وثيقة قديمة تفضح حاضرا جديدا
في أرشيف من القرن التاسع عشر، هناك وثيقة مثار جدل مؤرخة في 13شعبان 1253هـ (11 تشرين الثاني 1837) تحمل توقيع محمد علي باشا، والي مصر ومؤسس دولتها الحديثة، وبحسب نصّها المتداول تأمر ابنه إبراهيم باشا، حاكم بلاد الشام، بالتحقيق في جريمة خطف نساءٍ علويّات من جبال اللاذقية وبيعهنّ لضباطٍ مصريين.
تُشير الرواية إلى أن محمد علي لم يتردّد في الأمر بإعدام المتورّطين إن ثبتت الجريمة، وإعادة النساء إلى عائلاتهنّ دون تبريرٍ أو إنكار، ويختلف المؤرخون حول صحة الوثيقة، لكن ما لا يختلف عليه أحد هو سياقها الواقعي الممكن؛ تمرّد علوي في جبال الساحل، وفوضى عسكرية، وفتاوى متشدّدة تُبيح الأسر والسبي، فالواقعة تقع على تخوم التاريخ والأسطورة، لكنها تطرح سؤالاً بالغ المعاصرة، كيف تتعامل الدولة مع جرائم تُرتكب باسمها؟ بالإنكار أم بالاعتراف؟
في زمن التمرّد والفتاوى: كيف وُلدت الفاجعة؟
بين عامي 1831و1840، خضعت سوريا لحكمٍ مصريّ مباشر بقيادة إبراهيم باشا، نجل محمد علي، ورغم مظاهر التنظيم والإصلاح، حمل الحكم الجديد إجراءات قاسية تجلت بالتجنيد الإجباري والضرائب الباهظة ونزع السلاح من الأهالي.
في جبال اللاذقية، حيث تعيش الطائفة العلوية، تحوّلت تلك السياسات إلى تمرد واسع عام 1834–1835، قوبل بعنفٍ مفرط من الجيش المصري، وتزامن ذلك مع بروز خطابٍ ديني متشنّج ضد العلويين، حيث تُشير مصادر إلى فتوى للشيخ محمد المغربي عام 1820 تجيز أسر النساء العلويات في اللاذقية.
مهما تكن درجة الوثوق بهذه الفتوى، فإن آثارها كانت ملموسة في بيئة مشحونة بالكراهية المذهبية، ووسط تلك الأحداث، تسرّبت أخبارٌ عن بيع نساء علوياتٍ في اللاذقية، بعضها إلى ضباطٍ مصريين وبعضها إلى وسطاء مدنيين، ما استدعى تدخّل محمد علي نفسه.
بهذه الآلية ظهرت هذه الواقائع عبر مزيج من حرب أهلية صغيرة، وفتوى دينية تبرّر الانتهاك، وسلطة مركزية تحاول إنقاذ هيبتها بقرار قاطع.
محمد علي باشا: الاستبداد حين يستيقظ ضميره
محمد علي لم يكن واعيا لحقوق الإنسان بالمعنى الحديث، لكنه كان سياسيا يدرك أن الشرعية تُبنى على النظام والعدالة، لا على الفوضى والانتقام، وحين بلغه أن ضباطا مصريين تورّطوا في شراء نساء علويات، أرسل تعليماته إلى إبراهيم باشا بالتحقيق العاجل ومعاقبة الجناة “بالإعدام” إن ثبتت الجريمة.
في ذلك الزمن، لم يكن الاعتراف بالخطأ شائعا في الحكم المطلق، لكن محمد علي إن صحّ نص الوثيقة واجه الجريمة بجرأة، لا لأنه حاكم عادل، بل لأنه رجل دولة يخاف انهيار سلطته من الداخل أكثر مما يخاف أعداءه في الخارج.
فهم أن الظلم الطائفي، إن تُرك بلا ردع، يُهدّد وحدة الجيش، ويُفقده شرعيته الأخلاقية أمام الأهالي، وهنا تكمن المفارقة، فسلطة استبدادية في القرن التاسع عشر واجهت جريمة أخلاقية باعتبارها تهديدا للسيادة، فيما تتعامل سلطات القرن الحادي والعشرين مع الجرائم نفسها كـ”أسرار دولة” لا يُسمح بنقاشها.
