التحالف السوري–التركي بعد 2024: بين هواجس إسرائيل ومخاطر التبعية

من يقرأ مقال “الباحث الإسرائيلي” ياكوف لابين بعنوان “محور سُني–إسلامي جديد؟ تورط تركيا في إعادة بناء القوة العسكرية السورية”، الصادر في تشرين الأول 2025، يدرك سريعا أن النص ليس مجرد تحليل عسكري بل خطاب أمني مؤدلج، يعيد صياغة المشهد السوري بما يخدم تصورات “إسرائيلية” راسخة عن الشرق الأوسط.
لا يرى المقال في سوريا دولة تستعيد بناء مؤسساتها بعد انهيار طويل، بل ساحة لتنازع المحاور، حيث يتبدل اللاعبون ويبقى الميدان مفتوحا، لكن النقد الجاد لهذا النص لا يقتصر على كشف انحيازاته “الإسرائيلية”، بل يجب أن يتناول أيضا الانزياح الجديد في السياسة السورية نفسها بعد استلام السلطة الجديدة، خصوصا في رهانها المتزايد على أنقرة كراع أمني وسياسي، وهو رهان لا يخلو من تكرار أخطاء الماضي حين ارتبطت دمشق بمشاريع إقليمية أكبر منها.

الانحياز الإسرائيلي في تأطير الحدث

يبدأ لابين من فرضية مذهبية جاهزة، فما جرى في ديسمبر 2024 ليس ثورة ولا انتقالا سياسيا، بل “انتصار السنة على الشيعة”.
هذا التأطير يختزل مسارا مركبا من انهيار النظام السابق، وضغط العقوبات، وتغير موازين القوى الدولية، في ثنائية دينية ضيقة تخدم المخيلة الأمنية “الإسرائيلية” التي تقيس كل شيء بميزان “محور سُني مقابل محور شيعي”.

لكن خلف هذه القراءة تكمن نظرة استعلائية ترى أن الشرق الأوسط محكوم بحتمية مذهبية لا عقل سياسي فيها، وكأن المنطقة غير قادرة على إنتاج تحالفات براغماتية تتجاوز الاصطفافات الطائفية.
تبرر هذه الرؤية لـ”إسرائيل” حقها في إدارة “توازن الضعف” بين الأطراف العربية، بحيث لا تقوم في جوارها أي قوة سنية أو شيعية متماسكة.

ازدواجية المعايير في توصيف النفوذ

يصف لابين الانسحاب الروسي والإيراني من سوريا بأنه “فراغ” ملأته تركيا بسرعة، فإذا كانت “إسرائيل” تقبلت النفوذ الروسي والإيراني بوصفه تحديا يمكن “احتواؤه”، فإنها ترى في الدور التركي تهديدا وجوديا، رغم أن تركيا عضو في حلف الناتو وتعمل وفق منطق دولة لا ميليشيا.

التحول هنا ليس في حجم الخطر بل في طبيعته، فأنقرة تمثل نموذجا لقوة إقليمية سُنية ذات مشروع سياسي مستقل، قادر على إعادة تشكيل المجال الجيوسياسي للمشرق خارج المظلة الأميركية و”الإسرائيلية”، وهذا ما يثير القلق الحقيقي في تل أبيب.

تغييب الداخل السوري… ومسؤوليته

نقد لابين لا يُبرئ دمشق الجديدة من المساءلة، فحين يتحدث عن “الجيش السوري الجديد” بوصفه ذراعا تركية، يبالغ لكنه يلتقط ملامح واقع مقلق، فعملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، التي بدأت كشعار وطني، سرعان ما تحولت إلى ملف تقني يخضع للتمويل والتدريب التركيين، في ظل غياب مشروع وطني واضح يعيد تعريف وظيفة الجيش وموقعه في الدولة.

صحيح أن ضباطا وطنيين يسعون إلى تأسيس جيش مهني، لكن ارتهان التدريب والتسليح لأنقرة يطرح سؤالا حادا، فهل يمكن لجيش يُبنى بعقيدة مستوردة أن يكون جيشا وطنيا حقا؟
التحالف مع تركيا يملأ فراغ القوة، لكنه يخلق تبعية بنيوية، خصوصا مع توقيع الاتفاق الأمني في آب 2025 الذي يمنح أنقرة صلاحيات لوجستية واستشارية عميقة في بنية الدفاع السورية.

الخلط بين الحماية والوصاية

تتبنى سلطات دمشق، في خطابها الرسمي، مقولة “التعاون الاستراتيجي مع تركيا”، لكنها تُغفل أن هذا التعاون يجري في ظل اختلال حاد في موازين القوة، فتركيا تملك الجيش الأقوى في المنطقة، وتتحكم بمصادر التسليح والتدريب، بينما سوريا الخارجة من الحرب تعتمد على المساعدات لإعادة بناء مؤسساتها، وهذا التفاوت يجعل التحالف أقرب إلى وصاية ناعمة منه إلى شراكة متكافئة.

والخطر أن تتحول هذه الوصاية إلى عقيدة تبعية طويلة الأمد، فتكبل كبل القرار السوري لعقود، فالراعي اليوم وفق الدستور التركي علماني– قومي لا مذهبي، لكن آليات النفوذ واحدة تقوم على التحكم بالمؤسسة العسكرية والاقتصاد الوطني من بوابة “الدعم” و”الشراكة”.

النيات التركية تحت المجهر

إذا كان لابين يرى في كل خطوة تركية “مؤامرة ضد إسرائيل”، فإن التفكير السوري ينبغي أن يبحث في هل تسعى تركيا فعلا إلى بناء جيش سوري يخدم مصالح دمشق أم مصالحها الخاصة؟

المؤشرات الميدانية لا توحي بالثقة الكاملة، فأنقرة تحتفظ بوجود عسكري مباشر في شمال سوريا، ولم تُبدِ استعدادا حقيقيا لإنهائه رغم الاعتراف المتبادل بين الحكومتين، كما أن أغلب البرامج التدريبية للضباط السوريين تُدار من قبل ضباط أتراك في غازي عنتاب، وفق العقيدة العملياتية لحلف الناتو، لا وفق عقيدة دفاع وطني سورية.

هذه المعطيات لا تنفي وجود مكاسب مؤقتة لسوريا، لكنها تشير إلى أن أنقرة تبني نفوذا طويل الأمد في المؤسسة العسكرية السورية، ربما يُستخدم مستقبلا للضغط السياسي أو لإعادة تعريف أولويات الأمن السوري وفق المصالح التركية، لا وفق الضرورات الوطنية.

بين “الخطر الإسرائيلي” و”التبعية التركية”

يعتمد لابين على فرضية أن الجيش السوري الجديد سيتحول إلى تهديد لـ”إسرائيل”، لكن الخطر الحقيقي ليس في توجيه السلاح شمالا أو جنوبا، بل في فقدان القرار السيادي بشأن متى وكيف يُستخدم هذا السلاح، فإن كانت “إسرائيل” تخشى من “التهديد السني”، فالسوريون مدعوون إلى الحذر من فقدان استقلالهم الأمني لصالح تركيا.

إعادة الإعمار العسكري لا يمكن أن تكون مجرد عقد تدريب وتسليح، بل مشروعا لإعادة تعريف الدولة نفسها، وفي غياب رؤية وطنية مستقلة، ستبقى سوريا تتأرجح بين رعاة إقليميين: تارة طهران، وتارة أنقرة.

الاقتصاد كأداة نفوذ لا كشراكة

يشير المقال “الإسرائيلي” إلى البعد العسكري في التحالف السوري – التركي، لكنه يتجاهل البعد الاقتصادي الذي لا يقل خطورة.
تركيا لا تكتفي بدور المورد العسكري، بل تسعى إلى دمج الاقتصاد السوري في فضائها التجاري والصناعي عبر المعابر والأسواق الحرة وشركات الإعمار، وهذه المقاربة تحمل بعدا استعماريا ناعما، إذ تُحيل سلطات دمشق تدريجيا إلى تابع اقتصادي يعتمد على الليرة التركية والتصدير عبر الموانئ التركية.

ما يُقدم كشراكة اقتصادية هو في الواقع آلية إحكام نفوذ شاملة — “عثمانية” الطابع وإن اختلفت الوسائل.

المسؤولية السورية في تفادي التبعية

من السهل نقد المقال “الإسرائيلي” لاتهامه دمشق بالعمالة لأنقرة، لكن الأصعب هو مواجهة السؤال الحقيقي؛
هل تملك سوريا الجديدة سياسة خارجية متماسكة تحدد حدود التعاون مع تركيا؟
حتى الآن، لا مؤشرات واضحة على ذلك، فالمفاوضات مع الأكراد تُدار بوساطة تركية، وإعادة هيكلة الجيش تجري بتقنيات تركية، وخطط الإعمار تمولها شركات تركية أو خليجية بوساطة أنقرة، هذا النمط من التداخل يذكر بتجربة لبنان في خمسينيات القرن الماضي حين تحولت بنيته الأمنية إلى مرآة لنفوذ الجوار.
إذا كانت دمشق تريد استعادة سيادتها فعليا، فعليها أن تبني مؤسساتها وفق احتياجاتها الوطنية لا وفق أجندة الحليف الأقوى.

تل أبيب وأنقرة… خصمان يتبادلان الأدوار

من المفارقات أن “إسرائيل” وتركيا، رغم العداء السياسي الظاهر، تتقاطعان في هدف واحد؛ منع قيام محور عربي – سوري مستقل يمتلك قراره.
فـ”إسرائيل” تسعى إلى إبقاء سوريا ضعيفة، وتركيا تسعى إلى إبقائها تابعة، وبين ضعف مفروض وتبعية مختارة، تضيع المسافة بين الاستقلال والتوظيف.

ينبغي ألا تُقرأ السياسات “الإسرائيلية” والتركية بمعزل عن بعضهما؛ فهما تستخدمان الساحة السورية لإدارة توازنات تتجاوز حدود دمشق.

نحو مقاربة واقعية

ليس من الواقعية أن تتعامل سلطات دمشق مع تركيا كضامن دائم، ولا أن تتبنى إسرائيل روايتها عن “الخطر السني”.
الحقيقة تقع بين النقيضين:
تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات ناعمة وصلبة، وإسرائيل تخشى فقدان احتكار القوة في المشرق.
أما سوريا، فبين هذين الطموحين، تملك فرصة نادرة لبناء جيش وطني واقتصاد متماسك إن أحسنت إدارة تحالفاتها لا الخضوع لها.

ما تحتاجه سلطات دمشق اليوم ليس انحيازا لمحور جديد، بل سياسة توازن صارم تحفظ استقلالها عن المحاور جميعا — تركيا، أو إسرائيل — وتعيد تعريف الأمن القومي السوري على أسس المصلحة الوطنية لا الولاءات العابرة.

المقال الإسرائيلي يثير جدلا ليس بريئا من التهويل، لكنه يسلط الضوء على مأزق سوري حقيقي؛ كيف يمكن لدولة خرجت من حرب طويلة أن تعيد بناء نفسها دون أن تقع في قبضة الراعي الجديد؟

التحالف مع أنقرة خطوة تكتيكية، لكنه إن لم يُضبط بإطار وطني مستقل، سيتحول إلى وصاية استراتيجية طويلة الأمد.
أما “إسرائيل”، فستظل تراقب وتضخم هذا التحالف، لا لأنها تخشى من “الخطر السني”، بل لأنها تخشى من احتمال عودة سوريا إلى الخريطة كدولة فاعلة ذات سيادة.

الخطر الحقيقي على سوريا ليس أن تُتهم بالإسلامية أو العثمانية، بل أن تُفقد إرادتها السياسية باسم “الشراكة” أو “الأمن”.

المحور السني الجديد بين أنقرة ودمشق: قراءة نقدية

المحور السني الجديد بين أنقرة ودمشق: قراءة نقدية

يقدم هذا الرسم البياني التفاعلي تحليلاً مرئياً للعلاقة السورية التركية الجديدة كما ناقشها المقال، مع التركيز على الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية لهذا التحالف وتداعياته على السيادة السورية.

مستويات النفوذ التركي في سوريا ما بعد 2024

تحليل الأبعاد الرئيسية للتحالف السوري-التركي

البعد العسكري والأمني

إعادة بناء الجيش السوري وفق العقيدة العسكرية التركية/الناتو، مع تبعية في التدريب والتسليح تهدد الاستقلال الأمني السوري.

البعد السياسي والدبلوماسي

تحول التحالف من شراكة تكتيكية إلى وصاية ناعمة مع اختلال في موازين القوة بين أنقرة ودمشق.

البعد الاقتصادي

دمج الاقتصاد السوري في الفضاء التركي عبر المعابر والأسواق الحرة، مما يخلق تبعية بنيوية طويلة الأمد.

مقارنة بين النفوذ الإيراني السابق والتركي الحالي

تحليل القراءة الإسرائيلية للتحول السوري-التركي

بحسب المقال الإسرائيلي، فإن القلق الإسرائيلي الرئيسي لا ينبع من مجرد تغيير في التحالفات، بل من طبيعة النموذج الجديد الذي تمثله تركيا:

المعيار النفوذ الإيراني (قبل 2024) النفوذ التركي (بعد 2024) التقييم الإسرائيلي
طبيعة النفوذ نفوذ عبر الميليشيات والأحزاب نفوذ دولة عبر مؤسسات رسمية أكثر خطورة واستدامة
المشروع السياسي مشروع مذهبي (شيعي) مشروع قومي (علماني-قومي) أكثر جاذبية وتوسعية
العلاقة بالغرب عدائية صريحة مرتبط بحلف الناتو أكثر تعقيداً في التعامل
القدرات العسكرية حرب غير تقليدية جيش نظامي حديث تهديد تقليدي مباشر

الخلاصة: مأزق السيادة السورية بين الرعاة الإقليميين

تواجه سوريا الجديدة تحدياً وجودياً في موازنة التحالفات الخارجية مع الحفاظ على الاستقلال الوطني. فبين الرعاية التركية التي تتحول إلى وصاية، والقلق الإسرائيلي الذي يضخم “الخطر السني”، تضيع المسافة بين الشراكة والتوظيف.

الحل لا يكمن في رفض التحالفات، بل في إطار وطني مستقل يحدد أولويات سوريا الوطنية بعيداً عن أجندات الأطراف الخارجية، مع إعادة تعريف الأمن القومي السوري على أسس المصلحة الوطنية لا الولاءات العابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *