تواجه سوريا تحديا جوهريا يتجاوز مجرد استعادة ما فقدته خلال عقود من الحرب والعزلة، النمو الذي شهده الاقتصاد السوري في 2025 لا ينبغي أن يقرأ كعائد للحرب وحدها، ولا كدليل على نجاح السياسات الراهنة، بل بوصفه انعكاسا لصراع بين نموذجين اقتصاديين متضادين؛ الأول يعتمد على الريع والتحويلات الخارجية، والآخر يدفع نحو اقتصاد إنتاجي مؤسسي.
قراءة المؤشرات الكلية: التعافي الهش
بعد سنوات طويلة من الانكماش، تظهر التقديرات الدولية أن الاقتصاد السوري حقق نموا حقيقيا محدودا بنحو1% في عام 2025، بعد انكماش عميق دام أكثر من عقدين منذ 2010، هذه النسبة الصغيرة تبدو دقيقة في سياق التعافي الاقتصادي، لكنها تكشف هشاشة الأساس الذي يرتكز عليه هذا النمو.
الاقتصاد السوري قبل الحرب كان يعد ضمن الاقتصادات المتوسطة، ويظهر التقدير أن النشاط الاقتصادي الحالي يظل أقل بعدة أضعاف مما كان عليه قبل الصراع، مع تراجع قطاعات التصنيع والسياحة والطاقة، ولا يمكن للنمو الحالي أن يقاس إلا بوحدة قياس هشة تظهر الاقتصاد يتحرك فوق سطح المياه أكثر من كونه يغوص في عمق الاستثمار طويل الأمد.
التحويلات الخارجة عن السياق: شريان أم قيد؟
في عام 2025 سجلت تحويلات السوريين في الخارج ما يقرب من 4 مليارات دولار، وهو رقم ضخم مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني.
هذه التحويلات التي كانت تاريخيا أقل من مليار دولار سنويا خلال العقد الماضي أصبحت السلم الذي يتشبث به الاقتصاد السوري، فهي توفر عملة صعبة وتدعم استقرارا جزئيا لسوق الصرف، لكنها في الوقت ذاته تستخدم غالبا في الإنفاق الاستهلاكي وتمويل الواردات، بدلا من أن تتحول إلى رأس مال يشغل القوة العاملة أو يعزز الإنتاج المحلي.
هذا الدور التحويلي في غياب بنى مؤسساتية يضع سوريا في خطر ما يسمى “مرض الداء الهولندي“ (Dutch Disease)، حيث تتغذى القطاعات غير المنتجة (خدمات، تحويلات، استهلاك) على موارد مالية هائلة بينما تضعف القطاعات الإنتاجية بشكل مستمر.
التجارة الخارجية: عجز واستيراد متضخم
تعكس بيانات التجارة الخارجية واقعا يقلب الصورة التقليدية للتنمية، وتشير إحصاءات جزئية إلى أن الصادرات السورية ما زالت قليلة ومركزة على سلع أولية قليلة القيمة، مثل الزيوت والمنتجات الزراعية، بينما الواردات، حتى منتصف 2025، ارتفعت بشكل واضح.
يبدو هذا النمو في الصادرات مؤشرا إيجابيا، لكنه يظل غير كاف مقارنة بحجم الواردات المطلقة، فهذا الوضع يعزز العجز التجاري ويزيد الضغط على سيولة الدولار في بلد ما زال يفتقر إلى إنتاج متنوع وقادر على المنافسة.
خزينة الدولة: الموارد تتقلص والنفقات تتضخم
الخيارات المالية للحكومة السورية تظل محدودة، فالإيرادات المحلية لا تغطي سوى جزء صغير من نفقات الدولة، بينما يعتمد الجزء الأكبر من الميزانية على المساعدات الخارجية والتحويلات، فالوضع الاقتصادي هو إعادة تدوير للأزمة، حيث الخزينة تصبح مرآة لعجز اقتصادي أعمق.
وفق بعض التقارير، لا تتجاوز الإيرادات الحكومية نسبة قليلة من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز المالي يتسع بوتيرة لا تتناسب مع النمو المضطرب، هذا النمط يضعف قدرة الدولة على الاستثمار في البنى التحتية الأساسية، ويضعف بالتالي قدرتها على خلق بيئة جذب للاستثمار الأجنبي والإنتاج الداخلي.
سياسة تحرير السوق: بين النظرية والتطبيق
تبنت السياسة الاقتصادية السورية الجديدة توجهات نحو تحرير السوق وتخفيف القيود، لكنها عملية التطبيق لا تتوفر فيها مقومات الاقتصاد الحر الحقيقي.
عمليا فإن للاقتصاد الحر شروط صارمة من دولة قانون وشفافية وحماية المنافسة ونظام ضريبي عادل، وبنية تحتية قادرة على دعم الإنتاج، وغياب هذه الأسس يجعل من السياسات التحريرية مجرد شعارات بلا مرجعية مؤسساتية وسوق تنافسي حقيقي.
ما يجري هو ترك السوق ليعمل بشكل شبه عشوائي، ما يؤدي إلى نمط من الاقتصاد الريعي الذي يعزز وجود فئات متنفذة في قطاعات الخدمات، بينما تهمش القطاعات الإنتاجية التي تحتاج لرأس المال والخبرة الطويلة.
العمالة والهجرة: فشل النموذج في خلق فرص
رغم أن التحويلات تدعم الاستهلاك، إلا أنها لا تولد فرص عمل كافية لامتصاص عشرات الآلاف من الشباب المتعلمين الذين يتطلعون إلى دخول سوق العمل، فالهجرة الخارجية تستمر بوتيرة عالية، لأن الاقتصاد لا يخلق وظائف جديدة في قطاعات منتجة.
الاعتماد على التحويلات الذي يظهر مكاسب مالية فورية، يطرح تحديات مستقبلية من العناصر البشرية، وهي العمود الفقري لأي اقتصاد، تتراجع قيمتها داخل البلد، ما يعني أن أي تعاف اقتصادي شامل من دون عودة الكفاءات سيكون دون جدوى.
السياسة النقدية وعملة ضعيفة
لا يمكن الفصل بين التحولات السياسية والاقتصادية والإصلاحات النقدية، فخطوات مثل تنفيذ أول تحويل عبر نظام SWIFT منذ 14 عاما أو تخطيط لإعادة تقييم العملة بحذف أصفار تشير إلى محاولات متواضعة لربط الاقتصاد بالنظام المالي العالمي.
لكن هذه التحولات تظل ناقصة دون إصلاحات أعمق في قطاع البنوك، ورقابة مالية فعالة، وقواعد شفافة للمنافسة، وبدون ذلك يمكن أن تؤدي هذه الإجراءات إلى استقرار عملة ظاهري فقط، بينما تبقى القاعدة الاقتصادية الهشة قائمة.
نحو نموذج اقتصادي بديل: ماذا ينتظر سوريا؟
أمام هذا المشهد المركب، يتضح أن النموذج الاقتصادي السوري لا يمكن أن يستند فقط إلى التحويلات الخارجية والاعتماد على الواردات، بل يحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية تدفع نحو الإنتاج المحلي، وتعزز القطاعات التي تخلق قيمة مضافة وتوظف أعدادا كبيرة من السكان، هذا يعني:
- استثمار التحويلات بشكل استراتيجي في مشاريع إنتاجية حقيقية.
- إصلاح النظام الضريبي والجمركي ليجذب الاستثمار دون الإضرار بالقطاع الخاص.
- إرساء قواعد حوكمة مؤسسية تحمي المستثمر والمستهلك على حد سواء.
- تنمية قطاعات الزراعة والصناعة بدلا من توسيع دائرة الاستيراد.
سوريا بين ريع اليوم وإنتاج الغد
لا يمكن لأي اقتصاد أن يستند على تيار مالي قوي لكنه بلا قاعدة إنتاجية مستقرة، والنمو المحدود في 2025 هو مؤشر على قدرة سوريا على التحمل، لكنه ليس ضمانا لاستدامة طويلة الأمد.
السؤال الحقيقي ليس كم ينمو الاقتصاد هذا العام، بل كيف سينمو في المستقبل؛ هل سنرى اقتصادا ينتج ويلتقط فرص عمل ويعيد بنية إنتاجية متينة، أم سنظل ندور الأزمة عبر تحويلات خارجية، ونكرر نموذج الريع القائم على بقاء فئة ضيقة تستفيد من الموارد في حين يعاني المجتمع بأكمله؟

