في سوريا لا يمكن فهم السياسة إلا بقراءتها على الخريطة، فالمكان هو النص الأصلي الذي تكتب عليه المشاريع، سواء كانت قومية أو طائفية أو تحررية.
تصريحات الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في محافظة السويداء، تندرج ضمن هذا الإطار، فهي ليست خروجا على الانتماء الوطني فحسب، بل صياغة جغرافية جديدة للسلطة في الجنوب السوري.
حين يعلن الهجري أن الدروز “يرون أنفسهم جزءا من إسرائيل”، وأن مستقبلهم يقوم على “كيان مستقل تحت ضمانة إسرائيلية”، فهو لا يتحدث بلغة دينية أو وجدانية، بل بلغة المكان حين ينهار الإطار الوطني.
إنه يعيد توزيع الولاءات وفق منطق الجغرافيا لا وفق الشرعية السياسية، وهنا تكمن خطورة هذه التصريحات لا بوصفها حدثا سياسيا عابرا، بل كاشفة لمعادلات القوة في فضاء فقد مركزه.
الجنوب السوري كفضاء هش
الجنوب السوري، الممتد بين دمشق والحدود الأردنية والجولان، كان تاريخيا منطقة تماس لا اندماج، فعاش دوما في ظل العاصمة دون أن يستوعب فيها فعليا.
من درعا إلى السويداء، تكرس تاريخيا وقبل ظهور الدولة السورية نموذج السلطة البعيدة والمجتمع المغلق؛ حيث الجغرافيا الجبلية والاقتصاد الريعي جعلا من السكان جماعات تعتمد على الاكتفاء الذاتي أكثر مما تعتمد على الدولة.
مع اندلاع الاضطرابات عام 2011، بدأ بشكل تدريجي تفكك مؤسسات الدولة المركزية، ثم انفجر هذا التباعد التاريخي، مع سقوط نظام البعث، فأصبحت السويداء هضبة سياسية مستقلة عمليا، تتداول أمنها عبر شبكات محلية وميليشيات درزية، وتتعامل مع سلطة دمشق بحذر.
لم تعد الجغرافيا “حدودا إدارية”، بل تحولت إلى أداة مقاومة للهيمنة المركزية.
الهجري يتحرك ضمن منطق المكان؛ فحين تغيب الدولة، يصبح الدفاع عن المجتمع هو الدفاع عن الجبل، وهو في وعي سكانه ليس قطعة أرض بل رمز البقاء، وما يفعله الزعيم الروحي هو ترجمة سياسية لذلك الرمز، أي تحويل الجغرافيا إلى مشروع سيادة.
مشروع الهجري بوصفه هندسة جديدة للفضاء
مشروع الهجري كما يمكن قراءته من تصريحاته يقوم على ثلاثة مرتكزات جيوسياسية:
- تحويل السويداء إلى وحدة سياسية مغلقة ذات إدارة محلية وقوة دفاع ذاتي.
- الاحتماء بـ”إسرائيل” كضامن خارجي يوفر الحماية والشرعية الأمنية.
- فك الارتباط التدريجي عن دمشق مع الحفاظ على حدود مرنة تتيح التواصل التجاري والخدمي.
بهذا المعنى، لا يسعى الهجري إلى الانفصال القانوني بقدر ما يسعى إلى الاستقلال العملي، فهو يطرح ما يمكن تسميته بـ”السيادة الجزئية”، فتكون السويداء خاضعة شكليا للدولة السورية، لكنها فعليا كيانا مستقلا وظيفيا.
هذا النموذج يشبه “التقطيع الوظيفي للمجال السياسي”، حيث تصبح المناطق طرفا في شبكة من القوى الإقليمية بدل أن تكون جزءا من دولة واحدة.
حدود القوة وحدود المكان
لكن الجغرافيا التي تمنح الحماية تقيد أيضا، فالسويداء محاطة بالحدود من كل جانب، فمن الشمال سلطة دمشق، ومن الغرب درعا ذات العلاقات العشائرية المتوترة، ومن الجنوب الأردن، ومن الشرق بالبادية السورية، أي الفراغ الأمني.
هذا الواقع يجعل أي كيان درزي مستقل كيانا بريا مغلقا بلا منفذ طبيعي ولا موارد استراتيجية، وهو ما يحد موضوعيا من إمكانية قيام مشروع سيادي مستدام.
الاعتماد على “إسرائيل” كما يقترح الهجري لا يحل المعضلة بل ينقلها، فمن منظور جغرافي، تسعى “تل أبيب إلى إدارة الفراغ السوري لا ملئه، أي إلى الإبقاء على الجنوب منطقة رخوة تحمي حدودها الشمالية.
أي كيان درزي برعايتها سيكون أداة توازن أكثر منه شريكا سياسيا، ففي الجغرافيا، القوي لا يمنح الحماية مجانا، بل مقابل وظيفة، وهنا تتجلى المفارقة الجيوبولتيكية في خطاب الهجري؛ فهو يريد تحويل الجبل إلى مركز سيادة، لكنه يستدعي قوة خارجية “عدو وجودي للوطن الأم سوريا” تنظر إلى الجبل من الأعلى، لا باعتباره شريكا بل مساحة مراقبة وسيطرة، فمشروع الاستقلال الذي يحتاج إلى راع ناقص بالضرورة.
الجبل كرمز والحدود كفخ
السويداء قبل عام 2011 لم تكن منغلقة، بل متصلة بالبادية وبدمشق عبر طرق التجارة والرعي، لكن الحرب والدمار أعادا تشكيلها كفضاء مغلق نفسيا وماديا، وصار الانغلاق جزءا من هويتها المعاصرة، فمن الداخل تراها كحصن أخير، ومن الخارج كجيب طائفي.
