مشاركة وزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات السوريين في زيارة وزير الخارجية إلى أنقرة؛ تعني أن المحادثات ركزت على الملفات الأمنية أكثر من أي جانب دبلوماسي أو بروتوكولي، فهذا التشكيل يوحي بأن الطرفين يبحثان ترتيبات عملية لإدارة الحدود والشمال السوري، وليس مجرد استئناف للحوار السياسي، فالتحركات المتزامنة بين أنقرة ودمشق في الأسابيع الأخيرة تشير إلى مسار تفاوضي مكثف، تحكمه اعتبارات ميدانية وضغوط إقليمية، أكثر مما تحكمه رغبة في تطبيع كامل للعلاقات.
الاتفاقية العسكرية: ما وراء البنود
الاتفاقية التي وُقعت بين الطرفين وتشمل التدريب، وتبادل الأفراد، وإزالة الألغام، والدفاع السيبراني، والهندسة العسكرية تبدو على الورق كأي بروتوكول تعاون، لكن في قراءة واقعية، هي خطوة لبناء قدرة عملياتية مشتركة، ولو على نطاق محدود، في مناطق تماس حساسة.
من المنظور السوري، فهذا مكسب مزدوج عبر استعادة جزء من الاحترافية العسكرية التي تآكلت بفعل الحرب، وكسب شريك إقليمي قادر على توفير قدرات لوجستية وتقنية غير متاحة بسهولة، أما تركيا فهي تسعى لتأمين عمقها الحدودي ومنع أي فراغ أمني تستغله قوى كردية أو حلفاء واشنطن في الشمال الشرقي.
لكن السؤال الاستراتيجي هو: هل هذه الشراكة تكتيك مؤقت تمليها الحاجة، أم أنها خطوة أولى في تحول أوسع نحو تحالف أمني شبه رسمي؟ التاريخ في المنطقة يوحي بأن الإجابة ليست مضمونة.
رسائل مضاعفة: إلى قسد… وإلى “إسرائيل”
البيان المشترك لم يوفر مجاملة لقوات سوريا الديمقراطية (SDF) ووحدات حماية الشعب (YPG)، واتهمها بعرقلة تنفيذ اتفاق إدماجها في الجيش السوري، وهذه الرسالة تلبي هواجس أنقرة الأمنية، لكنها تمنح دمشق ورقة ضغط على واشنطن، التي ما زالت ترى في “قسد” شريكا رئيسيا في محاربة الإرهاب.
في الوقت نفسه، لم تخلُ التصريحات من نقد مباشر لـ”إسرائيل”، مع تحميلها مسؤولية “تقويض أمن المواطنين السوريين” عبر الغارات الجوية، لكن من منظور القوة الصلبة، دمشق تفتقر حاليا إلى أدوات الردع الفعّال، ما يجعل هذا الموقف أقرب إلى خطاب سياسي موجه للاستهلاك الإقليمي أكثر من كونه إنذارا عملياتيا.
المفارقة أن تركيا التي تصطف الآن إلى جانب دمشق في هذه التصريحات هي عضو في الناتو، وتحافظ على قنوات اتصال أمنية مع تل أبيب، وهو ما يخلق تناقضا يصعب إخفاؤه أمام جمهور عربي يتابع المشهد بدقة.
ملف المخيمات: الأمن الإنساني كأرضية للتعاون
بحث التعاون في إدارة المخيمات، وخصوصا مخيم الهول، يعكس إدراك الطرفين أن الأمن الإنساني جزء من المعادلة الأمنية الشاملة، فهذه المخيمات تمثل بؤرا محتملة لعودة نشاط “داعش”، وتشكل عبئا استخباراتيا على كل من أنقرة ودمشق.
بالنسبة لتركيا، ضبط هذه المخيمات يعني تقليل المخاطر العابرة للحدود، وبالنسبة لسوريا هو اختبار لقدرتها على إعادة فرض سلطة الدولة في مناطق ما زالت عمليا خارج سيادتها، غير أن التعاون هنا لا يضمن تلقائيا استعادة السيطرة، بل يخلق صيغة إدارة مشتركة تحفظ المصالح التركية على حساب وحدة القرار السوري.
الغياب اللافت للتسريبات: انضباط أم إخفاء؟
اللافت أن هذه الزيارة، رغم حساسيتها، لم تخرج عنها تسريبات موثوقة من مصادر أجنبية أو تقارير استقصائية تكشف عمق المداولات، وفي عالم العلاقات الإقليمية، غياب التسريبات غالبا ما يعني أن لعبة سياسية أكبر تجري خلف الأبواب المغلقة، أو أن هناك انضباطا غير معتاد في التحكم بالمعلومات.
هذا الانضباط متعمد لتجنب ردود فعل سلبية من أطراف إقليمية، أو لإتاحة هامش مناورة قبل الإعلان عن تفاهمات أكبر.
البعد الجيوسياسي: موازنة النفوذ في بيئة مضطربة
التقارب السوري – التركي لا يمكن عزله عن مثلث أنقرة – موسكو، وعن رغبة السلطة المؤقتة في دمشق كسر احتكار حلفائها التقليديين لإدارة ملفاتها الأمنية، وتركيا، من جانبها، تمارس لعبة موازنة دقيقة بين التنسيق مع روسيا، والحفاظ على تواصل مع واشنطن، ومساعدة السلطة في دمشق على الاستمرار.
هذا التنسيق يعيد رسم خرائط النفوذ في شمال سوريا، لكنه أيضا يحمل خطر اصطدام مباشر مع حسابات إيران، التي يرى في الترتيبات التركية تزايدا لنفوذها.
التاريخ كدليل تحذيري
العقدان الأخيران في العلاقات السورية–التركية حملا مؤشرا أساسيا حيث التحالفات في المنطقة نادرا ما تكون دائمة، فمن التوافق الوثيق في العقد الأول من الألفية، إلى العداء المفتوح بعد 2011، ثم العودة إلى التنسيق القوي، بوجود سلطة، تركية شريكة بصناعتها وتتوافق معها، فأي تغير في توازن القوى أو تبدل في أولويات الأمن القومي للطرفين يمكن أن يسبب سريعا إلى مواجهة بينهما رغم كل شي.
التعاون العسكري الحالي يصبح أداة للتشارك، لكنه يتحول أيضا إلى ورقة ضغط متبادلة إذا تعثرت الملفات الكبرى كإدلب أو “قسد”.
واقعية بلا أوهام
زيارة أسعد الشيباني إلى أنقرة هي لحظة فارقة، لكنها ليست نهاية الصراع بين البلدين؛ الذي كان أيام النظام السابق، ولا بداية تحالف استراتيجي مستقر، فالاتفاقيات الموقعة توفر إطارا للتعاون، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الميدان، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع التعقيدات المحلية.
في النهاية هذه الزيارة أقرب إلى “هدنة تكتيكية” ضمن صراع أطول، حيث يسعى كل طرف إلى كسب الوقت وإعادة التموضع، أكثر من كونها بداية مرحلة جديدة، قائمة على الثقة المتبادلة بعد استلام السلطة الجديدة.

