الجغرافيا السلطوية الجديدة في سوريا: تفكيك بنية الحكم من خلال فضاء السيطرة

في سوريا الجديدة التي ولدت على أنقاض الخرائط القديمة، يتشكل نظام الحكم لا عبر الدساتير أو المؤسسات، بل عبر فضاء السيطرة.
ذلك الفضاء ليس البرلمان ولا الوزارات، بل شبكة السجون ومراكز الاحتجاز، التي باتت، بحسب معطيات موثوقة، نقلها تقرير رويترز الأخير، الركيزة الفعلية لبنية السلطة، فبينما يعاد رسم المشهد السياسي بلغة المصالحة والعدالة، تعاد هندسة الخوف بأدوات أكثر هدوءا وفعالية.

ما يجري لا يمكن قراءته كمجرد تجاوزات أمنية، بل كشكل لنظام جغرافي جديد، تتقاطع فيه السيطرة على الأرض مع السيطرة على الجسد، ويندمج فيه القانون بالعنف الإداري ليصنع شرعية بلا عقد اجتماعي.

السجن بوصفه خريطة السلطة

في المبدأ، كل سلطة تعرف نفسها من خلال ما تسيطر عليه، وفي سوريا اليوم، حسب الأحداث التي وثقتها رويترز، لم تعد السيطرة تعني احتكار السلاح أو الإعلام، بل احتكار المجال المغلق الذي يحتجز فيه الأفراد خارج المنطق القضائي، وتدار فيه الحقيقة عبر الخفاء.

تنتشر في سوريا عشرات المراكز الأمنية، بعضها يحمل أسماء رسمية، وبعضها الآخر بلا هوية، لكن ما يجمعها هو كونها نقاطا على خريطة غير معلنة، ترسم حدود النفوذ بين الأجهزة، وتحدد من يرى ومن يخفى.

هذه الخريطة ليست هامشية، بل هي البنية التحتية للحكم، فكل مركز احتجاز يمثل عقدة في شبكة السلطة، وكل معتقل هو معطى إداري في نظام توزيع الخوف، لا يمكن فهم الدولة هنا إلا من خلال هندسة احتجازها لمواطنيها.

الدولة الأمنية كإقليم متحرك

في التحليل الجغرافي الكلاسيكي، تبنى الدولة عبر الحدود، أما في سوريا الجديدة، فالحدود لم تعد جغرافية، بل أمنية، وتتحرك الدولة داخل نفسها ككائن يبحث عن تهديداته:

  • في الشمال تحتجز مجموعات بتهمة الارتباط بجماعات خارجية.
  • في الساحل تعتقل شخصيات محلية على خلفيات مذهبية أو مناطقية.
  • في الجنوب تدار حملات ضبط تحت شعار “حماية الأمن العام”.

النتيجة أن السلطة لم تعد تسكن العاصمة وحدها، بل تنتشر كالشبكة العصبية في أطراف البلاد، وكل منطقة تدار بوصفها “نقطة توتر” ينبغي السيطرة عليها، لا بوصفها مجتمعا يجب خدمته، وبهذا تتحول الجغرافيا إلى جهاز أمني واسع؛ المدن أقسام، والقرى نقاط مراقبة، والحدود الداخلية ترسم بخطوط الخوف.

العدالة كاستراتيجية للضبط

الخطاب الرسمي يتحدث بلغة القانون، ويعد بالتحقيق والمحاسبة، ويؤكد أن الاعتقالات تستهدف المجرمين أو المشتبهين بتهديد الأمن.
لكن خلف هذا الخطاب، يعمل منطق آخر؛ فالعدالة بوصفها أداة ضبط اجتماعي، فحين تفتح السجون ويقال إنها لحماية المواطنين من الفوضى، يصبح السجن نفسه رمز الاستقرار.
في علم السلطة تستخدم المفردات القانونية لإخفاء التوتر الجغرافي، فكل اعتقال هو عملية “احتلال مصغر” لحي أو عائلة أو طائفة.
بهذه الصورة تتشكل خريطة جديدة للعلاقات بين المواطن والدولة، ليس عبر المشاركة، بل عبر الخضوع الطوعي للخوف من الفوضى، والسلطة لا تحتاج هنا إلى العنف المفرط، بل إلى تنظيم القلق، والمواطن الذي يراقب صمته يصبح جزءا من جهاز الأمن ذاته.

اقتصاد الخوف وإدارة الموارد البشرية

التحقيقات الأخيرة تكشف أن بعض المعتقلين يفرج عنهم مقابل مبالغ مالية أو وساطات، وهذه ليست حوادث فردية، بل مكون في اقتصاد سياسي ناشئ، يقوم على تحويل السلطة الأمنية إلى مصدر للريع، وفي هذا الاقتصاد، تقاس القيمة بالولاء، ويباع الأمان كما تباع السلع.
الموظفون في الأجهزة، والوسطاء، والمحامون، وحتى شيوخ العشائر، يدخلون في منظومة تدوير الخوف لتحقيق مكاسب مالية أو رمزية، فيصبح الاعتقال موردا، والسجن مؤسسة إنتاجية غير رسمية، فالسلطة لا تملك فقط الحق في احتجاز الأفراد، بل في تسعير حريتهم.

إنها صورة مثالية لما يسميه لـ”الاقتصاد الجغرافي للعنف”، حيث تدار العلاقات الاجتماعية عبر أدوات السيطرة المادية والرمزية في آن واحد.

توازن الطوائف وتفكيك المجتمع

يبدو أن كل منطقة سورية تدار اليوم وفق معادلة أمنية دقيقة، فلا يسمح لأي جماعة بأن تمتلك ما يكفي من القوة أو الثقة لتجاوز سلطتها المحلية.

عمليا يعاد إنتاج الانقسام المجتمعي كآلية توازن، لا كخطر، فالسلطة المركزية لا تحاول دمج الفئات، بل تبقيها في حالة من الانفصال المراقب، وكل طائفة أو جماعة تعامل بوصفها “وحدة أمنية” قائمة بذاتها، ويسمح لها بقدر من التنظيم الداخلي ما دام لا يهدد التراتب الأعلى، وهذه السياسة، وإن كانت غير معلنة، تمنح النظام السياسي استقرارا مرنا، فيستطيع أن يتعامل مع كل أزمة محلية بمعزل عن الأخرى، ويبقي المجتمع في حالة من التفتت الذي يمنع أي حركة توحيدية من الأسفل.

الجغرافيا السورية اليوم ليست وطنا واحدا بل شبكة من الجيوب الأمنية المتجاورة، تدار بتقنيات الضبط أكثر مما تحكم بالقانون.

الإعلام كأداة لتطبيع الخوف

لا يمكن فصل الجغرافيا عن المعرفة التي تنتجها، وفي سوريا الراهنة، تدار المعرفة عبر خطاب الإعلام الرسمي وشبكات التواصل التابعة له، فتقدم مشاهد السجون أو الاحتجاجات أو عمليات “التحقيق” كجزء من رواية كبرى عن “التهديدات الداخلية”، بحيث يصبح الأمن قيمة أخلاقية بحد ذاته.

الغاية ليست إخفاء العنف، بل تطبيعه، فكلما تم عرض حادثة اعتقال أو محاكمة أو كشف “خلية”، تعاد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس أن الخطر دائم، وأن الأمان ممكن فقط من خلال الطاعة.

بهذه الصورة فإن الإعلام لم يعد مرآة للسياسة، بل أداة لإنتاج الجغرافيا الرمزية للخوف، حيث تتكرس صورة الدولة كدرع يحمي من العدم.

البيروقراطية الأمنية: الدولة كآلة بلا مركز

أكثر ما يلفت النظر في الحكم الحالي هو تفكك المركز وتعدد الأجهزة، فتدار البلاد عبر مستويات متوازية من المؤسسات الأمنية، والإدارية، والعسكرية، دون تدرج واضح للسلطة.
هذا التفكك ليس ضعفا بالضرورة، بل تقنية للحكم، فهو يمنع تركز القوة في جهة واحدة، ويبقي الجميع في حالة ترقب دائمة.

إنها دولة بلا مركز صلب، لكنها تملك آلاف المراكز الصغرى، فسمتها أنها شبكية تشتغل من الأطراف لا من القمة، وكل ضابط ومحافظ ولجنة محلية، يملكون جزءا من السيادة اليومية على حياة الناس.
بهذا الشكل، يتحول الحكم إلى ما يشبه نظاما فيدراليا للخوف، حيث الولاءات تشترى، والمعلومات تبادل، والانضباط يفرض عبر العلاقات لا عبر القانون.

الجغرافيا كسجن مفتوح

حين ترسم حدود الخوف بهذه الكثافة، تتحول البلاد كلها إلى سجن مفتوح، والسجن هنا ليس مكانا محددا، بل حالة وجودية، فكل مواطن يحد حريته بنفسه، خوفا من الاصطدام بجدار غير مرئي.

الطرقات والمعابر والمؤسسات وحتى الجامعات تعمل كـ”نقاط تفتيش رمزية”، والحركة في هذا الفضاء لا تقاس بالكيلومترات، بل بالمجازفة، فكل خطوة يمكن أن تكون عبورا نحو منطقة غير مأمونة، وكل كلمة يمكن أن تترجم إلى ملف.

في هذا السياق، تتحول الجغرافيا من فضاء للحياة إلى آلية مراقبة، ويغدو الوجود المدني نفسه مشروطا بمدى التزامه بصمت محسوب.

السلطة بوصفها علم إدارة الصمت

ما يميز الحكم القائم، وفق المعلومات التي نقلتها رويترز، ليس سلطويته الصريحة، بل ذكاؤه الجغرافي، فهو يدرك أن السيطرة لا تتحقق بالقمع وحده، بل بإنتاج فضاء يجعل الناس يراقبون أنفسهم.

المدن تدار كجسد واحد، تراقب أنفاسه عبر البيانات والكاميرات، والعلاقات الاجتماعية، والمنظمات الحقوقية تستوعب داخل منظومة “الشراكة”، والإعلام المستقل يعاد تعريفه كمكون في خطاب “المسؤولية الوطنية”، وكل شيء يراقب دون أن يبدو مراقبا.

تتجسد السلطة لا كهرم من الأعلى إلى الأسفل، بل كشبكة كثيفة من العلاقات الأفقية، حيث كل مواطن يصبح خلية في جهاز الحكم نفسه.

حين تصبح الجغرافيا هوية الدولة

ما تكشفه خريطة السجون ليس انحرافا عن المسار الإصلاحي، بل جوهر النظام الجديد نفسه.
فالدولة التي لا تمتلك اقتصادا مستقرا، ولا عقدا اجتماعيا متينا، تجد في إدارة الخوف مصدر شرعيتها.

من منظور لاكوست، هذه ليست ظاهرة سورية بحتة، بل نموذج لما يسميه “السلطة الجغرافية”،
حيث يعاد تعريف الحكم من السيطرة على الموارد إلى السيطرة على الحركة، ومن تنظيم المؤسسات إلى تنظيم الوعي.

إن سوريا اليوم تدار كجغرافيا معقدة، متوترة، يسكنها الخوف كعنصر تأسيسي، لكنها أيضا تكشف عن تحول عميق في مفهوم الدولة في الشرق الأوسط، من الدولة القومية إلى الدولة الأمنية الشبكية، حيث يصبح المواطن نقطة بيانات، وتصبح الأرض خريطة صمت.

الجغرافيا السلطوية الجديدة في سوريا

الجغرافيا السلطوية الجديدة في سوريا

تفكيك بنية الحكم من خلال فضاء السجن

مخطط مراحل تشكل السلطة عبر فضاء السجن

رحلة تحول الدولة السورية من نموذج الدولة التقليدية إلى الدولة الأمنية الشبكية

flowchart TD A[سوريا ما قبل الأزمة
دولة مركزية تقليدية] –> B{الأزمة السورية
وتفكك المؤسسات} B –> C[تفكك البنية التقليدية
للحكم والمؤسسات] C –> D[الجغرافيا السلطوية الجديدة
نظام حكم يعتمد على السيطرة المكانية] D –> E[السجن كخريطة السلطة
شبكة مراكز الاحتجاز كبنية تحتية للحكم] E –> F[الدولة الأمنية كإقليم متحرك
الحدود الأمنية تحل محل الحدود الجغرافية] F –> G[العدالة كاستراتيجية ضبط
الخطاب القانوني يخفي التوتر الجغرافي] G –> H[اقتصاد الخوف
تحويل السلطة الأمنية إلى مصدر للريع] H –> I[توازن الطوائف وتفكيك المجتمع
الانقسام المجتمعي كآلية توازن] I –> J[الإعلام كأداة لتطبيع الخوف
إنتاج الجغرافيا الرمزية للخوف] J –> K[البيروقراطية الأمنية
دولة بلا مركز ذات آلاف المراكز الصغرى] K –> L[الجغرافيا كسجن مفتوح
البلاد تتحول إلى سجن وجودي] L –> M[السلطة كعلم إدارة الصمت
الرقابة الذاتية كأداة سيطرة] M –> N[النتيجة: الجغرافيا تصبح هوية الدولة
الدولة الأمنية الشبكية تحل محل الدولة القومية] style A fill:#e1f5fe,stroke:#01579b,stroke-width:2px style N fill:#ffebee,stroke:#c62828,stroke-width:2px style E fill:#f3e5f5,stroke:#7b1fa2,stroke-width:2px style F fill:#e8f5e8,stroke:#2e7d32,stroke-width:2px style G fill:#fff3e0,stroke:#ef6c00,stroke-width:2px style H fill:#fce4ec,stroke:#ad1457,stroke-width:2px style I fill:#e0f2f1,stroke:#00695c,stroke-width:2px

السجن كخريطة السلطة

شبكة السجون ومراكز الاحتجاز تمثل البنية التحتية الفعلية للحكم، حيث تحدد نقاط السيطرة والحدود غير المرئية للنفوذ بين الأجهزة الأمنية.

الدولة الأمنية كإقليم متحرك

الحدود الأمنية تحل محل الحدود الجغرافية، والسلطة تنتشر كشبكة عصبية في أطراف البلاد، تدار كل منطقة كـ”نقطة توتر” يجب السيطرة عليها.

تمثيل مرئي لبحث: “الجغرافيا السلطوية الجديدة في سوريا: تفكيك بنية الحكم من خلال فضاء السجن”

© 2023 – تحليل جغرافي-سياسي للتحولات الهيكلية في بنية الحكم السوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *