تقرير البنك الدولي 2025: سوريا بلا دين ولا تمويل… انهيار الدولة في صمت الأرقام

حين يصدر البنك الدولي تقريره السنوي عن الديون الدولية، تمرّ سوريا في الجداول بهدوء لافت، ففي تقرير الديون الدولية 2025، تُدرج الجمهورية العربية السورية بين الدول متوسطة الدخل، وتُسجل أرقامها كما لو أن شيئا لم يحدث منذ عقد ونصف.
دين خارجي يبلغ4.7  مليارات دولار، أكثر من 98% منه ديون رسمية، ومعظمها يعود إلى ما قبل عام 2011، ولا قروض جديدة أو تدفقات مالية، لا استثمارات، لا خدمة دين، أرقام ساكنة منذ خمس سنوات على الأقل.
للقارئ العادي يبدو هذا نوعا من الاستقرار المالي فلا دين جديد أو فوائد متراكمة، لكن للخبير الاقتصادي، هذه الأرقام ليست علامة استقرار، بل شاهد قبر مالي على دولة خرجت من النظام المالي العالمي، وتوقفت عن التنفس الاقتصادي منذ زمن.

من اقتصاد مُقترض إلى اقتصاد مُنهار

قبل الحرب، كان الدين الخارجي السوري يستخدم لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة، وفي ظل اقتصاد شبه مغلق تديره الدولة، كانت الديون ثنائية الطابع:

  • قسم كبير من القروض الروسية والإيرانية موجه لتمويل السلاح والطاقة.
  • وقسم آخر من القروض الأوروبية والآسيوية مخصص لمشاريع تنموية.

لكن منذ عام 2012، ومع العقوبات وتفكك المؤسسات، توقفت دمشق عن تقديم تقارير مالية إلى نظام الإبلاغ الدائنين(DRS)  التابع للبنك الدولي، ومع ذلك، وبدل أن تُصنف سوريا كـ”اقتصاد منقطع” استمر البنك في إدراجها في جداول الديون، مع تحديث صوري للأرقام عبر إسقاطات حسابية.
أن البيانات الرسمية لم تعد تقاس، بل تقدر على أساس آخر سنة حقيقية قبل الحرب، فالأرقام لم تتحرك لأن الدولة لم تعد موجودة اقتصادياً.

الافتراض الأكبر: أن سوريا ما تزال “دولة مالية”

في تقاليد البنك الدولي، إدراج بلد في تقرير الديون يعني أنه ما زال عضوا فعّالا في النظام المالي الدولي،
لكن في الحالة السورية، يعبر هذا عن افتراض سياسي لا إحصائي يعتبر أن الدولة المركزية في دمشق ما تزال الكيان المالي الشرعي الوحيد، وأنها، على الورق، تتحكم بديون البلاد وسدادها.

هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن سوريا ما بعد الانهيار المالي (2024–2025) لم تعد تمتلك اقتصادا موحدا، فمنذ سقوط الحكومة المركزية فعليا نهاية العام الماضي، وتحول مناطق السيطرة إلى إدارات محلية متشرذمة، وتلاشى الإطار القانوني للمالية العامة، ولم تعد هناك وزارة مالية، ولا مصرف مركزي باستراتيجية واضحة ولا ميزانية سنوية.
العملة المحلية فقدت وظيفتها النقدية، والليرة السورية صارت رمزا متحفيا أكثر منها أداة تبادل.

إن استمرار البنك الدولي في التعامل مع سوريا ككيان مالي موحد لا يعكس الواقع، بل يبقي على وهمٍ مؤسساتي مفيد من الناحية الدبلوماسية، فمجرد حذف سوريا من قاعدة بيانات البنك كان سيعني الاعتراف بانهيار الدولة، وهو ما لم ترغب المؤسسات الدولية بإعلانه رسميا بعد.

ديون بلا دائنين

الأرقام الواردة في التقرير تظهر أن معظم الدين السوري الخارجي يعود إلى مؤسسات رسمية (متعددة وثنائية الأطراف)، بينما لا يتجاوز نصيب القطاع الخاص 0.3% فقط، لكن هذه الديون، وفق مصادر مالية مطلعة، مجمدة وغير فعالة منذ أكثر من عقد.
لا سداد ولا فوائد ولا مفاوضات، وحتى خدمة الدين توقفت تماما بعد عام 2012، من دون أن تسجل كتعثر رسمي، لأن الدائنين أنفسهم توقفوا عن المطالبة.

