوذ في شمال وشرق سوريا

تحول النفوذ في شمال وشرق سوريا

تأثير تراجع قسد على إعادة صياغة الخريطة الأمنية والسياسية في ظل الثنائية السورية–التركية

النفوذ السوري (دمشق)
النفوذ التركي (أنقرة)
قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
مناطق التوتر والتفاهمات المؤقتة
📊 تحليل التطورات

يوضح الرسم البياني كيف أدى تراجع قسد إلى إعادة صياغة الخريطة الأمنية والسياسية في شمال وشرق سوريا ضمن ثنائية النفوذ السوري–التركي. مع انسحاب القوات الكردية من مساحات واسعة، تمددت شبكات النفوذ المرتبطة بدمشق وأنقرة بدرجات متفاوتة.

النتيجة الرئيسية: تحول الأكراد من فاعل بمبادرة إلى عامل استقرار سلبي في معادلة تُدار من فوقهم لا بهم، حيث تحدد الخرائط الأمنية أكثر مما تحددها الإرادات السياسية المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *