في كل اقتصاد يمر بمرحلة عدم استقرار نقدي حاد، تكون إجراءات البنوك المركزية ذات طابع مزدوج، فهي من جهة أدوات فنية تستهدف ضبط السيولة واستعادة الثقة، ومن جانب آخر رسائل رمزية موجهة إلى الجمهور والأسواق.
يندرج القرار الأخير لمصرف سورية المركزي باستبدال العملة الوطنية ليس كمجرد عملية لوجستية لطباعة أوراق جديدة، بل كمؤشر على أزمة أعمق تتعلق بالبنية المؤسسية للسياسة النقدية وثقة المجتمع بها.
خلال تصريحاته الأخيرة، قدم حاكم المصرف المركزي عرضا مطولا حول “جاهزية” المؤسسة لاستبدال ما سماه “إجمالي الإصدارات النقدية خلال سبعين عاما”، والبالغة نحو 14 مليار ورقة نقدية بقيمة اسمية تقدر بـ42ـ تريليون ليرة سورية، وذهب إلى حد التأكيد على أن “كل ليرة في التداول محسوبة”، نافيا “أي احتمال لنفاد السيولة أو التأخير في عملية الاستبدال”
رغم محاول طمأنة السوريين عبر هذا التصريح، فإنه يثير تساؤلات جوهرية حول المنهج المستخدم لقراءة المفاهيم في توصيف الكتلة النقدية، وحول جدوى السياسة النقدية في سياق اقتصاد يعاني ركودا تضخميا متواصلا وانكماشا في الإنتاج الحقيقي.
المفهوم الملتبس للكتلة النقدية
من الناحية التقنية، ثمة خلط واضح بين مفهومين اقتصاديين متباينين تماما، الأول إجمالي الإصداراتالنقدية التاريخية (cumulative issuance)؛ وهي مجموع ما طبع من أوراق نقدية عبر العقود الماضية، وهو رقم ذو قيمة أرشيفية لا أكثر.
أما الثاني فهو القاعدة النقدية(M0)، التي تشكل مقياس لحجم النقد المتداول فعليا في السوق في لحظة زمنية محددة، بعد استبعاد ما أعدم أو تلف أو خرج من التداول أو كنز في المنازل.
حين يستخدم البنك المركزي الرقم التراكمي (42 تريليون ليرة) في سياق مناقشة الوضع النقدي الحالي، فإنه يخلط بين التدفق التاريخي والمخزون الآني، وهذه ليست مجرد مسألة لغوية أو تقنية؛ بل مسألة تؤثر مباشرة في تصورات السوق وتوقعات المتعاملين.
إن المستثمرين والمستهلكين، في غياب بيانات دقيقة عن حجم النقد المتداول فعلا، سيبنون توقعاتهم على أرقام لا تعبر عن الواقع النقدي، ما يزيد من تقلبات الثقة ويضعف فعالية السياسة النقدية.
في الاقتصادات المستقرة، تعتبر شفافية الإحصاءات النقدية ونشر بيانات M0 وM2 (Money Supply Aggregates) التي تستخدمها البنوك المركزية والاقتصاديون لقياس كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، أساسا لفعالية الاتصال بين البنك المركزي والسوق، أما حين تستبدل هذه الشفافية بخطاب عام يخلط بين المفاهيم، فإن النتيجة تكون فقدانا متجددا للثقة، وهو ما يعمق التحديات القائمة بدلا من تخفيفها.
الكلفة الاقتصادية وسؤال الأولويات
بحسب تقديرات متداولة، بلغت تكلفة طباعة الدفعة الأولى من العملة الجديدة نحو 382 مليون دولار أمريكي، فحتى لو افترضنا أن هذه الأرقام غير دقيقة بالكامل، فإن حجمها النسبي ضمن اقتصاد محدود الموارد يثير سؤالا مشروعا حول كلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost).
في بيئة تعاني من نقص في احتياطي العملات الأجنبية، وتراجع في الإنتاج المحلي، وتآكل في القدرة الشرائية، هل تمثل إعادة طباعة العملة الخيار الأمثل لتخصيص الموارد؟
البدائل كانت واضحة ومتاحة:
- توسيع البنية التحتية للدفع الإلكتروني
- تحسين نظم التحويلات الداخلية
- تحفيز الشمول المالي
- وتقليص الاعتماد على النقد الورقي الذي أصبح مكلفا ومصدرا لتضخم المعاملات.