الديون السورية، ليست “ديونا سيئة”، بل ديون منسية، فالدائنون الرسميون روسيا وإيران والصين، وعدد من الصناديق العربية، يدركون أن أي محاولة لتحصيلها الآن تعني الاعتراف بانعدام الدولة السورية، وصارت هذه الديون أقرب إلى “أرشيف دبلوماسي” منها إلى التزام مالي.

الاقتصاد الموازي: حين يصبح اللاشيء نظاما

من منظور الاقتصاد الكلي، يمكن القول إن سوريا اليوم لا تملك اقتصادا بالمعنى العلمي، فالأنشطة الاقتصادية الموجودة تعمل خارج النظام المالي الرسمي:

  • الزراعة محدودة بالاستهلاك المحلي.
  • التجارة تعتمد على النقد الأجنبي النقدي (دولار، ليرة تركية).
  • التحويلات الخارجية تشكل المصدر الأول للعملة الصعبة.
  • ولا توجد بنوك عاملة بمعايير مقبولة دوليا.

إن انقطاع سوريا عن منظومة التمويل العالمي يعني عمليا أن لا قروض ولا استثمارات ولا تأمين ولا ائتمان، وهذا لا يترجم فقط إلى “غياب النمو”، بل إلى استحالة التعافي.

في الدول الطبيعية، الدين العام، رغم عبئه، يمثل أداة للنمو، أما في سوريا اليوم، فإن انعدام الدين نفسه هو علامة موت اقتصادي فلا أحد يقرضك لأنهم لا يجدون دولة قادرة على السداد.

الدين بوصفه مرآة للسيادة

التاريخ المالي يعلّمنا أن الدين الخارجي ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل أداة قياس للسيادة، فالدولة التي تستطيع أن تقترض هي دولة يُعترف بها سياسيا وماليا، فحين يتوقف الاقتراض يتوقف الاعتراف الضمني بوجودها كفاعل سيادي في الأسواق الدولية.

سوريا خرجت رسميا من “مجتمع الدول المقترضة” منذ أكثر من عقد، لكنها خرجت فعليا من النظام المالي مع انهيار السلطة المركزية أواخر 2024، ففقدان القدرة على الاقتراض أو السداد أو حتى تسجيل بيانات مالية يعني ببساطة أن البلاد أصبحت خارج التاريخ المالي للعالم.

الافتراضات التي يصمت عنها التقرير

خبراء الاقتصاد في مؤسسات التمويل الدولية يدركون أن الأرقام السورية في التقارير السنوية لا تمثل قياسات ميدانية، بل إرثا من الماضي مؤدلجا في الحاضر، لكنهم يلتزمون الصمت، لأن إزالة سوريا من قاعدة البيانات تثير أسئلة قانونية وسياسية محرجة:

  • من سيتحمل ديونها القديمة؟
  • هل تُعتبر هذه الديون ساقطة مع سقوط النظام؟
  • وهل يحق لأي سلطة محلية أو انتقالية أن تعيد التفاوض حولها؟

يختار البنك الدولي الحياد الشكلي فيدرج الأرقام كما هي، بلا تحديث ولا تعليق، ليترك الباب مفتوحا أمام أي واقع سياسي جديد يمكنه أن يرث “الملف المالي السوري”.

مفارقة السيادة والفراغ

في العقود الماضية، كان البنك الدولي ينتقد الدول التي تغرق في الديون، لكنه يجد نفسه اليوم أمام نموذج عكسي، ضمن بلد لا يقترض ولا يسدد ولا يبلغ ولا ينهض، فسوريا لم تسقط بسبب الديون، بل لأنها لم تعد قادرة على إنتاج دين.
التمويل الدولي، مهما كانت شروطه، يحتاج دولة تملك جهازا بيروقراطيا ومصرفا مركزيا وقانونا للموازنة، وكلها اختفت من المشهد السوري.

الاقتصاد السياسي بعد الانهيار

بانتهاء العام 2025، يمكن القول إن المشهد الاقتصادي السوري أصبح يتألف من ثلاث دوائر غير مترابطة:

  1. دائرة الاقتصاد الإنساني حيث تعتمد الملايين على المساعدات والإغاثة كبديل عن الأجور.
  2. دائرة الاقتصاد الرمادي التي تمول بقايا سلطات الأمر الواقع.
  3. دائرة الخارج من السوريون في الشتات الذين يحولون أموالهم لعائلاتهم، ما يبقي الحد الأدنى من الاستهلاك قائمًا.

في هذه البنية، لم يعد الدين الخارجي قضية، بل رفاهية مفهومية لدولة لم تعد موجودة.

سوريا بعد الصفر المالي

الأرقام الواردة في تقرير الديون الدولية 2025 تختم مرحلة كاملة من التاريخ المالي السوري، فالبلد التي كانت يوما عضوا فاعلا في مؤسسات التمويل العالمية، ويمتلك قاعدة صناعية وزراعية كبرى، أصبح الآن صفرا في معادلات الاقتصاد الدولي أو دين جديد، ولا سداد أو تحويلات مؤسسية.
حتى صندوق النقد الدولي لم يعد يذكرها في تقاريره الدورية.

لكن الصفر ليس حيادا، بل نتيجة سياسية وهو يعني أن العالم أوقف ساعته تجاه سوريا، بانتظار أن يظهر كيان مالي جديد يمكن الاعتراف به، والجداول في تقارير البنك الدولي تحمل اسم “الجمهورية العربية السورية” بلا حياة.

من يقرأ الأرقام دون سياق، قد يظن أن سوريا خرجت من أزمة الديون، أما من يقرأ ما بين الأرقام، فيدرك أن البلاد خرجت من عالم الاقتصاد نفسه، فالديون ليست مجرد أرقام، بل اعتراف بالعالم بك.
وسوريا، كما تكشف أرقام البنك الدولي ببرود إحصائي مذهل، لم تعد معترفا بها اقتصاديا حتى إشعار آخر.

سوريا خارج النظام المالي العالمي

سوريا خارج النظام المالي العالمي

قراءة في صمت الأرقام وواقع الانهيار الاقتصادي
تقرير الديون الدولية 2025

الدين الخارجي السوري

إجمالي الدين الخارجي 4.7 مليار دولار
الدين الرسمي (حكومي) 98%
الدين الخاص 0.3%
آخر تحديث حقيقي 2011

خروج من النظام المالي

تاريخ الانقطاع عن تقارير البنك الدولي 2012
آخر سنة مالية فعلية 2011
سقوط الحكومة المركزية فعلياً 2024
مدة تجميد الديون أكثر من عقد
غياب المؤسسات المالية
اقتصاد غير رسمي

الاقتصاد الموازي (2025)

الاعتماد على التحويلات الخارجية المصدر الأول للعملة
التجارة بالنقد الأجنبي دولار، ليرة تركية
غياب النظام المصرفي كامل

الخط الزمني للانهيار المالي

اقتصاد مقترض

استخدام الدين الخارجي لتمويل البنية التحتية والطاقة. اقتصاد شبه مغلق تديره الدولة.

قبل 2011

بداية العزلة المالية

توقف دمشق عن تقديم تقارير مالية لنظام الإبلاغ الدائنين (DRS) التابع للبنك الدولي.

2012

تجميد الأرقام

الأرقام في تقارير البنك الدولي لم تعد تقاس بل تقدر على أساس آخر سنة حقيقية قبل الحرب.

2015-2023

انهيار السلطة المركزية

سقوط الحكومة المركزية فعلياً، تحول المناطق إلى إدارات محلية متشرذمة.

2024

صفر مالي

سوريا لم تعد تمتلك اقتصاداً بالمعنى العلمي. خروج كامل من النظام المالي العالمي.

2025
“سوريا لم تسقط بسبب الديون، بل لأنها لم تعد قادرة على إنتاج دين. الديون ليست مجرد أرقام، بل اعتراف بالعالم بك.”

دوائر الاقتصاد السوري بعد الانهيار

مصدر البيانات: تقرير الديون الدولية 2025 – البنك الدولي

تحليل: “سوريا بلا دين ولا تمويل: قراءة في صمت الأرقام وواقع الانهيار”

1 فكرة عن “تقرير البنك الدولي 2025: سوريا بلا دين ولا تمويل… انهيار الدولة في صمت الأرقام”

  1. ميرنا سلام

    هم من فعلوا بسورية هذه المصائب كلها لعيون اسرائيل والشرع أداة تنفيذ تدمير ما تبقى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *