اللامركزية في سوريا: كيف تعيد الجغرافيا تعريف السياسة والسلطة

في سورية، ليست اللامركزية مجرد فكرة إدارية أو نزعة سياسية؛ إنها مسألة جغرافية بامتياز، لأن ما يحدد شكل السلطة ليس فقط طبيعة النظام السياسي، بل أيضا شكل الأرض التي تُمارَس عليها هذه السلطة، فالجغرافيا، قبل أن تكون علما للخرائط، هي سلاح في فهم الصراعات.
واللامركزية في سورية تُختبر اليوم، لا كإصلاح إداري، بل كطريقة في إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسكان والدولة.

الجغرافيا كقدر سياسي

سورية بلد ذو تضاريس متشابكة ومجتمعات متداخلة، من جبال الساحل غربا إلى سهول الجزيرة شرقا، ومن بادية الفرات إلى أحياء دمشق وحلب.
هذه التعددية ليست تفصيلا جغرافيا، بل هي أساس البنية السياسية التي صاغت الدولة السورية الحديثة، فحينما توحدت سورية تحت سلطة مركزية في النصف الأول القرن العشرين، كان ذلك في جزء منه مشروعا لتجاوز الفوارق الجغرافية-الاجتماعية بين المناطق، لكن الحرب الأخيرة، وما سبقها من عقود من التفاوت التنموي والإقصاء الإداري، جعلت تلك الفوارق تطفو إلى السطح.

حين يتحدث السوريون اليوم عن “اللامركزية” فإنهم في العمق يطرحون توزيع السلطة على الجغرافيا، عمن يملك الحق في إدارة الموارد، ومن يتحكم بالمياه والقمح والنفط، ويتحدث باسم “الأرض” في مواجهة المركز.

إرث المركزية: الدولة التي اختزلت الجغرافيا

ما زال نموذج الحكم في سورية يميل إلى تركز القرار في العاصمة، حيث تدار الشؤون المحلية عبر تسلسل إداري طويل ومعقد يحد من المبادرة الذاتية في المحافظات.
فالمجالس المحلية، رغم توسع صلاحياتها الشكلية، ما تزال عاجزة عن اتخاذ قرارات حقيقية تتعلق بالموارد أو الخدمات أو التنمية، لأن النظام الإداري لم يبن بعد على مبدأ التفويض الفعلي، فلا تكمن الأزمة في غياب الهياكل الإدارية، بل في غياب الثقة بين المركز والمكان؛ بين من يصوغ القرار ومن يعيش نتائجه.
إنها أزمة في فهم العلاقة بين الجغرافيا والسلطة، فكيف يمكن لمركز واحد أن يستوعب حاجات جغرافيا متعدّدة الأصوات؟ هذه المركزية لم تنتج سوى باتساع الفجوة بين المركز والهامش، فريف حلب، ودير الزور والحسكة والسويداء ظلت جميعها تشعر أن الدولة مركزية في خطابها، لكنها غائبة في خدماتها.
هكذا تحولت المركزية إلى عبء على وحدة البلاد، لا ضمانة لها.

اللامركزية كاستعادة للجغرافيا المنهوبة

مقابل هذا الإرث، برزت خلال العقد الماضي أصوات سورية متزايدة تطالب بلامركزية “خدمية” أو “إدارية”، تُعيد توزيع السلطة دون أن تمس سيادة الدولة.
هذه الطروحات تستند إلى منطق واضح، حيث لا يمكن إدارة سوريا من مركز واحد بعد أن تغيرت جغرافيتها السياسية بفعل الحرب والنزوح.
في الحسكة مثلًا، تدار الحياة اليومية من مجالس محلية ذات طابع كردي-عربي مختلط؛ وفي إدلب ظهرت سلطات محلية بظلال فصائلية؛ وفي الجنوب مجالس عشائرية أو مدنية جزئية، فالجغرافيا فرضت تقاسما فعليا للسلطة قبل أن يُقره أي دستور.

إن ما يحدث هو “تعدد خرائط داخل الخريطة الواحدة” فالجغرافيا بدأت تتكلم بلغات متعددة، والدولة مضطرة لتصغي.

الحجة المؤيدة: إصلاح ضروري لتوازن هش

يرى أنصار اللامركزية أن إدماج هذه الهويات الجغرافية المختلفة ضمن إطار قانوني واحد هو السبيل الوحيد لإنقاذ وحدة سوريا، فاللامركزية، كما تُطرح اليوم، ليست تفتيتا، بل آلية لإعادة التوازن بمنح المناطق دورا في إدارة شؤونها، وتخفّف من الاحتقان الناتج عن التهميش التاريخي.
هي شكل من “المصالحة الجغرافية بين الدولة والمجتمع، تعيد الاعتراف بتنوّع الأرض السورية بدل إنكاره.

لكن هذا المنطق يفترض وجود مؤسسات قوية، ومواطنة متساوية، وقدرة على ضبط التفاوت بين المناطق، أي أن نجاح اللامركزية مشروط بقدرة المركز على تقاسم السلطة من دون أن يفقد السيادة.

الحجة المضادة: الجغرافيا قد تتحول إلى فخ

معارضو اللامركزية يرون أن تطبيقها في ظروف هشة كهذه سيؤدي إلى “تشظي السيادة” لا توزيعها، فمن دون إطار وطني واضح، تتحول كل محافظة إلى كيان يبحث عن حماية خارجية، وكل مجتمع محلي إلى سلطة أمر واقع.
ولأن الموارد الطبيعية (النفط، المياه، الزراعة) غير موزعة بعدالة على الخريطة السورية، فإن منح السلطات المحلية استقلالا ماليا أو إداريا واسعا يرسّخ فوارق تنموية ومناطقية لا رجعة فيها.

إن اللامركزية وفق هذا التصور تنقل مركز الصراع من دمشق إلى الأطراف فالصراع هنا سياسي على السلطة إلى صراعات جغرافية على الموارد.

التجارب السابقة: من حلم الإدارة المحلية إلى دويلات الواقع

التجارب السورية القصيرة مع الإدارة المحلية في الخمسينات، ثم بعد 2011، لم تنتج نموذجا ناجحا، فإما خُنقت بالوصاية المركزية، أو تحوّلت إلى مجال نفوذ فصائلي، بينما اللامركزية الحقيقية تفترض وجود جهاز بيروقراطي مدرَّب، ومجالس منتخبة بحرية، وآليات رقابة مالية شفافة، وكل ذلك غائب في سورية اليوم.

تجربة الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي مثال صارخ، فهي تُقدم كأنموذج ناجح للامركزية، لكنها عمليا تستند إلى سلطة عسكرية-أمنية، وتثير تحفظات لدى العرب في المنطقة، وفي المقابل، المجالس المحلية التي ظهرت في أدلب لم تنتج سوى الفساد والانقسام.
عمليا فإن الجغرافيا التي يُفترض أن توحّد السكان على أساس المصلحة المشتركة، تتحوّل، عند غياب الدولة، إلى ساحة تنافس على الشرعية.

الجغرافيا كإطار للمستقبل

لكي تكون اللامركزية مشروعا وطنيا لا جغرافيا صرفا، يجب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمكان، فالمركز ليس نقيض الأطراف، بل هو انعكاس لتوازنها، فالدولة ليست فوق الجغرافيا بل داخلها، والسلطة الفاعلة هي التي تدير تنوّع المكان وليس التي تنكره.

اللامركزية ليست في جوهرها تقاسما للسلطة، بل إعادة توزيع للقدرة على إدارة المكان، وما لم يُعاد بناء هذه القدرة من خلال مؤسسات قادرة على ضبط الحدود الداخلية للسلطة، فإن كل حديث عن لامركزية سيبقى ترجمة إدارية لأزمة جغرافية أعمق.

سيناريوهات الغد: بين الخريطة الموحّدة والخريطة المتعددة

في الأفق السوري، يمكن تصور مسارين متقابلين:

  1. لامركزية بناءة تقوم على تمكين المجالس المحلية المنتخبة، وتوزيع الموارد بعدالة، مع بقاء الدولة إطارا ناظما.
    هذا السيناريو يُعيد الثقة بين المركز والأطراف، ويحوّل التنوع الجغرافي إلى عنصر قوة.
  2. لامركزية مفككة تتأسس على سلطات أمر واقع، وتُكرّس انقسام النفوذ، وتحول سوريا إلى “خريطة داخل الخريطة”.
    في هذه الحالة، تُصبح الجغرافيا أداة تقسيم لا فهم، وتتحول الحدود الإدارية إلى خطوط تماس.

عندما تصبح اللامركزية سؤالا في الجغرافيا السياسية

من السهل الحديث عن إصلاح إداري اسمه اللامركزية، لكن الصعب هو إدراك أن هذا الإصلاح في سوريا يتصل بالجوهر البنيوي للدولة نفسها، فالمسألة ليست من يوقّع القرار؟ بل أين يُتخذ القرار؟ وعلى أي أرض، ولمصلحة مَن؟

إن فهم السياسة السورية يبدأ من قراءة الخريطة، ومن ينظر إلى الخريطة اليوم، يدرك أن اللامركزية ربما تكون طريقا لإعادة توحيد البلاد على أسس واقعية، لكنها في الوقت نفسه إن أسيء استخدامها ستصبح طريقا إلى تكريس ما بعد-الدولة.

اللامركزية السورية ليست معركة بين المركز والأطراف، بل اختبار لقدرة الجغرافيا على إنتاج سياسة جديدة، ففي جوهرها، صراع على “معنى المكان” في وطن يبحث عن نفسه.

اللوحة التفاعلية: اللامركزية السورية والجغرافيا السياسية

اللوحة التفاعلية: اللامركزية السورية والجغرافيا السياسية

“حين تتكلم الجغرافيا قبل السياسة”

أنماط الحكم حسب المناطق الجغرافية

الجغرافيا تفرض تقاسماً فعلياً للسلطة قبل أن يُقره أي دستور. “تعدد خرائط داخل الخريطة الواحدة”

اللامركزية: الحجج المؤيدة والمعارضة

الحجة المؤيدة
إصلاح ضروري لإعادة التوازن وتجنب الاحتقان الناتج عن التهميش التاريخي
الحجة المضادة
تؤدي إلى “تشظي السيادة” وتكريس الفوارق التنموية في ظل غياب الإطار الوطني

توزيع الموارد الطبيعية واللامركزية

الصراع على الموارد (النفط، المياه، الزراعة) قد يتحول من صراع سياسي في المركز إلى صراعات جغرافية في الأطراف

الواقع الإداري الحالي للمناطق

دمشق
المركز التقليدي
مركزي
حلب
سكان متنوعون
مختلط
الحسكة
إدارة محلية مختلطة
لامركزي
إدلب
سلطات فصائلية
صراعي
السويداء
مجالس عشائرية
مختلط
اللاذقية
ولاية مركزية
مركزي
الجغرافيا بدأت تتكلم بلغات متعددة، والدولة مضطرة لتصغي. إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسكان والدولة

التحديات المؤسسية للامركزية

غياب
الجهاز البيروقراطي المدرب
محدودة
الشفافية المالية
ضعيفة
آليات الرقابة
مشكوك فيها
حرية الانتخابات

سيناريوهات المستقبل

السيناريو البنَّاء
  • • تمكين المجالس المحلية المنتخبة
  • • توزيع الموارد بعدالة
  • • بقاء الدولة إطاراً ناظماً
  • • تحويل التنوع الجغرافي إلى قوة
السيناريو المُفكِّك
  • • سلطات أمر واقع
  • • تكريس انقسام النفوذ
  • • “خريطة داخل الخريطة”
  • • الجغرافيا أداة تقسيم

اللوحة التفاعلية لتحليل اللامركزية السورية كمسألة جغرافية-سياسية

جميع الرسوم البيانية تفاعلية – انقر على العناصر لعرض التفاصيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *