اقتصاد يعيش على هامش المعلومة
يبدو الاقتصاد السوري اليوم كمن يسير في ضباب كثيف؛ فالمؤشرات غائبة، والبيانات الرسمية مغلقة، بينما يحاول المجتمع الاقتصادي الدولي استنتاج مسار الأسعار وسلوك السوق من معطيات غير مكتملة.
منذ أن توقف مصرف سوريا المركزي عن نشر بيانات التضخم في شباط 2025، تحول تتبع الأسعار إلى عمل استقرائي يعتمد على تقديرات منظمات دولية، أبرزها برنامج الأغذية العالمي (WFP) ، لكن في غياب البيانات لا يغيب التضخم، بل يتحول إلى واقع يومي يفرض منطقه على المواطنين، ويكشف عن أزمة أعمق من مجرد ارتفاع في الأسعار؛ أزمة فقدان الثقة في النظام الاقتصادي ذاته.
من استقرار هش إلى انكماش قاس
تكشف البيانات المستندة إلى تقارير برنامج الأغذية العالمي، أن سلة الحد الأدنى للإنفاق، وهي مؤشر يقيس كلفة المعيشة الأساسية للأسرة السورية، بقيت مستقرة نسبيا حول3 ملايين ليرة سورية خلال النصف الثاني من عام 2024، قبل أن تبدأ موجة هبوط حادة مطلع 2025.
تراجعت السلة إلى1.9 مليون ليرة بحلول تموز 2025، بالتوازي مع تحسن مؤقت في سعر الصرف من نحو15 ألف ليرة إلى 10 آلاف ليرة للدولار.
هذه المفارقة بين انخفاض الأسعار وتحسن العملة تمثل “الانكماش المضلل”، فظاهرها تحسن مؤشرات، لكن في عمقها تآكل في الطلب الداخلي وركود في النشاط الاقتصادي.
ما حدث في سوريا لم يكن نتيجة تحسن إنتاجي أو سياسات نقدية ناجحة، بل بسبب انكماش استهلاكي قاس ناتج عن انهيار الدخل الحقيقي، وتراجع القوة الشرائية إلى مستويات تاريخية.
الانكماش السعري ليس انتصارا
في الاقتصادات السليمة يكون انخفاض الأسعار مؤشرا على زيادة الإنتاجية أو على دورة تصحيحية مؤقتة في السوق، لكن في سوريا، الانكماش الذي سجل في مطلع 2025 لم يكن من هذا النوع.
فبحسب آخر الأرقام المنشورة قبل توقف البيانات، بلغ معدل التضخم السنوي -15.2% في شباط 2025، بعد أن كان +109.5% في شباط 2024، وهذا التحول السريع من تضخم جامح إلى انكماش سعري حاد هو نتيجة انهيار في آلية التسعير نفسها، فالأسعار لم تنخفض لأن الكلفة الإنتاجية تراجعت، بل لأن السوق فقدت زخمها تماما.
توقفت القدرة الشرائية عن لعب دورها كـ”قناة توازن” بين العرض والطلب، وتحولت الأسعار إلى انعكاس للركود، لا للوفرة.
مرحلة التحول: من الانكماش إلى التضخم المتجدد
بحلول آب 2025 بدأ التحول، وارتفعت سلة الإنفاق بنسبة 6% ثم 7% في أيلول، لتبلغ 2.2 مليون ليرة سورية، وهذه العودة المفاجئة للارتفاع لم تكن نتيجة نمو اقتصادي، بل نتيجة شح في المعروض الغذائي بسبب الجفاف، وضعف الإمدادات، وتراجع سعر الصرف مجددا.
في هذه المرحلة، يمكن وصف الاقتصاد السوري بأنه دخل “تضخم الركود” (Stagflation) أي اجتماع التضخم مع تراجع النمو وارتفاع البطالة، وهذا النمط يمثل أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول النامية، حيث تتدهور القدرة الشرائية دون أن يتحرك النشاط الإنتاجي أو الاستثماري لتعويضها.
الربع الرابع من 2025: ذروة هشاشة التوازن
بنهاية 2025، استقرت سلة الإنفاق قرب 2.6 مليون ليرة سورية، فيما بلغ سعر الصرف نحو 11500 ليرة للدولار، وبدت الأسواق وكأنها استقرت، لكنها في الواقع عاشت توازنا هشا قائما على ثلاثة عناصر مؤقتة:
- التحويلات من الخارج التي عززت الطلب في موسم الأعياد.
- المساعدات الغذائية الدولية التي خففت من الضغوط السعرية.
- ركود التداول المحلي الذي كبح تسارع التضخم مؤقتا.
لكن مع بداية عام 2026، يتوقع ان تزول هذه العوامل تدريجيا، لتكشف عن أساس اقتصادي ضعيف غير قادر على امتصاص الصدمات الجديدة.
التنبؤ للربع الأول من 2026: التضخم يعود
التحليل الكمي المستند إلى المعطيات السابقة يشير إلى أن الربع الأول من 2026 سيشهد عودة التضخم بوتيرة متصاعدة:
| الشهر | سلة الإنفاق (مليون ل.س) | سعر الصرف (ل.س/دولار) |
| كانون الثاني 2026 | 2.8 | 13,000 |
| شباط 2026 | 3.0 | 13,800 |
| آذار 2026 | 3.25 | 14,500 |
هذا المسار يعكس تضخما ربعيا يتراوح بين 20 و25%، ما يعني تضخما سنويا يناهز 90–100% إذا استمر الاتجاه ذاته.
الأسعار هنا ليست نتيجة “قوانين السوق الحرة” بقدر ما هي انعكاس لخلل بنيوي في الحوافز الاقتصادية والمؤسسات، وفي سوريا، هذا الخلل يتمثل في غياب الثقة بالعملة المحلية، وانعدام الشفافية في السياسة النقدية، وانكماش القطاع الإنتاجي الذي فقد القدرة على توليد دخل حقيقي.
ما وراء الأرقام: التضخم كعرض سياسي
التضخم في الاقتصادات غير المستقرة ليس ظاهرة نقدية فحسب، بل عرض سياسي يعكس ضعف الدولة في أداء وظائفها الأساسية، فالعملة ليست مجرد أداة تبادل، بل عقد اجتماعي يقوم على الثقة، وحين تفقد الليرة السورية قيمتها، فإنها لا تفقد فقط وظيفتها المالية، بل رمز السيادة الاقتصادية ذاته.
هذا ما يجعل التعامل مع التضخم في سوريا مسألة تتجاوز الأدوات النقدية؛ فرفع الفائدة أو ضخ السيولة لن يجدي في اقتصاد يعاني من انعدام الإنتاج وضعف الثقة.
بل إن أي محاولة لضبط الأسعار بالقوة ستقود إلى مزيد من التشوهات؛ السوق السوداء وتهريب السلع واحتكار المواد الأساسية.
المستقبل القريب: ثلاثة سيناريوهات محتملة
- السيناريو المتفائل (احتمال 20%)
استقرار نسبي في سعر الصرف عند حدود 13 ألف ليرة، مع تحسن محدود في الإمدادات الزراعية بعد موسم الربيع، وفي هذا السيناريو، يتراجع التضخم إلى نحو 12 – 10% كل ثلاثة أشهر، وتبقى الأسعار في مستويات يمكن للمستهلك التأقلم معها جزئيا.
- السيناريو الأساسي (احتمال 60%)
استمرار ضعف العرض وتراجع الليرة تدريجيا إلى 14.5 ألف ليرة للدولار، حيث يواصل التضخم الارتفاع بوتيرة 20 – 25% كل ثلاثة أشهر، فيما تتآكل القوة الشرائية بما يقارب 15% إضافية.
- السيناريو المتدهور (احتمال 20%)
حدوث صدمة جديدة عبر تدهور حاد في سعر الصرف أو أزمة سيولة في القطاع العام، عندها يتجاوز التضخم في هذا السيناريو 35-40% كل ثلاثة أشهر وتدخل البلاد مرحلة تضخم مفرط مصغر (mini hyperinflation).
الطريق إلى استقرار مستدام
لا يمكن لأي سياسة نقدية أن تنجح ما لم تبن على ثلاثة أعمدة مترابطة:
- الشفافية المؤسسية:
نشر البيانات بانتظام ليس ترفا إحصائيا، بل شرطا للثقة ولضبط التوقعات، وغيابها كما في سوريا يفتح الباب أمام الإشاعات والمضاربة، ويضعف أدوات السياسة النقدية. - استعادة الإنتاج المحلي:
لا يمكن السيطرة على الأسعار دون تحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، فكل ارتفاع في كلفة الواردات يترجم مباشرة إلى تضخم مستورد لا يمكن كبحه بالقرارات الإدارية. - إعادة بناء الثقة بالعملة:
الثقة لا تفرض بالقانون، بل تكتسب عبر الاستقرار والشفافية، فيجب أن تكون السياسة النقدية مفهومة ومتسقة، لا غامضة ومتقلبة كما هي اليوم.
حين يصبح الصمت الاقتصادي تضليلا
إن أخطر ما يواجه الاقتصاد السوري ليس التضخم نفسه، بل الفراغ المعرفي الذي يحيط به، ففي غياب البيانات، لا يمكن بناء سياسة رشيدة، ولا حتى فهم اتجاهات السوق، فالأسواق لا تعمل في الظلام؛ والمعلومة هي الضوء الذي يوجهها.
إذا كان العام 2025 مثل عام الانكماش المضلل، فإن العام 2026 سيبدأ كعام الصحوة المؤلمة مع عودة التضخم، وانكشاف هشاشة الاستقرار المصطنع، وظهور الحاجة الملحة إلى عقد اقتصادي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.
ما لم يتم سد الفجوة المعرفية سيبقى الاقتصاد السوري يدور في حلقة مفرغة من خلال عملة تفقد قيمتها، وأسعار ترتفع رغم ركود الطلب، ومؤسسات تتحدث أقل كلما ساء الوضع أكثر.
إنها ليست مجرد أزمة نقدية، بل أزمة ثقة، هي أول ما ينهار في اقتصاد بلا شفافية.
الاقتصاد السوري بين انكماش الأسعار وتضخم الركود
| الفترة | سلة الإنفاق | التغير |
|---|---|---|
| النصف الثاني 2024 | 3.0 مليون | استقرار نسبي |
| تموز 2025 | 1.9 مليون | -36.7% ▼ |
| أيلول 2025 | 2.2 مليون | +15.8% ▲ |
| نهاية 2025 | 2.6 مليون | +18.2% ▲ |
| الفترة | سعر الصرف | التغير |
|---|---|---|
| بداية 2025 | 15,000 | مرتفع |
| منتصف 2025 | 10,000 | -33.3% ▼ |
| نهاية 2025 | 11,500 | +15.0% ▲ |
| الفترة | معدل التضخم | الوضع |
|---|---|---|
| شباط 2024 | +109.5% | تضخم جامح |
| شباط 2025 | -15.2% | انكماش حاد |
| الشهر | سلة الإنفاق | سعر الصرف | التضخم الربعي |
|---|---|---|---|
| كانون الثاني 2026 | 2.8 مليون | 13,000 | +7.7% |
| شباط 2026 | 3.0 مليون | 13,800 | +7.1% |
| آذار 2026 | 3.25 مليون | 14,500 | +8.3% |
| المجموع الربعي | +25.0% | +11.5% | +23.1% |
- استقرار سعر الصرف عند 13 ألف ليرة
- تحسن محدود في الإمدادات الزراعية
- تضخم ربعي 10-12%
- أسعار يمكن التأقلم معها جزئياً
- تراجع الليرة إلى 14.5 ألف/دولار
- استمرار ضعف العرض
- تضخم ربعي 20-25%
- تآكل القوة الشرائية بنسبة 15%
- تدهور حاد في سعر الصرف
- أزمة سيولة في القطاع العام
- تضخم ربعي 35-40%
- تضخم مفرط مصغّر
- نشر البيانات الاقتصادية بانتظام
- مواجهة الفراغ المعرفي
- مكافحة الإشاعات والمضاربة
- تعزيز أدوات السياسة النقدية
- تحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي
- تقليل الاعتماد على الواردات
- مواجهة التضخم المستورد
- خلق فرص عمل حقيقية
- سياسة نقدية مفهومة ومتسقة
- استعادة العقد الاجتماعي
- مواجهة انعدام الثقة النظامي
- استعادة رمز السيادة الاقتصادية