رمزية الوثيقة: الاعتراف كشرطٍ للشرعية
لا نعلم إن كانت الوثيقة الأصلية موجودة فعلا في أرشيف القاهرة أو الإسكندرية، لكننا نعلم أن معناها الرمزي حقيقي، فهي تقول، بعبارة بسيطة إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على الإخفاء، بل على الاعتراف.
الاعتراف هنا ليس مجرّد فعل قانوني، بل تأسيس أخلاقي لسلطة مسؤولة عن مواطنيها جميعا، فحين يأمر حاكم حتى لو كان مستبدا بإعادة النساء المخطوفات إلى أهلهنّ، فإنه يعلن مبدأً سياسيا واضحا، وأن شرف الدولة مرتبط بكرامة أضعف من فيها.
هذه الفكرة، في حدّ ذاتها، ثورية بمعايير ذلك الزمن، وربما أكثر ثورية بمعايير زمننا الحالي، حين باتت كرامة الإنسان تفصيلًا في بيانات النفي والتكذيب الرسمية.
من اللاذقية إلى إدلب… التاريخ يعيد صمته
تمرّ اليوم قرابة مئتي سنة على تلك الحادثة، لكنّ المأساة السورية المعاصرة تُعيدها بأشكال أكثر وحشية:
- نساء سوريات في المخيمات يُبعن بعقود زواج مؤقتة داخل البلاد وخارجها.
- مختطفات في سجون رسمية وفصائلية لا يُعرف مصيرهنّ.
- اتجارٌ بالبشر في مناطق النزاع، وصمتٌ مطبق من السلطات المتنازعة.
لم نرَ بيانا رسميا يعترف بوقوع تلك الجرائم، ولا قرارا يُلزم بالتحقيق فيها، بل على العكس إنكار صار سياسة دولة، والسكوت أصبح عقيدة حكم، فحين نقارن بين محمد علي الذي واجه الخطف بالتحقيق والإعدام، وسلطات اليوم التي تواجهه بالسكوت، ندرك المفارقة أنّ الحداثة لم تُنتج وعيا أخلاقيا، بل مهارة بيروقراطية في الإنكار.
الاعتراف كفعلٍ سياسي: من التاريخ إلى العدالة الانتقالية
إذا أخذنا الرواية على محمل المجاز، فهي أقرب إلى درسٍ في فلسفة الحكم، ففي لحظة ما على الدولة أن تختار بين “الهيبة” و”الضمير”، ومحمد علي اختار أن يُعيد للسلطة ضميرها، ولو مؤقتا.
أما اليوم، فالمشهد السوري من دمشق إلى إدلب يعيش تحت سلطةٍ متعددة الرؤوس، كل منها يمارس قسوته ثم يُنكرها باسم “الضرورة” أو “الوطنية” أو “الدين”، وفي غياب الاعتراف، تتفكك الدولة من داخلها، لأن العدالة ليست رفاهية سياسية بل الشرط الأول لوجود الدولة نفسها.
إن بناء سوريا يمرّ عبر وثيقة أخلاقية وطنية تشبه تلك المزعومة من القرن التاسع عشر، فهناك وثيقة تقول ببساطة: “نعم، وقعت جرائم. نعم، هناك ضحايا، وسنحاسب”، فالعدالة الانتقالية ليست شعارا غربيا، بل استعادة لمبدأ شرقيّ قديم “الاعتراف بالذنب كطريقٍ إلى الشفاء”.
بين التاريخ والمستقبل
سواء كانت وثيقة محمد علي باشا حقيقة أرشيفية أو أسطورةً سياسية، فإنها تظل مرآة لسؤال أخلاقي لم يُحسَم بعد، فهل يمكن لسلطة أن تبقى شرعية وهي تُنكر جراح مواطنيها؟
قبل قرنين، أدرك حاكم عسكري أن إنقاذ سلطته يمرّ عبر الاعتراف بخطأ جنوده، أما اليوم، فهناك من يقنع نفسه أن إنكار الجريمة يحفظ الهيبة، لكنّ التاريخ لا يرحم المنكرين، فمن يريد شرعية حقيقية عليه أن يقلّد ذلك الفعل البسيط الذي فعله محمد علي باشا أو رُوي عنه: اعترف، حقّق، عاقِب. وما عدا ذلك ضجيج.
حين عاقب محمد علي باشا خاطفي النساء العلويات… وماذا تقول تلك الحكاية عن سوريا اليوم؟
الخلفية التاريخية
في أرشيف من القرن التاسع عشر، وثيقة مؤرخة في 13 شعبان 1253هـ (11 تشرين الثاني 1837) تحمل توقيع محمد علي باشا، تأمر ابنه إبراهيم باشا بالتحقيق في جريمة خطف نساء علويات من جبال اللاذقية وبيعهن لضباط مصريين.
السياق التاريخي للوثيقة
بين عامي 1831-1840، خضعت سوريا لحكم مصري مباشر بقيادة إبراهيم باشا. في جبال اللاذقية، حيث تعيش الطائفة العلوية، تحولت سياسات التجنيد الإجباري والضرائب الباهظة إلى تمرد واسع عام 1834-1835، قوبل بعنف مفرط من الجيش المصري.
تزامن ذلك مع بروز خطاب ديني متشدد ضد العلويين، حيث تشير مصادر إلى فتوى للشيخ محمد المغربي عام 1820 تجيز أسر النساء العلويات في اللاذقية.
المقارنة مع الوضع الحالي في سوريا
تمر اليوم قرابة مئتي سنة على تلك الحادثة، لكن المأساة السورية المعاصرة تعيدها بأشكال أكثر وحشية:
- نساء سوريات في المخيمات يبعن بعقود زواج مؤقتة داخل البلاد وخارجها
- مختطفات في سجون رسمية وفصائلية لا يعرف مصيرهن
- اتجار بالبشر في مناطق النزاع، وصمت مطبق من السلطات المتنازعة
- جريمة خطف نساء علويات وبيعهن
- تدخل محمد علي باشا شخصيًا
- أمر بالتحقيق الفوري
- تهديد بالإعدام للمتورطين
- إعادة النساء إلى عائلاتهن
- اعتراف بالجريمة ومواجهتها
- اتجار بالبشر وبيع النساء في المخيمات
- غياب المساءلة والمحاسبة
- انعدام التحقيقات الجادة
- إفلات المجرمين من العقاب
- استمرار معاناة الضحايا
- إنكار الجرائم وسياسة التعتيم
التسلسل الزمني للأحداث
إصدار فتوى تجيز أسر النساء العلويات في اللاذقية، مما خلق بيئة مشحونة بالكراهية المذهبية.
خضوع سوريا للحكم المصري المباشر بقيادة إبراهيم باشا مع سياسات قاسية شملت التجنيد الإجباري والضرائب الباهظة.
تمرد واسع في جبال اللاذقية قوبل بعنف مفرط من الجيش المصري.
إصدار وثيقة تأمر بالتحقيق في جريمة خطف نساء علويات وبيعهن لضباط مصريين، مع التهديد بالإعدام للمتورطين.
الخلاصة: الاعتراف كفعل سياسي
سواء كانت وثيقة محمد علي باشا حقيقة أرشيفية أو أسطورة سياسية، فإنها تظل مرآة لسؤال أخلاقي لم يحسم بعد: هل يمكن لسلطة أن تبقى شرعية وهي تنكر جراح مواطنيها؟
قبل قرنين، أدرك حاكم عسكري أن إنقاذ سلطته يمر عبر الاعتراف بخطأ جنوده. أما اليوم، فهناك من يقنع نفسه أن إنكار الجريمة يحفظ الهيبة، لكن التاريخ لا يرحم المنكرين.
المراجع
ResearchGate: Alawites Rebellion in Syria Against Egyptian Rule (1834–1835)
Archive.org: A History of the Alawis – Stefan Winter
ScholarWorks: Capar, The History of Nusayris in Ottoman Syria

