في الخطاب الذي ألقاه وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، بحضور رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال كين، نواجه بناء خطابي كثيف، متماسك داخليا، مصاغ بعناية لإعادة تعريف الحرب، وإعادة تموضع الذات الأمريكية، وتأطير “العدو الإيراني” ضمن منظومة رمزية أخلاقية وأيديولوجية مغلقة.
ومن منظور تحليل الخطاب النقدي يمكن تفكيك هذا النص عبر مستويات ثلاثة: البنية الكبرى (الموضوعات الشاملة)، البنية الصغرى (الاختيارات اللغوية والدلالية)، والسياق المعرفي-الأيديولوجي الذي يؤطر إدراك المتلقي.
البنية الكبرى – سردية الحرب بوصفها قصاصا أخلاقيا
يؤسس الوزير خطابه على أطروحة مركزية واضحة؛ “لم نبدأ هذه الحرب، لكننا سننهيها”، وهذه الجملة ليست وصفا، بل إعادة صياغة للواقع ضمن ثنائية أخلاقية حادة: المعتدي/المدافع، الفوضى/النظام، الإرهاب/العدالة، وتمثل هذه البنية ما يسمى “الاستراتيجية الأيديولوجية الأساسية” وإبراز محاسن الذات (positive self-presentation) مقابل إبراز مساوئ الآخر (negative other-presentation).
العملية العسكرية تُسمّى “الغضب الملحمي”، وهو توصيف ذو حمولة رمزية تتجاوز المعنى العملياتي، ومفردة “ملحمي” تنقل الفعل العسكري من حقل التكتيك إلى حقل الأسطورة، ومن فعل سياسي قابل للنقاش إلى حدث تاريخي قدري، فيتم تضخيم الذات القومية إلى مرتبة الفاعل التاريخي الحاسم.
في المقابل، يختزل الطرف الإيراني في توصيفات متكررة؛ “النظام التوسعي الإسلاموي”، و”طائفة الموت” و”أنظمة مجنونة” و”الإسلامويون الراديكاليون”، وهذه اللغة لا تترك مجالا لتعقيد سياسي أو اجتماعي؛ إنها تنتج عدوا متجانسا ومطلق الشر وخارج إطار العقلانية، وهذه الاستراتيجية تخدم ما يسمى “نزع الشرعية المعرفية (epistemic delegitimization)”، حيث يقدم الخصم باعتباره غير قابل للحوار العقلاني.
البنية الصغرى – اللغة بوصفها سلاحاً
في المستوى اللغوي، يتكئ الخطاب على عدة أدوات:
- التكرار الإيقاعي
عبارات مثل “لا اعتذار، لا تردد”، و”دمروا التهديد الصاروخي، دمروا البحرية، لا للأسلحة النووية”، تستخدم كأدوات تعبئة عاطفية، والتكرار هنا ليس زخرفا بل آلية ترسيخ معرفي، فيخلق “النماذج الذهنية” لدى الجمهور، بحيث تصبح الرسالة قابلة للاستدعاء بسهولة ومحصنة ضد التفكيك النقدي.
- الاستعارة القتالية
الوزير يقول “فكروا في الأمر كأننا نطلق النار على الرامي بدلا من السهام”، وهذه الاستعارة تبسط بنية الصراع المعقدة إلى صورة ثنائية واضحة، تقصي أي أبعاد سياسية أو تفاوضية؛ إنها إعادة تأطير للحرب كضرورة وقائية بحتة.
- الشخصنة والقداسة
الرئيس ترامب يقدم بوصفه “المقاتل الذي يضع أمريكا أولا”، و”القائد العام الثابت”، ويتكرر اسمه بصورة لافتة، ما يعكس استراتيجية ربط الحرب بشخص الزعيم، وهنا يتحول القرار العسكري إلى امتداد لإرادة فردية قوية، لا لعملية مؤسسية معقدة.
الخطاب يتضمن بعدا دينيا صريحا: “أدعو الله القدير أن يكلأكم بعنايته”، وإدخال المرجعية الإلهية يضفي شرعية أخلاقية عليا على الفعل العسكري، ويصعّب مساءلته، إذ يصبح متماهيا مع إرادة عليا.
إدارة المعرفة – ماذا يقال وماذا يُحجب؟
لا يختزل تحليل الخطاب في ما يقال فقط، بل في ما يفترض ضمنيا، فالخطاب يذكر “47 عاما من العدائية الإيرانية”، لكنه يتجاهل السياقات التاريخية المعقدة للعلاقة الأمريكية–الإيرانية منذ 1979، بما فيها العقوبات، والانقلابات، والملفات الإقليمية، ويتم انتقاء أحداث مثل بيروت أو العراق لتكوين خط سببي أحادي الاتجاه.
في المقابل، يتم توصيف العمليات العسكرية الأمريكية بعبارات تقنية محايدة نسبيا في حديث الجنرال كين: “تكامل مشترك”، و”ضربات متزامنة”، و”تقييم أضرار المعركة”، وهنا نلحظ توزيع أدوار خطابي، فالوزير يؤدي دور التعبئة الأيديولوجية، بينما يتولى الجنرال ترسيخ صورة المهنية والانضباط.
هذا التناوب بين العاطفي والتقني يعزز مصداقية الخطاب؛ فالمتلقي يتأثر بالبعد العاطفي، ثم يطمئن إلى وجود إدارة عسكرية عقلانية.
نفي “حروب لا نهاية لها” وإعادة تعريف العراق
من أبرز عناصر الخطاب محاولة الفصل بين هذه الحرب وتجربة العراق، فيقول الوزير “هذه ليست العراق”، وهذا النفي الصريح يعكس وعيا بذاكرة جماعية مثقلة بتجارب التدخل الطويل، واستدعاء الذاكرة الجمعية جزءاً من “الإدراك الاجتماعي المشترك” الذي يشكل خلفية تلقي الخطاب.
غير أن النفي لا يصاحبه تعريف دقيق لاستراتيجية الخروج، فحين يسأل عن الإطار الزمني، يرفض الوزير تحديده، معتبرا السؤال “إيقاعياً”، فنرى توتراً بين الرغبة في تأكيد الحسم السريع، والحاجة إلى ترك الباب مفتوحا لعملية ربما تطول.
العدو الداخلي والإعلام
الهجوم اللفظي على “وسائل الإعلام واليسار السياسي” يعكس توسيع دائرة الصراع لتشمل الداخل، وهذه استراتيجية كلاسيكية في الخطاب التعبوي عبر خلق جبهة داخلية موحدة وتصوير النقد كتشويش أو خيانة، فيتم بناء “نحن” المتماسكة مقابل “هم” الخارجيين والداخليين.
كما أن وصف سؤال صحفي بأنه “Gotcha question” يهدف إلى نزع شرعية المساءلة ذاتها، فيتحول الإعلام من رقيب ديمقراطي إلى خصم سياسي.
خطاب إلى الشعب الإيراني – تحريض أم تمكين؟
الوزير يوجه رسالة مباشرة للشعب الإيراني عبر عبارة “هذه هي لحظتكم”، وهذا الخطاب يفتح نافذة على بعد آخر؛ محاولة الفصل بين النظام والشعب، لكنه في الوقت نفسه يتضمن إيحاء ضمنيا بتشجيع التغيير الداخلي، ما يضعف تأكيده السابق بأن الحرب ليست “تغيير نظام”.
هذه الازدواجية تكشف تناقضا خطابيا فهناك نفي هدف تغيير النظام، مع الإيحاء بإمكانية استثمار “الفرصة” داخليا.
يُظهر الخطاب تماسكا أيديولوجيا عاليا، فيعيد تعريف الحرب كفعل أخلاقي ضروري، ويُقصي التعقيد السياسي، ويُضفي طابعا قدريا على القرار العسكري، ويؤطر النقد كضجيج.
غير أن قوة هذا البناء تكمن أيضا في هشاشته، فهو يعتمد على ثنائيات حادة، ويؤجل الأسئلة المتعلقة بالمدة والتكلفة السياسية، ويستثمر بكثافة في الرمز والشخصنة، فلا يعد الخطاب مجرد بيان عسكري، بل محاولة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي للحرب، بحيث تصبح “الغضب الملحمي” أكثر من خيار سياسي، بل استحقاق تاريخي.
وهنا تحديدا تكمن أهمية تحليل الخطاب؛ ليس لفهم ما قيل فحسب، بل لفهم كيف يُعاد تشكيل الواقع عبر اللغة، وكيف تدار الحرب بالكلمات قبل الصواريخ.
“الغضب الملحمي”: كيف تُعاد صياغة الحرب كقدرٍ أخلاقي؟
التمثيل الأيديولوجي إبراز المحاسن vs مساوئ الآخر
التكرار كأداة ترسيخ عدد المرات في الخطاب
الاستعارة الدينية والقداسة
النفي الصريح “هذه ليست العراق”
الاستعارات القتالية / التبسيط
الشخصنة / ربط الحرب بالزعيم
- “47 عاماً من العدائية الإيرانية” (انتقاء أحداث: بيروت، العراق)
- توصيف عمليات عسكرية بتقنية محايدة (الجنرال كين): “تكامل مشترك، ضربات متزامنة”
- التحذير من “الإسلامويين الراديكاليين”
- السياقات التاريخية (1953، العقوبات، الملف النووي)
- تعقيد العلاقة الأمريكية–الإيرانية
- مدة الخروج واستراتيجية ما بعد الحرب
- الرد على سؤال “الإطار الزمني” باعتباره “إيقاعياً”

