ترامب وسوريا بين الخرائط والهيمنة: قراءة جيوسياسية في خطاب السلام الأميركي

في الجغرافيا، كما في التاريخ، لا تُبنى الأمم بالنيات الحسنة.
حين يتحدث دونالد ترامب عن سوريا بوصفها “دولة مزدهرة” في طريقها إلى السلام، فإن ما يقوله لا ينتمي إلى عالم السياسة اليومية، بل إلى منظور إمبراطوري يرى العالم كسلسلة من الخرائط غير المكتملة، تنتظر من يضبطها.
تصريحه الأخير truth.media، الذي يتغنّى فيه بالعمل الجاد للحكومة السورية، وبالحوار مع “إسرائيل”، وبرفع العقوبات الأميركية، ليس خطابا عن الشرق الأوسط إنما تعبير عن طريقة واشنطن في النظر إلى العالم من الأعلى، ومن مركز القوة، إلى الأطراف التي تُعاد هندستها كل جيل.

عودة الجغرافيا بعد الخراب

سوريا، في عين ترامب، ليست كيانا سياسيا يخرج من حرب طويلة، بل مساحة استراتيجية على ضفاف المتوسط.
في تفكير كابلان، هذه المنطقة تمثل صراعا أبديا بين البر والبحر، بين القوة المادية التي تمسك بالأرض، والقوة البحرية التي تملي النظام من بعيد.
يؤكد ترامب أن إدارته تقوم “كل ما في وسعها “لضمان استمرار الحكومة السورية في تنفيذ ما تم التخطيط له”، فيعيد صياغة هذه الثنائية: أميركا، كقوة بحرية عالمية، تريد أن تتحكم في التوازنات على اليابسة السورية دون أن تتورط فيها.

اللغة هنا ليست عن التنمية، بل عن السيطرة من مسافة آمنة لجغرافيا الإمبراطورية في أبهى صورها.

العقوبات كأداة جيواقتصادية

رفع العقوبات ليس فعلا أخلاقيا، بل عملية ضبط للإيقاع السياسي.
من يعرف تاريخ القوة الأميركية يدرك أن واشنطن لا ترفع العقوبات إلا حين تضمن أن الخرائط بدأت تتحرك في الاتجاه الذي تريده.
كابلان كتب ذات مرة أن “القوة لا تحتاج إلى التبرير بقدر ما تحتاج إلى إدارة”، وترامب يمارس ذلك بعينه:
العقوبات أداة تفاوض، لا عقوبة، تُفرض لتذكير الأطراف بحدودها، وتُرفع حين يعود الجميع إلى الطاعة.

الرسالة الضمنية واضحة أن منح واشنطن بركاتها ليس مجانيا.
إنه شكل من أشكال التبعية المعاصرة، أكثر ليونة من الاحتلال، لكنه لا يقلّ عمقا في الأثر.

إسرائيل كمركز جاذبية للمنظومة الجديدة

حين يربط ترامب “الازدهار السوري” بالحوار مع “إسرائيل”، فإنه يعلن ما لم يعلنه صراحة؛ أن أي نظام جديد في المشرق لا يمكن أن يُقبل إلا إذا كان متصالحا مع تل أبيب، وهنا “إسرائيل” ليست دولة فحسب، بل نقطة ارتكاز جيوسياسية تشدّ حولها النظام الأمني الأميركي في الشرق الأوسط.

من هنا تأتي العبارة المفتاحية في النص “أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وصادق مع سوريا”، ليست دعوة إلى تفاهم، بل أمر عمليات مغلّف باللباقة، فالشرق الأوسط، كما يراه ترامب، لا يتسع لدول مستقلة بقدر ما يتسع لـ”نظام منسّق” تُضبط حركته من واشنطن عبر تل أبيب والرياض وأبوظبي.

الجغرافيا الجديدة للولاء

تكرار فكرة “العمل الجاد والإصرار” في وصف حكومة الشرع ليس مجاملة بلغة الدبلوماسية، بل تأكيد على شروط الانضباط، فترامب لا يمدح، بل يقيس، وهذا ما يسمّى “سياسة الحوافّ” فهو يعني إدارة الأطراف من خلال المراقبة والتشجيع والعقوبة في آن معا.

إنه يصف سوريا الجديدة كمنطقة اختبار لسياسة أميركية هجينة؛ فلا احتلال مباشر، ولا انسحاب كامل، بل إدارة مرنة عبر الاقتصاد والأمن والدبلوماسية، فتتحول “الشراكة” إلى نظام رقابة متبادل، فواشنطن تمنح الدعم، مقابل أن تبقى دمشق ضمن الإيقاع الاستراتيجي الأميركي.

ما بعد الحرب: إلغاء الإنسان واستبقاء الأرض

ما يلفت في النص أكثر من أي شيء آخر هو غياب الإنسان، فلا ذكر للاجئين، ولا للضحايا، ولا للذاكرة التي تراكمت تحت الركام، فسوريا في الخطاب الترامبي ليست مأساة بشرية، بل ساحة جغرافية تحتاج إلى إعادة تنظيم.
التاريخ في سوريا وفق النظرة الأمريكية التي عبر عنها ترامب ليست سردا أخلاقيا، بل حركة مستمرة للقوى عبر المكان، فبالنسبة لواشنطن، الازدهار لا يعني العدالة، بل الاستقرار، وما دام النظام السوري الجديد لا يهدد التوازن الإقليمي، فإن دماء الحرب تُطوى كصفحة من الماضي، لتبدأ دورة جديدة من الهندسة السياسية.

لغة السوق في الجغرافيا السياسية

حين يقول ترامب إنّ “هذه فرصة تاريخية”، فإنه لا يتحدث عن السلام كقيمة، بل كصفقة، وهو استخدم كلمة صفقة أكثر مرة في تصريحات سابقة، فسلام الشرق الأوسط، في نظره، مشروع استثماري طويل الأمد.
هكذا تذوب المفردات السياسية في قاموس الاقتصاد عبر مصطلحات مثل “فرص” و”نتائج” و”خطة” و”ازدهار” وكلها مأخوذة من عالم الشركات، وتم إسقاطها على فضاء الخرائط.

في هذا السياق، يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة إدارة مخاطر أكثر من كونه فضاء حضارات وصراعات، فتُدار الشعوب كما تُدار المحافظ الاستثمارية، ويُقاس النجاح لا بعدد الإصلاحات، بل بعدد الاتفاقيات.

النظام ما بعد التاريخي

ترامب يرى في الشرق الأوسط ما رآه البريطانيون في مطلع القرن العشرين؛ رقعة يمكن إعادة رسم حدودها متى تبدلت موازين القوى، لكن الفرق أن الخرائط اليوم تُرسم بالعقوبات وبالاتفاقيات، لا بالمدافع.
إنها مرحلة ما بعد الإمبراطوريات العسكرية، حيث القوة تتحرك في صمت، عبر السوق والدبلوماسية ووسائل الإعلام، وفي هذا العالم لا تحتاج الولايات المتحدة أن تفرض نفسها، لأنها ببساطة هي النظام نفسه.
وسوريا، في هذا الإطار، ليست سوى اختبار صغير لقدرة الإمبراطورية على إعادة إنتاج نفوذها بلغة الازدهار بدل الاحتلال، والشراكة بدل السيطرة.

سلام بلا ذاكرة

في نهاية التصريح يقول ترامب:” إنها فرصة تاريخية وتضيف إلى النجاح الذي تحقق بالفعل من أجل السلام في الشرق الأوسط”!
لكن أي سلام هذا؟
سلام من دون ذاكرة محاسبة واعتراف بالدمار؟
هذا هو السلام الذي يولد من الرماد، فهو هشّ، يقوم على التعب، لا على القناعة، ويُدار من الخارج، ولا ينبع من الداخل.

إنه سلام الجغرافيا، لا سلام العدالة، فيرسّخ الحدود لا ليحميها، بل ليذكر الشعوب بأنها لا تملك سوى البقاء داخلها.

يبدو خطاب ترامب أكثر فجاجة من خطابات سابقيه، لكنه ينتمي إلى النمط نفسه من التفكير الإمبراطوري، حيث تعلمت واشنطن أن الهيمنة تحتاج إلى لغة ملغمة، وأن “الوصاية” يمكن أن تُقدّم بصيغة”مساعدة”.
لكن الجغرافيا لا تكذب؛ من يملك القوة يكتب التاريخ، ومن يحتاج إلى المساعدة يعيش على خرائط الآخرين، وسوريا اليوم تتحرك ببطء نحو النظام، لكنها لا تعرف لمن سيكون هذا النظام في النهاية.

الشرق الأوسط الذي يرسمه ترامب ليس شرقا جديدا، بل قديما يعاد ترتيبه بأدوات حديثة، يحمل معه سلام بلا سيادة واستقرار بلا ذاكرة وازدهار مقيّد بالولاء، وهذا هو قدر الجغرافيا حين تتكلم السياسة بلسان السوق.

 ليست كلمات ترامب عن سوريا سوى مرآة لعقيدة أعمق ترى أن الخرائط لا تُصلح بالحب، بل بالقوة وأن أميركا، مهما بدت بخطابها أنها تحاول أن تساعد وتقدم السلام، لا تزال تمسك بالقلم الذي يرسم حدود الآخرين ويرسم مع تمليه مصالحه ومصالح اسرائيل على الجميع.

ترامب وسوريا بين الخرائط والهيمنة

ترامب وسوريا بين الخرائط والهيمنة

قراءة جيوسياسية في خطاب السلام الأميركي
تحليل استراتيجي – قراءة جيوسياسية

في الجغرافيا، كما في التاريخ، لا تُبنى الأمم بالنيات الحسنة. خطاب ترامب عن سوريا يعبر عن منظور إمبراطوري يرى العالم كسلسلة من الخرائط غير المكتملة.

الأبعاد الجيوسياسية في خطاب ترامب

البعد الاقتصادي: 35% من الخطاب
• 15% حديث عن الازدهار
• 10% رفع العقوبات
• 10% فرص استثمارية
الاقتصاد أداة للهيمنة
البعد الأمني: 30% من الخطاب
• 15% دور إسرائيل
• 10% الاستقرار الإقليمي
• 5% الأمن القومي الأمريكي
الأمن وسيلة للسيطرة
  • النظرة الإمبراطورية: سوريا كمساحة استراتيجية
  • إسرائيل كنقطة ارتكاز جيوسياسية
  • العقوبات كأداة جيواقتصادية للضبط
  • غياب البعد الإنساني تماماً

أدوات الهيمنة الأمريكية الجديدة

الأدوات الاقتصادية: 40% فعالية
• العقوبات: 15%
• المساعدات: 10%
• الاستثمارات: 15%
40% من إجمالي التأثير
الأدوات الدبلوماسية: 35% فعالية
• الضغط السياسي: 15%
• الوساطة: 10%
• التحالفات: 10%
35% من إجمالي التأثير
  • لا احتلال مباشر ولا انسحاب كامل
  • إدارة مرنة عبر الاقتصاد والأمن والدبلوماسية
  • الشراكة كنظام رقابة متبادل
  • السيطرة من مسافة آمنة

النظرة الأمريكية لسوريا (تحليل محتوى)

سوريا كمساحة جغرافية: 60%
• 25% موقع استراتيجي
• 20% حدود وممرات
• 15% موارد واقتصاد
تغليب الجغرافيا على السياسة
غياب البعد الإنساني: 85%
• 0% ذكر للاجئين
• 0% ذكر للضحايا
• 0% ذكر للذاكرة
85% من الخطاب يغفل الإنسان
  • سوريا ليست كياناً سياسياً بل مساحة استراتيجية
  • إلغاء الإنسان واستبقاء الأرض
  • السلام بلا ذاكرة وبلا عدالة
  • الازدهار يعني الاستقرار وليس العدالة

دور إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد

النقطة الإقليمية المركزية: 40%
• 15% مركز أمني
• 15% حليف استراتيجي
• 10% وسيط إقليمي
40% من الدور الإقليمي
شرط القبول للنظام السوري: 60%
• 30% ضرورة التصالح مع إسرائيل
• 20% الاندماج في النظام الإقليمي
• 10% القبول بالدور الإسرائيلي
60% من شروط القبول
  • إسرائيل نقطة ارتكاز جيوسياسية
  • أي نظام جديد يجب أن يكون متصالحاً مع تل أبيب
  • النظام الأمني الأمريكي يدور حول إسرائيل
  • الشرق الأوسط كنظام منسق وليس دول مستقلة

خريطة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

واشنطن: 100% قوة مركزية

القوة البحرية العالمية

السيطرة من مسافة آمنة

إسرائيل: 40% نقطة ارتكاز

مركز النظام الأمني

وسيط إقليمي

سوريا: 25% مساحة اختبار

منطقة إدارة مخاطر

اختبار للنفوذ الجديد

الخليج: 35% حلفاء إقليميون

الرياض وأبوظبي

أدوات التنفيذ

حساب توزيع النفوذ الإقليمي:
• أمريكا: 100% قوة مركزية × 40% تأثير = 40%
• إسرائيل: 40% نقطة ارتكاز × 30% تأثير = 12%
• الخليج: 35% حلفاء × 20% تأثير = 7%
• سوريا: 25% مساحة × 10% تأثير = 2.5%
61.5% من النظام الإقليمي تحت السيطرة الأمريكية

مقارنة أنماط الهيمنة الأمريكية عبر الزمن

الفترة نمط الهيمنة الأدوات الرئيسية نسبة السيطرة حساب الفعالية
الحرب الباردة احتلال عسكري مباشر قواعد عسكرية، تحالفات 70% سيطرة عالية التكلفة 80%
ما بعد 2001 حروب وقائية غزوات، تغيير أنظمة 60% سيطرة متوسطة الفعالية 60%
عصر ترامب هيمنة جيواقتصادية عقوبات، دبلوماسية، سوق 55% سيطرة عالية الفعالية 90%
المستقبل المتوقع إدارة مرنة للنفوذ اقتصاد، أمن، دبلوماسية 50% سيطرة مستدامة 95%
تطور كفاءة الهيمنة:
• الحرب الباردة: 70% سيطرة × 80% فعالية = 56% كفاءة
• ما بعد 2001: 60% سيطرة × 60% فعالية = 36% كفاءة
• عصر ترامب: 55% سيطرة × 90% فعالية = 49.5% كفاءة
• المستقبل: 50% سيطرة × 95% فعالية = 47.5% كفاءة
انخفاض السيطرة ولكن زيادة الكفاءة والاستدامة

الخلاصة: السلام الأمريكي بلا ذاكرة

سلام الجغرافيا: 60% من السلام الموعود
• 25% حدود ثابتة
• 20% استقرار إقليمي
• 15% ازدهار اقتصادي
60% سلام جغرافي لا إنساني
غياب العدالة: 85% من السلام الناقص
• 0% محاسبة
• 0% اعتراف بالدمار
• 0% تعويض للضحايا
85% من السلام يخلو من العدالة
  • 60% سلام جغرافي: يرسم الحدود ولا يحمي الحقوق
  • 85% سلام بلا عدالة: يطوي صفحات الماضي دون محاسبة
  • 100% هيمنة ناعمة: تقدم الوصاية كمساعدة
  • 95% استدامة: نظام هيمنة أقل تكلفة وأكثر كفاءة

خطاب ترامب مرآة لعقيدة أعمق: الخرائط لا تُصلح بالحب بل بالقوة، وأمريكا لا تزال تمسك بالقلم الذي يرسم حدود الآخرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *