في الفكر الجيوسياسي الحديث، ليست الجغرافيا مجرد خلفية للسياسة، بل هي أداة لإنتاجها، والتطورات الأخيرة في مدينة حلب تعيد إحياء هذا الدرس بوضوح، فالمعارك التي اندلعت مطلع عام 2026 بين الجيش السوري الجديد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ليست سوى تجسيد ميداني للصراع حول من يمتلك الحق في رسم حدود السلطة داخل المجال السوري.
منذ سقوط نظام البعث أواخر 2024، تحاول الولايات المتحدة هندسة توازن داخلي يضمن بقاء سوريا دولة واحدة، لكن ببنية سلطة موزعة ومراقبة، وحلب، بما تمثله من عقدة ديموغرافية واقتصادية وجغرافية، هي المختبر الأهم لهذه الهندسة، والمكان الذي تتحول فيه “الوحدة الوطنية” من شعار سياسي إلى تجربة ميدانية محفوفة بالاختبار.
حلب: من الفضاء العسكري إلى الفضاء السياسي
ليست حلب اليوم ساحة معركة بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل حيز سياسي قيد التفاوض، فالمعارك التي دارت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد لم تغير خريطة السيطرة فقط، بل كشفت بنية التوازنات الهشة التي تحاول واشنطن تثبيتها منذ اتفاق الدمج في مارس 2025.
وفق هذا الاتفاق، أدرجت قوات “قسد” ضمن المؤسسة العسكرية السورية الجديدة بطريقة تحفظ خصوصيتها التنظيمية مؤقتا، مقابل التزامها بالانخراط في بنية الدولة، لكن الاشتباكات الأخيرة أظهرت أن هذا الدمج ظل رمزيا أكثر منه مؤسساتيا، وأن المجال المكاني وليس النصوص السياسية هو ما يقرر حدود النفوذ الفعلية.
تتعامل واشنطن مع حلب كـ”بارومتر للتوازن الوطني”، فكل اهتزاز فيها يقرأ كإشارة على اختلال المعادلة السورية برمتها.
الجغرافيا كآلية للضبط
في السياق السوري الراهن، تمارس الولايات المتحدة هندسة سياسية-جغرافية دقيقة، هدفها ليس القضاء على الصراع، بل احتواؤه داخل هندسة توازن محلية تمنع أي طرف من تحقيق انتصار مطلق، وهو جوهر المقاربة الأمريكية منذ عام 2025:
- الدولة تبقى موحدة، لكن مركزها لم يعد مطلقا.
- اللامركزية تمنح، لكن دون أن تتحول إلى انفصال.
- المؤسسة العسكرية تضم الجميع، لكن ولاءها يراقب بدقة.
بهذه الطريقة، يتحول “الحيز السوري” إلى خريطة سلطة متعددة المستويات؛ وكل منطقة تدار ضمن شروط توازن داخلية بين القوة المحلية والشرعية المركزية، بينما تعمل واشنطن كضامن غير مرئي لهذا التوازن.
وبينما كانت الخرائط العسكرية ترسم في غرف العمليات، ترسم اليوم خرائط السلطة في غرف الدبلوماسية، عبر بيانات مثل بيان توم براك الأخير، الذي لم يكن توصية بوقف إطلاق النار بقدر ما كان تصحيحا هندسيا لمعادلة القوة في الشمال السوري.
الاقتصاد كجغرافيا موازية
في 2025، استبدلت واشنطن أدواتها العسكرية بأدوات اقتصادية لإعادة ضبط المجال السياسي السوري،
فالعقوبات التي كانت أداة للعقاب أصبحت أداة للضبط، ورفعها عن سوريا في كانون الأول الماضي لم يكن مكافأة سياسية، بل جزءا من هندسة الحوافز، فمن يلتزم بخريطة التوازن ينال حوافز اقتصادية، ومن يخرقها يتعرض للحرمان المالي والدبلوماسي.
أصبح الاقتصاد خريطة نفوذ موازية للخريطة على الأرض، ومن يسيطر على الموارد النفطية والزراعية أو المعابر الحدودية لا يملك السلطة بالضرورة، بل يخضع لرقابة النظام الدولي الذي تشكله واشنطن حول دمشق.
إنها عملية “إدارة عبر الاعتماد” حيث يجبر كل فاعل محلي على البقاء ضمن دائرة ضبط اقتصادية-سياسية واحدة، مقابل الحد من احتمالات الانفجار.
حلب كاختبار لمدى صلابة التوازن
التطورات الأخيرة في حلب تظهر أن هذا التوازن لا يزال هشا، فالاشتباكات التي تسببت في نزوح عشرات الآلاف أعادت إلى الواجهة التناقض بين منطق الدولة ومنطق الجماعة.
الجيش يرى نفسه حارس السيادة؛ وقسد ترى نفسها ضامنا لحقوق المكونات الكردية التي تشعر بتراجع دورها في النظام الجديد، وبين الاثنين، تحاول واشنطن الإبقاء على “توازن الضعف” فيبقى كل طرف قويا بما يكفي للبقاء، وضعيفا بما يكفي لعدم السيطرة.
هذا التوازن المرهق يجعل المشهد السوري ظاهريا مستقرا، لكنه في العمق توازن فوق بركان، فالتوازن ليس حالة سكون، بل ديناميكية ضغط مستمر بين قوى اجتماعية وجغرافية لا تزال متقابلة أكثر مما هي متصالحة.
المدن، من حلب إلى الحسكة، تتنفس وفق إيقاع مزدوج، انضباط إداري في الظاهر، واحتقان مكبوت، وعلى غرار الصفائح التكتونية التي تبقى ساكنة ظاهريا بينما تخزن طاقتها في الأعماق، تتحرك البنى المحلية والولاءات الجهوية تحت سطح الدولة الجديدة دون أن تجد مخرجا مؤسساتيا كاملا.
حين تتحدث واشنطن عن الاستقرار”، فإنها تعني توازن القوى ضمن حدود الجغرافيا، لا التئام النسيج الوطني، وهذا الفرق الجوهري بين الاستقرار السياسي والاستقرار الجغرافي هو ما ينتج مفارقة المشهد السوري الراهن، فالنظام يبدو متماسكا لأنه مراقب، لكنه هش لأنه مفروض من الخارج.
لأن الجغرافيا تحتفظ بالذاكرة حتى حين تعاد كتابتها فإن هذا الهدوء الماثل اليوم لا يلغي احتمالات الانفجار، بل يؤجلها ويحولها إلى توتر تحت الأرض تدار حدوده بالخرائط أكثر مما تحل بالسياسة.
التوازن كوسيلة للوصاية الجديدة
تبدو سياسة واشنطن في سوريا أقرب إلى نظام وصاية جغرافية أكثر منها شراكة سيادية، فهي لا تدير البلاد مباشرة، لكنها تتحكم بـ”المعادلات المكانية” التي تحدد سلوك الأطراف، وتشرف على شكل اللامركزية، وتضبط حدود انتشار الجيش، وتقرر ما إذا كان الدمج العسكري يسير وفق المسار المرسوم.
إنها صيغة جديدة للسيطرة عبر “التحكم بالخرائط لا بالقرارات”، فسوريا أصبحت تعد فضاء للنفوذ الأجنبي الصريح، وأصبحت نظاما من الجغرافيا السياسية المدارة، فهو فضاء موزونا تعدل فيه الولايات المتحدة الموازين متى اقتضت الضرورة.
الجغرافيا والذاكرة: معركة المعاني
الجغرافيا ليست فقط توزيعا للمكان، بل أيضا توزيع للذاكرة، وحلب، التي كانت رمزا للحرب الأهلية منذ 2012، لم تتحرر بعد من ذاكرة الانقسام، وكل اشتباك فيها يعيد إلى الذاكرة سؤالا قديما عن معنى “الوطن” و”السلطة”.
إن مهمة الهندسة الأمريكية، في جوهرها، ليست إعادة بناء البنية الإدارية فقط، بل إعادة تشكيل العلاقة بين المجال والهوية، فإذا لم تتحول المدن السورية مثل حلب والرقة والحسكة إلى فضاءات تتشارك فيها المكونات من دون خوف، سيبقى التوازن السياسي سطحيا ومؤقتا.
نحو أي توازن يتجه المسار؟
كل المؤشرات بعد أحداث حلب الأخيرة تظهر أن الهندسة الأمريكية للتوازن الداخلي السوري دخلت مرحلة الاختبار الأصعب، فهي أمام تحديات واقعية لا نظرية:
- هل يمكن لهذا التوازن أن يصمد في ظل ضعف المؤسسات الوطنية؟
فكل توازن هش يحتاج إلى بنية بيروقراطية قادرة على ضمان تطبيقه، وهو ما لا يبدو متحققا بعد. - هل ستظل واشنطن قادرة على لعب دور الضامن؟
فاستمرار التوتر في الشمال يستهلك منسوب الثقة في قدرتها على إدارة المشهد دون تدخل عسكري مباشر. - هل يمكن تحويل “التوازن المفروض” إلى “توازن مقبول”؟
إلى نظام داخلي يراه السوريون إطارا وطنيا لا إملاء خارجيا. - هل سيتحول نموذج حلب إلى نموذج قابل للاستنساخ في محافظات أخرى؟
فالتجارب في دير الزور والحسكة والرقة ما زالت تدار بأساليب مختلفة، مما يثير التساؤل حول مدى إمكانية تعميم هذا النموذج المتوازن. - ما ثمن هذا التوازن من حيث العدالة والمواطنة؟
إذ يظل السؤال الأخطر هو: هل يمكن للتوازن أن يكون بديلا عن العدالة؟ أم أنه مجرد تأجيل للانفجار المقبل تحت اسم “الاستقرار”؟
سوريا بوصفها مشروعا جغرافيا مفتوحا
الجغرافيا ليست علما للخرائط بل فنا لفهم الصراع، وفي الحالة السورية، تبدو البلاد وكأنها تدار الآن كـ”مشروع جغرافي مفتوح”، فكل معركة تعيد رسم خطوط التوازن، وكل مدينة تصبح مساحة تفاوض بين الجغرافيا والسياسة.
ما يجري في حلب اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للسيطرة، بل إعادة تعريف لمعنى الدولة نفسها، وإذا كانت واشنطن نجحت في هندسة معادلة تمنع الانفجار الشامل، فإن السؤال يبقى: هل يمكن لهذه الهندسة أن تنتج استقرارا دائما، أم أنها مجرد تقنية لإدارة التناقضات إلى حين؟
يذكرنا علم الجغرافيا السياسية بأن الحقيقة لا تحسم في البيانات ولا في النصوص، بل ترسم على الأرض في خطوط السيطرة، وفي حركة الناس، وفي المدن التي تعلمت أن التوازن لا يتحقق بإعلانه، بل بإدارته المستمرة داخل المجال.