هذا الانغلاق يحاول الهجري تحويله إلى رأسمال سياسي، فحين يقول إن “الجرح الوحيد الذي قُتلنا من أجله هو أننا دروز”، فهو لا يعلن قطيعة مع سوريا، بل يعبر عن جغرافيا الخوف وهو محرك الجغرافيا السياسية، ويجعل المجموعات الصغيرة تبحث عن خطوط دفاع جديدة وتعيد ترسيم المجال حولها.
لكن تحويل الخوف إلى سياسة دائمة ينتج “السلطة السجينة”؛ تنغلق في مكانها حتى تفقد القدرة على المناورة، فالجبل، إذا تحول من مأوى إلى حصن، يفقد ميزته التاريخية كفضاء تفاعل، وهذا ما يهدد مشروع الهجري من الداخل، فيتحول الاستقلال إلى عزلة، والعزلة إلى هشاشة.
السياق الإقليمي – الجغرافيا كشبكة صراع
الجنوب السوري اليوم هو تقاطع لثلاثة فضاءات نفوذ:
- الفضاء الإسرائيلي الممتد من الجولان.
- الفضاء الخليجي القادم عبر درعا والكسوة.
- والفضاء الأردني المتوجس من انتقال الفوضى شمالا.
في هذا المشهد، تمثل السويداء نقطة فراغ استراتيجي، ومساحة لم تحسم بعد لمن تنتمي، فتصريحات الهجري تدخل في هذا الفراغ لتقترح تموضعا جديدا، ليس مع سلطة دمشق ولا ضدها، بل خارجها تماما.
إنها محاولة لتمركز محلي في منطقة يحددها الآخرون، لكن كل فراغ استراتيجي مغر بالتدخل، ومشروع الهجري يحمل خطرين متناقضين:
- أن يجذب دعما إسرائيليا يحول السويداء إلى منطقة نفوذ وظيفي.
- أو أن يثير ردا عسكريا من سلطة دمشق لمنع ترسيم كيان جديد جنوب البلاد.
في الحالتين، يتحول الجبل إلى ساحة تنازع، لا إلى كيان آمن، فالجغرافيا هنا ليست درعا بل ساحة، وكل ساحة مفتوحة عرضة للاحتلال الرمزي أو العسكري.
نقد المشروع من منطق الجغرافيا لا الهوية
من الخطأ قراءة خطاب الهجري كحركة انفصالية طائفية فحسب، فهو في جوهره إعادة تموضع جغرافي أكثر منه نزعة هوية، لكن قوته الرمزية تكمن في أنه يتحدث باسم مكان فقد الدولة.
هذا ما يجعله جذابا لمجتمع يبحث عن حماية بعد مجزرة دامية واستباحة لمكون أساسي سوري ارتبط اسمه بالاستقلال وبالشخصيات الوطنية، لكن هول ما حدث جعل الجغرافيا تُظهر حيادتها، دون الحذر إلى أن المكان الذي يمنح الأمان اليوم يفرض التبعية غدا.
وأي مشروع سياسي لا يأخذ في الحسبان توازن القوى المحيطة به محكوم بأن يتحول إلى “جيب”، وهو شكل هش من السيادة لا يعيش إلا بوجود راع خارجي، فكل كيان مغلق يولد من الخوف يظل رهينة من أنقذه.
نحو قراءة موضوعية لمستقبل الجنوب
الجنوب السوري لا يسير نحو انفصال معلن، بل نحو تعدد مراكز السلطة المحلية، والسويداء بما تمتلكه من هوية متماسكة وقيادة رمزية، لكن حدود الجغرافيا تبقي هذا المشروع محدود المدى، فمن دون منفذ اقتصادي أو ممر إنساني مستقر، سيبقى الكيان الدرزي قوة دفاع محلية لا دولة ممكنة.
إن الطريق الواقعي لمستقبل السويداء ليس في الانفصال ولا في الخضوع، بل في تحويل الجغرافيا إلى مساحة تفاوض مع المركز، فأي صيغة لامركزية حقيقية تتيح للدروز إدارة شؤونهم دون الانسلاخ عن الدولة، ففي النهاية، الجغرافيا التي لا ترتبط بشبكة وطنية أكبر تستهلك ذاتها.
الجغرافيا تصنع السياسة لا العكس
مشروع حكمت الهجري، في جوهره، تعبير عن جغرافيا محاصرة تبحث عن معنى سياسي لبقائها، فهو ليس تمردا على الدولة، بل محاولة لاستعادة السيطرة على الفضاء حين تتخلى الدولة عنه، لكن الجغرافيا التي تولد هذا المشروع هي نفسها التي تضع له حدوده، فلا السويداء قادرة على الاكتفاء بنفسها، ولا “إسرائيل” معنية بتمكينها خارج إطار وظيفي محدد.
هذه الحالة تمثل مثالا دقيقا على “السياسة كإدارة للفضاء”؛ حين يتحول المكان من مسرح للأحداث إلى بطل رئيسي فيها، والسويداء اليوم ليست مجرد محافظة، بل عقدة جيوبولتيكية تختصر مأزق سوريا كلها، بين جغرافيا فقدت مركزها، ومجتمعات تبحث عن حماية، وحكومة إلغائية تُهشم المكونات السورية، وتفترسهم مكون بعد الآخر بلغة الغلبة، ودول جوار تستخدم الفراغ كأداة نفوذ.
إن نقد مشروع الهجري لا يكون بإدانته، بل بفهم ما أنتجه؛ جغرافيا بلا دولة، تبحث عن راع في عالم يعيد رسم خرائطه من جديد.
السويداء بين الجغرافيا والسلطة
قراءة تحليلية في مشروع حكمت الهجري – الجغرافيا تصنع السياسة لا العكس

