التعليم في سوريا 2025: كيف تُوظَّف الإيديولوجيا الدينية في سياسات الإصلاح؟

من يراقب مشهد التعليم في سوريا عام 2025 يواجه مفارقة صارخة؛ قرارات مركزية كبرى تتخذ في دمشق باسم “إصلاح التعليم”، بينما يقف أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة، وتغرق آلاف المدارس في الدمار أو العجز التشغيلي، في وقت ينزف فيه القطاع كوادره إلى الخارج أو إلى التعليم الخاص، ووسط مشهد قطاع التعليم الهشّ، تتنازعه شعارات “الإصلاح” من جهة، وواقع اجتماعي–اقتصادي وأمني يجرّه إلى القاع من جهة أخرى.

ما يفاقم الأزمة ليس فقط الفشل الإداري أو التقني، بل الانزلاق المتسارع نحو توظيف التعليم كأداة لنشر سرديات دينية محافظة، سواء من قبل الدولة المركزية أو من سلطات الأمر الواقع، في محاولات لإعادة صياغة وعي الأجيال الجديدة وفق إيديولوجيات تبريرية أو إقصائية، وهو ما يجعل من كل “إصلاح” تعليمي واجهة لمشروع أعمق يتجاوز المدرسة ليصل إلى بنية الدولة نفسها.

المجلس الأعلى للتربية والتعليم: بيروقراطية العقيدة بدل إصلاح السياسات

تأسيس “المجلس الأعلى للتربية والتعليم” في آب 2025 كان أحد أبرز عناوين الإصلاح المعلنة، فحسب التصريحات الرسمية، يُراد لهذا المجلس أن يكون مظلة وطنية لتوحيد المناهج وربطها بسوق العمل، وتحقيق التحول الرقمي، لكنّ التركيبة الفعلية للمجلس، وترؤس الرئيس الانتقالي أحمد الشرع له، يشيران إلى وظيفته السياسية لا التربوية.

فالتجارب في دول ما بعد النزاع تبيّن أن مثل هذه الكيانات تتحوّل غالبا إلى أدوات مركزية لضبط الخطاب الوطني الموحد، بما في ذلك محتواه العقائدي، لا إلى منصّات لتجديد المعرفة، فالسلطة التي تتحكم بالمناهج وتضبط معايير التوظيف التربوي، تستطيع هندسة الثقافة الوطنية من الأساس، والمقلق أن تكون “وحدة المناهج” ليست وحدة معرفية، بل توحيدا للإيديولوجيا الدينية داخل بنية الدولة، بغطاء من لغة “القيم الوطنية” أو “الهوية الحضارية”.

الامتحانات الوطنية… فِعلٌ رمزي يغطي نزعة ضم أيديولوجي

عودة الامتحانات الوطنية الموحدة هذا العام، وخصوصا في إدلب، اعتُبرت “إنجازا توحيديا”، فللمرة الأولى منذ عقد، يخضع طلاب تلك المحافظة لمعايير الدولة المركزية، لكن خلف هذا الحدث واقع تربوي معقّد؛ فمناهج إدلب ما تزال تتغذى من خطاب ديني متشدد، قائم على رؤى سلفية في بناء الهوية، تُدرَّس داخل مدارس يديرها فاعلون محليون بدعم من منظمات غير حكومية ذات طابع ديني.

وإذا كانت الدولة ترى في هذا “الالتحاق” نوعا من استعادة السيادة، فإن الإبقاء على البنية التحتية التعليمية كما هي، دون إعادة تأهيل مفاهيمي ومهني، يكرّس ازدواجية قاتلة عبر شهادة وطنية بمضمون سلفي، وما لم يُواجه هذا التناقض بإصلاح عميق، فإننا أمام تعايش هشّ بين بيروقراطية الدولة وإيديولوجيا ما قبل الدولة.

مناهج مشحونة بالعقيدة… باسم القيم

في مطلع 2025، شهدت المناهج السورية الرسمية تعديلات مثيرة للجدل، شملت حذف مقاطع من كتب العلوم والتاريخ، وإضافة وحدات دينية محافظة، تقول الحكومة إن هذه التعديلات “مؤقتة وقيد المراجعة”، لكنها في حقيقتها انعكاس لصراع على الهوية داخل الدولة نفسها التي تطرح شعارات إعداد الطلاب لعالم رقمي، بينما يحكم التعليم تيار ديني يرى في المدرسة منبرا لإعادة تشكيل “المجتمع الصالح”.

وفي هذه الحالة، لا يصبح التعليم جسرا نحو المستقبل، بل السرديات التي تؤجج خطاب الكراهية والانقسام الطائفي، وتهمّش التنوع، وتعيد إنتاج التديّن الرسمي كآلية ضبط لا كإيمان، ويتعزز هذا التوجه عبر تجاهل المواد  العلمية والفلسفية والفنية، وتقليص التربية المدنية، لصالح تكثيف المواعظ الدينية واللغة الإيمانية داخل كتب المطالعة والاجتماعيات.

