ليلة الثامن والعشرين من نيسان 2012، والساعة تقترب من الثالثة والنصف فجرا.. في الظلام الكثيف الذي يغطي شاطئ رأس شمرا، على بعد كيلومترات قليلة شمال مدينة اللاذقية، لم يكن البحر صامتا كعادته، فهناك شيء يتحرك بصمت هندسي لا تراه العين المجردة ولا تلتقطه الرادارات القديمة، لكنه قادم وبدقة مرعبة.
كان عنصر الدفاع الجوي المناوب في نقطة الحراسة يتثاءب وهو يتفقد الأفق البحري، ولم يكن يدري أنه يعيش آخر لحظاته… طلقتان، واحدة في الظهر من مسافة لا تتجاوز مترين، والصوت مختنق، لا يسمع إلا كهمسة معدنية. سقط الجندي، وبدأت القصة.
اللحظة التي انكسر فيها الصمت
لم يمر سوى ثوان حتى انتبه أحد العناصر الآخرين لحركة غير مألوفة في العتمة، فأطلق أولى رصاصات الاشتباك. الرد جاء فورا.
خلال دقائق، تحولت بقعة الرمل الضيقة إلى ساحة نار دائرية بين عناصر الدفاع الجوي من جهة، وقوة مهاجمة مجهولة من جهة أخرى، مدربة على القتال الليلي، وتتحرك بانتظام يفوق الوصف.
دام الاشتباك عشرين دقيقة كاملة، وكان الصمت يعود بين الومضتين، ثم يشتعل من جديد.
حين أشرقت الشمس على الشاطئ، كانت الأرض تحمل آثار معركة صغيرة لكنها كثيفة.. أربعة قتلى من المهاجمين، وشهيدان من المجندين السوريين، وانسحب الباقون كما جاؤوا بصمت الماء نفسه.
السر في الغوص
عندما وصلت فرق التحقيق السورية بعد الفجر، بدت المشاهد وكأنها خارجة من فيلم حربي بميزانية خيالية.
على الشاطئ كانت بدلات غوص كاملة مرمية قرب بقع دماء داكنة.
إلى جانبها أربع بنادق M-4A1 أمريكية الصنع مزودة بكواتم صوت ومناظير ليلية، وقواذف M-72 محمولة على الكتف، وعلب معدنية صغيرة تحتوي عبوات ناسفة مغناطيسية.
كانت العلامة الفارقة في كل هذا أن ما حدث لم يكن هجوما من ميليشيا محلية أو فصيل متمرد، بل عملية خاصة “إسرائيلية” نفذتها وحدة “شييطيت 13”من النخبة البحرية المكلفة بالعمليات خلف الخطوط.
تمكن السوريون تحديد ذلك من طبيعة العتاد، ومن غواصات SDV القزمية التي استخدمها المهاجمون في الدخول والخروج من الساحل دون أن ترصدهم الرادارات.
هدف أكبر من الموقع
في ظاهر الأمر، لم يكن الموقع المستهدف ذا قيمة استراتيجية كبرى:
سرية رشاشات مضادة للطيران تابعة للواء 71 دفاع جوي، وموقع متواضع في المساحة والعتاد، يحرس شريطا ساحليا هادئا، لكن خلف الرمال كان الهدف الحقيقي يلمع.
التحقيقات أظهرت أن الإسرائيليين رصدوا وجود عربتين من طراز “بوكM2” وعربتين من “بانتسيرS” في النقطة نفسها، وهي منظومات دفاع جوي روسية حديثة آنذاك، لم يعلن الجيش السوري عن استلامها بعد، وكانت تلك العربات أولى دفعات الصفقة الروسية، لم تدخل الخدمة بعد، ولم يختبرها أحد عمليا.
من وجهة النظر “الإسرائيلية”، كان الصيد مثاليا؛ موقع صغير وحماية محدودة، وتقنيات جديدة يمكن تعطيلها أو سرقة مكوناتها قبل أن تصبح فاعلة في الميدان… لكن الهجوم فشل.
مع أول رصاصة، تمكن بعض العناصر السوريين من تشغيل العربات والانسحاب بها على الطريق الساحلي نحو برج إسلام، ليختفي الهدف قبل أن يصله المهاجمون.
كانت تلك اللحظة الفارقة التي أنقذت المنظومات الأربع من التدمير أو الاستيلاء.
خيط الدم المقطوع
من بين المفارقات أن العملية انتهت، لكن أحدهم لم يعثر عليه بعدها أبدا.. الضابط المناوب في الموقع، اختفى صباح ذلك اليوم ولم يرَ بعدها، وهو ينحدر من قرية تركمانية شمال اللاذقية، وتشير محاضر التحقيق إلى أنه أرسل أكثر من نصف عناصر الموقع في إجازة مساء الهجوم، دون تنسيق مع قائده الأعلى رتبة..
هل كان يعلم؟ أم كان مجرد صدفة قاتلة؟
كل ما بقي من قصته هو أثر في دفتر المناوبات، وخانة خالية في تقرير اليوم التالي.
صمت بعد العاصفة
التقديرات الرسمية السورية تحدثت عن أربعين عنصرا، وهو رقم أثار جدلا واسعا بين الخبراء العسكريين:
أربعون ضفدعا بشريا يعني سبع غواصات قزمية على الأقل تقترب من شاطئ مراقب لا يبعد سوى كيلومتر واحد عن موقع اللواء 110، ونصف ذلك عن كتيبة ضفادع بشرية سورية يمكن أن تتدخل في دقائق.
المنطق العسكري لا يحتمل هذا الرقم.
الأقرب، بحسب تحليل أن القوة لم تتجاوز ثمانية إلى عشرة عناصر، وهي تقديرات تتسق مع طبيعة عمليات “شييطيت–13” التي لا تعتمد على الكثافة بل على الدقة.
عملية بلا اعتراف
لم تعترف “إسرائيل” يوما بهذه العملية، تماما كما لم تعلن دمشق عنها، بل تركتها معلقة في الظل بين روايات متناقضة.
في اليوم التالي، تبنى ضابط منشق مقيم في تركيا العملية باسم “المعارضة المسلحة”، وهي رواية سمحت للنظام بالتمسك بها كغطاء إعلامي:
الهجوم داخلي، لا خارجي، بينما التزمت تل أبيب الصمت، تجنبا لإحراج عسكري بعد مقتل أربعة من عناصرها النخبة في أرض الخصم.
أسئلة بلا أجوبة
لماذا لم ترسل القوات البحرية السورية وحدات الضفادع البشرية لاعتراض القوة المهاجمة؟
لماذا تأخر الرد من اللواء 110 القريب؟
ولماذا اختفى الضابط المناوب في اليوم نفسه؟
التحقيق السوري تحدث عن احتمال وجود كمين في البحر كان سيستهدف أي زوارق سورية تخرج لملاحقة المهاجمين، وهو احتمال معقول في ظل تعقيد العملية وتوقيتها، لكنه لا يفسر كل الصمت الذي تلاها.
يقول أحد ضباط الدفاع الجوي المتقاعدين في اللاذقية (فضل عدم ذكر اسمه):
“تلك الليلة كانت بداية درس جديد للجيش، ولم يكن أحد يتوقع أن ينزل الإسرائيليون هكذا، بصمت البحر، ليستطلعوا عربات لم تجرب بعد.”
ما بعد رأس شمرا
في السنوات التالية، تغيرت عقيدة الدفاع الساحلي السوري بالكامل.
بحلول 2018، أنشئت أفواج مستقلة لعربات “بانتسير” و”بوك”، بعد أن كانت موزعة مؤقتا على الألوية المختلطة.
لكن العملية ظلت في الذاكرة كـ إشارة تحذير مبكرة: أن البحر لم يعد آمنا، وأن العدو لا يطرق الأبواب — بل يتسلل من تحتها.
بعد أكثر من عقد، ما زال كثيرون في اللاذقية يتحدثون عن تلك الليلة كما لو كانت سرا شخصيا وخليطا من الفخر والريبة.
هل كانت محاولة اختراق أم عملية استخبارية فاشلة؟
هل كانت رسالة مبكرة من تل أبيب إلى دمشق حول حدود “الخطوط الحمراء”؟
أم مجرد اختبار صغير في حرب ظل أكبر بكثير مما بدا على الرمل السوري؟
في الصحافة، كما في الحروب، ليس كل ما يحدث يكتب، وليس كل ما يكتب حدث فعلا.
لكن في رأس شمرا، فجر ذلك اليوم من نيسان، كان الدم على الرمل حقيقيا جدا، لدرجة أن البحر نفسه احتاج وقتا ليغسله.
العملية التي لم تقع رسميًا: ليلة الإنزال في رأس شمرا
فجر 28 نيسان 2012 – ساعة 3:30 صباحًا
بداية العملية: قوة إسرائيلية خاصة تصل إلى شاطئ رأس شمرا عبر غواصات قزمية
تصفية عنصر الدفاع الجوي المناوب وبداية الاشتباك المسلح
انتهاء الاشتباك بعد 20 دقيقة وانسحاب القوة المهاجمة
وصول فرق التحقيق السورية واكتشاف أدلة العملية
الخسائر البشرية
الأسلحة المستخدمة في العملية
الهدف الحقيقي
لم يكن الموقع المستهدف ذا قيمة استراتيجية كبرى في الظاهر، لكن الهدف الحقيقي كان منظومات الدفاع الجوي الروسية الحديثة (بوك M2 و بانتسير S) التي كانت موجودة في الموقع ولم تدخل الخدمة بعد.
طريقة التنفيذ
نفذت العملية وحدة “شييطيت 13” الإسرائيلية باستخدام غواصات SDV القزمية للوصول إلى الشاطئ دون أن ترصدها الرادارات، مما يدل على تخطيط عسكري متقدم وتدريب عالٍ.
الغموض المستمر
لم تعترف إسرائيل أو سوريا رسميًا بالعملية. كما أن اختفاء الضابط المناوب وظروف إرساله نصف العناصر في إجازة ليلة الهجوم تبقى من الأسئلة المحيرة.