في التجارب النقدية المقارنة من الهند إلى نيجيريا أثبتت عمليات استبدال العملة أنها ذات تأثير مؤقت إذا لم ترفق بإصلاحات مؤسسية أعمق، فطباعة ورقة جديدة لا تنشئ ثقة تلقائية، ما لم تترافق مع إصلاح هيكلي للسياسة النقدية والمالية.
في الحالة السورية، يبدو أن البعد الرمزي والسياسي للاستبدال فاق في أهميته البعد الاقتصادي، فجرى تقديم العملية كـ “بداية عهد جديد” و”تخلص من إرث الماضي”، بينما غابت الإشارات إلى الإصلاح البنيوي أو تحديث أدوات السياسة النقدية.
غياب الإطار الاتصالي الفعال
من السمات اللافتة في خطاب الحاكم اعتماده على لغة وجدانية، مثل تشبيه القلق الشعبي بانتظار الباص، وهي محاولة إنسانية لتخفيف التوتر لكنها غير كافية لبناء الثقة المؤسسية، فالاتصال الفعال للبنك المركزي يجب أن يكون مبنيا على الوضوح والبيانات، لا على الاستعارات.
في الأزمات النقدية، تكون الثقة وظيفة للمصداقية التي تكتسب من دقة البيانات وتناسق السياسات، لا من الوعود أو التشبيهات، كما أن استخدام النبرة القانونية التحذيرية، كالتلويح بمعاقبة من يرفض قبول العملة القديمة، يعكس هشاشة في القنوات التنفيذية، فالاقتصادات التي تتمتع ببنية مالية قوية، لا تحتاج البنوك المركزية إلى التهديد، لأن الامتثال ينشأ من الثقة لا من الخوف.
الأثر المحتمل على التوازن النقدي
حين يُغيب البنك المركزي الوضوح حول حجم القاعدة النقدية الفعلية، فإن الأسواق تميل إلى الافتراض الأسوأ، وتذهب لاعتبار وجود زيادة وشيكة في المعروض النقدي، ما يؤدي إلى ارتفاع في التوقعات التضخمية، خاصة في اقتصاد يفتقر إلى أدوات التحوط الفعالة أو قنوات الاستثمار الإنتاجي.
النتيجة الطبيعية هي تسارع الدولرة والكنز، أي خروج مزيد من الليرة من الدورة الاقتصادية.
بدل أن تحقق عملية الاستبدال استقرارا نقديا، تفاقم الركود التضخمي (Stagflation) القائم أصلا، والاستقرار النقدي لا يبنى عبر إدارة الأوراق، بل عبر ضبط التوقعات المرتبطة بخطاب نقدي قائم على بيانات محدثة يمكن التحقق منها.
ما وراء الرمزية: ثقة السوق كأصل غير مادي
يشير الحاكم إلى أن “الليرة الجديدة تمثل ميثاق ثقة بين الدولة والمواطن”، وفي الاقتصاد الحديث، الثقة ليست شعارا سياسيا، بل أصل غير مادي (Intangible Asset)يبنى عبر الموثوقية بالموسسات، والاستقرار في السياسات، وتوقعات يمكن التنبؤ بها، وفي غياب هذه المقومات، يصبح “الميثاق” الذي يتحدث عنه رمزيا أكثر منه فعليا.
يمكن للبنوك المركزية أن تستخدم رمزية العملة الجديدة” لإعادة بناء الانضباط السلوكي في السوق، شرط أن تكون العملية جزءا من رؤية اقتصادية شاملة تتضمن إصلاح المالية العامة، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، وتحديث أدوات السياسة النقدية.
لكن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود مثل هذا الإطار الشامل، وعملية الاستبدال تبدو حتى الآن تجميلا سطحيا لورقة متآكلة أكثر من كونها إصلاحا هيكليا للبنية النقدية.
دروس التجارب المقارنة
في تجارب أخرى، مثل تجربة الهند في عام 2016 أو نيجيريا في 2023، كان الهدف المعلن لاستبدال العملة مكافحة التزوير أو الاقتصاد غير الرسمي، لكن النتائج أظهرت أن التأثير الفعلي كان انكماشيا ومؤقتا، مع اضطرابات في السيولة وثقة السوق.
الاستبدال في هذه التجارب لم يرافق بإصلاحات مؤسسية أو سياسات مالية متسقة، فالعملة الجديدة لا تنجح إلا بقدر ما تعبر عن سياسة جديدة، أما إذا ظلت السياسات القديمة قائمة في الموازنة والإنفاق وسعر الصرف فإن أي “ميثاق ثقة” سيبقى حبرا على ورق.
نحو سياسة نقدية أكثر مصداقية
لكي يستعيد المصرف المركزي السوري دوره كمؤسسة استقرار، يحتاج إلى تحول في منهج الاتصال والسياسة على السواء، وأن يبدأ بنشر بيانات منتظمة وشفافة عن حجم القاعدة النقدية، ومعدلات التضخم، والاحتياطي الأجنبي، إضافة إلى اعتماد سياسة واضحة لإدارة السيولة وسعر الصرف.
والانتقال من نهج التطمين اللفظي إلى نهج التواصل المؤسساتي هو الأمر الأهم في العملية النقدية بأكملها.
استبدال العملة السورية خطوة ذات دلالات رمزية لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست بحد ذاتها سياسة نقدية، ونجاحها أو فشلها سيتوقف على قدرة المصرف المركزي على تحويل هذه الخطوة الشكلية إلى منطلق لإصلاح هيكلي طويل الأمد.
في غياب الشفافية والاتساق في الخطاب، فإن العملية تبقى مجرد فصل جديد في مسار فقدان الثقة النقدية، حيث تطبع أوراق جديدة على قاعدة اقتصادية قديمة.
استبدال العملة السورية: بين رمزية الإصلاح وضبابية السياسة النقدية
المفاهيم النقدية المتداخلة في خطاب الاستبدال
الإصدارات النقدية التاريخية
مجموع ما طبع من أوراق نقدية عبر العقود الماضية (70 سنة)
رقم ذو قيمة أرشيفية لا يعكس الوضع النقدي الحالي
القاعدة النقدية الفعلية (M0)
حجم النقد المتداول فعلياً في السوق في لحظة زمنية محددة
غياب البيانات الدقيقة يزيد من تقلبات الثقة
الكلفة الاقتصادية وسؤال الأولويات
دروس التجارب النقدية المقارنة
الهند 2016
الهدف: مكافحة الاقتصاد غير الرسمي والتزوير
النتيجة: تأثير مؤقت مع اضطرابات في السيولة
الدرس: بدون إصلاحات مؤسسية يصبح الأثر انكماشياً ومؤقتاً
نيجيريا 2023
الهدف: تحديث النظام النقدي ومكافحة التضخم
النتيجة: اضطرابات في السيولة وفقدان مؤقت للثقة
الدرس: العملة الجديدة لا تنجح إلا بقدر ما تعبر عن سياسة جديدة
سوريا 2024
الهدف: “بداية عهد جديد” و”تخلص من إرث الماضي”
التحدي: غياب الإشارات إلى الإصلاح البنيوي
المخاطر: تبقى العملية رمزية دون تغيير حقيقي
الآثار المتوقعة على التوازن النقدي
الخلاصة: نحو سياسة نقدية أكثر مصداقية
استبدال العملة السورية خطوة ذات دلالات رمزية لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست بحد ذاتها سياسة نقدية. النجاح الحقيقي يتطلب:
- نشر بيانات منتظمة وشفافة عن حجم القاعدة النقدية ومعدلات التضخم
- اعتماد سياسة واضحة لإدارة السيولة وسعر الصرف
- الانتقال من نهج التطمين اللفظي إلى نهج التواصل المؤسساتي
- تحويل الخطوة الشكلية إلى منطلق لإصلاح هيكلي طويل الأمد
في غياب الشفافية والاتساق، تبقى العملية مجرد فصل جديد في مسار فقدان الثقة النقدية.