📊 مقارنة واقع التعليم في سوريا قبل وبعد 2011 (مخطط تفاعلي)

يمكنك الضغط على أسماء المؤشرات في الأسفل لإخفائها أو إظهارها.

إدارات التعليم المحلية: بين الخضوع والتديين

منح صلاحيات واسعة لمديري التربية في المحافظات بدا وكأنه اتجاه نحو لامركزية مرنة، لكن واقع الحال يُظهر أن كثيرا من هذه الإدارات تحوّلت إلى منصات لتطبيق رؤى دينية محلية، خصوصا في مناطق الساحل وإدلب وشمال حلب، حيث تتدخل شخصيات دينية ومجتمعية في رسم السياسات المدرسية، من نوعية الأنشطة إلى مراقبة سلوك الطالبات.

وفي مناطق الإدارة الذاتية، تُضاف إيديولوجيا قومية، ما يجعل الفجوة بين المناهج أعمق من مجرد تباين أكاديمي، فكل منطقة تبني “أمتها” المصغرة عبر المدرسة، بما يتجاوز الجغرافيا نحو هندسة الولاء والهوية والعقيدة.

المعلم: الناقل الصامت للإيديولوجيا

عمليا فإن المعلم هو الركيزة الأساس لأي إصلاح، لكن وضعه الحالي يجعله أقرب إلى وسيط صامت لتمرير المحتوى المفروض، فمع انقطاع الرواتب أو عدم القدرة على تحصيلها من المصارف، وسوء أوضاع المعيشة، وغياب الحوافز المهنية، يصبح المعلم مرتهنا للمؤسسة التي تدفع له، أيّا كانت توجهاتها، ففي إدلب ودرعا، يُضطر بعض المعلمين إلى تدريس مضامين دينية مفروضة ضمن المناهج المعتمدة محليا، رغم ما ما يبديه بعضهم من تحفظات على محتواها، وذلك في ظل محدودية الخيارات المهنية وغياب البدائل الوظيفية الآمنة.”

تتحول مهنة التعليم في ظل الواقع السوري من رسالة معرفية إلى وظيفة تكيّف سياسي، والمفارقة أن الدولة، بدل أن تحمي استقلالية المعلم وتدعمه، تُخضعه أكثر فأكثر لمعايير “الانضباط العقائدي” و”الالتزام الأخلاقي”، وهي عبارات تبدو برّاقة لكنها تخفي مطلب الطاعة.

الخطر الأكبر: جيل مؤدلج تحت العوز والخوف

في مناطق التوتر مثل السويداء والساحل، لا يقتصر التهديد على انقطاع التعليم، بل يتعداه إلى نشأة جيل يُلقَّن شعارات دينية–سياسية ضمن بيئة عنيفة، تُضفي على الطائفية قداسة، وعلى العنف شرعية، فالأطفال، كما تشير تقارير منظمات مستقلة، يتعرضون لتجنيد لغوي ورمزي يُربط فيه الدفاع عن “العقيدة” بالبقاء على قيد الحياة.

ولا يمكن فصل هذا عن مشاهد التديّن المفرط داخل مدارس لا تملك مراحيض صحية، لكنها تفرض على الطالبات ارتداء الحجاب منذ الصف الأول، أو تنظم مسابقات في حفظ الحديث الشريف بدل العلوم الأساسية.

نحو عقد تعليمي جديد… بلا وصاية عقائدية

الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المجالس أو الامتحانات، بل إلى شجاعة سياسية ومجتمعية في خوض نقاش عميق حول هوية التعليم في سوريا، فهل نريد تعليما يُنتج مواطنين قادرين على التفكير النقدي، أم رعايا مُنصاعين لتعاليم موروثة؟ هل يكون الدين جزءا من التربية الروحية والفكرية، أم إطارا ناظما لكل معرفة وسلوك؟

أي إصلاح لا يُحرر التعليم من سطوة الإيديولوجيا الدينية، سواء كانت رسمية أو مناطقية، سيبقى شكليا، يُعيد تدوير الانقسام بدل تجاوزه، ووحده عقد اجتماعي تعليمي جديد، يستند إلى مبادئ العدالة، والكرامة، والحداثة، يمكنه أن يؤسس لوطن لا يُخشى فيه من الكتاب، ولا يُحتكر فيه العقل باسم السماء.

1 فكرة عن “التعليم في سوريا 2025: كيف تُوظَّف الإيديولوجيا الدينية في سياسات الإصلاح؟”

  1. عر الدين - سوريا

    ‏ انتم تغنون لها وهي طرشاء كما يقول المثل الشعبي . ابو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة الشق السوري من تنطيم القاعده الوهابي ، مانحشاه اكثر بكثير مما تتحدثون . . اننا نخشى احبتمال انه يؤدي لنا رقصة سالومي ببدلة الرقص ذات الاوشحة السبع وجين ينتهي منها يظهر عاريا على حقيقته : ابو محمد الافعاني وعلى خلاف سالومي التي طلبت من هيرودوس راس النبي يحيى فانه اي الجولاني سيطلب ثلاثة رؤوس : رأس الوطنية ورأس التقدم ورأس الحضارة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *