سوريا في عين الجغرافيا المضمرة: كيف تعيد الصحافة الغربية إنتاج “خرائط السيطرة” من دون أن ترسمها

في كل مرة تكتب فيها صحيفة كبرى عن الشرق الأوسط، فإنها لا تروي “خبرا” بل تعيد إنتاج خريطة إدراكية تحدد من يملك الحق في السيادة، ومن يعتبر “فاعلا شرعيا”، ومن يصنف “تهديدا محتملا”.
مقال واشنطن بوست حول “الأنشطة الإسرائيلية السرية في سوريا” لا يكشف عملية استخبارية؛ بل تصور عميق لطبيعة الدولة السورية كما يراها العقل الجيوسياسي الغربي.

ولأن الجغرافيا سلاح في الحرب أكثر مما هي علم للمدرسة، فإن قراءة هذا النص بعيون جيوسياسية تتيح لنا رؤية الحرب الرمزية التي تشن على مفهوم الدولة السورية نفسه.

من “سوريا” إلى “المساحة السورية”

يبدأ النص من لحظة رمزية؛ “سقوط بشار الأسد”، ويتعامل منذ السطر الأول مع البلاد كما لو أنها حقل فراغ بعد انهيار المركز، فلا يقال “الدولة السورية”، بل “جنوب سوريا” و”السويداء”، و”الحدود الشمالية الشرقية لإسرائيل”.
تتحول الجغرافيا الوطنية إلى موزاييك من المساحات الأمنية، تعرف كل واحدة منها بعلاقتها بـ”إسرائيل” لا بدمشق، وهذه ليست مجرد تقنية سردية، بل تقطيع إدراكي للمجال الوطني، فالتحكم في “تصور المكان” هو المقدمة للتحكم في “إدارته”.
حين تعاد تسمية الجنوب السوري باعتباره “منطقة دعم إنساني – أمني للدروز”؛ يصبح السؤال السياسي عن السيادة غير ضروري، لأن المعنى الجغرافي نفسه أعيدت صياغته، واختفاء كلمة “الدولة” من النص ليس غفلة بل مقصودا، فالتغطية تفترض أن السلطة في سوريا ليست ملكا لفضاء سياسي بل لمسرح عمليات، وتتبدل لغة المقال من توصيف الحدث إلى إدارة الخطر؛ “منع نظام معاد” و”ضمان عدم ظهور تهديد”” و”تأمين الحدود”.
هذه العبارات تشكل البنية المفهومية لـ”سوريا ما بعد الدولة”.

السيادة كفكرة متنازع عليها

منذ القرن التاسع عشر، ارتبط مفهوم السيادة في الشرق الأوسط بقدرة الدولة على التحكم في حدودها، لكن المقال يفترض ضمنا أن السيادة السورية انتهت، وأن الحدود لم تعد سوى “خط تفاوض” بين “إسرائيل” والفاعلين المحليين.
حين تقول الصحيفة إن “إسرائيل تنفذ عمليات إسقاط جوي داخل الأراضي السورية”، دون أي تعليق قانوني، فإنها لا تهمل القانون الدولي فحسب، بل تستبدله بمنطق الوظيفة الأمنية.

السيادة هنا لم تعد حقا بل عبئا:

  • إذا مارستها دمشق فهي “محاولة لاحتكار السلطة”.
  • وإذا اخترقتها “إسرائيل” فهي “تحرك مشروع لضمان الاستقرار”.

إنه قلب دلالي متقن، يحول مفهوم الدفاع الوطني إلى تهمة، ويعطي شرعية للانتهاك الخارجي باسم “الاستباق الأمني”، بهذه التقنية يعاد تعريف من يحق له استخدام العنف المشروع في الفضاء السوري؛ ليس الحكومة بل القوة الإقليمية التي تملك التفوق التكنولوجي والمشروعية الدولية.

الأسطورة الأخلاقية لـ”الدرزي الصديق”

يعتمد النص على مقولة ذات جذور استعمارية مفادها أن الأقليات حلفاء طبيعيون للقوى “المتحضرة” في مواجهة الأكثريات “المضطربة”، وهي رؤية يجد فيها “الخطاب الإسرائيلي” سندا تاريخيا لتبرير تحالفاته.
هذه الرؤية ما كانت لتترسخ لولا فشل السلطة السورية الحالية نفسها في إنتاج عقد وطني متوازن؛ فسمحت سياساتها الأمنية والإدارية، عبر التهميش والتمييز، بتحويل الأقليات إلى كيانات دفاعية مغلقة تبحث عن حماية خارجية.

وفي هذا السياق، يستدعى “الدرزي” في “الخيال الإسرائيلي” كفاعل مثالي؛ شجاع ومنضبط وواقعي سياسيا، يمكن الاتكال عليه في مشروع “الحدود الآمنة”، أما “الشرع” فيقدم بصفاته التاريخية “إسلامي” و”مرتبط بالقاعدة” و”مشبوه”.
النتيجة ليست توصيفا بريئا للوضع السوري، بل إعادة إنتاج لتقسيم أخلاقي وسياسي صنعته بنية االسلطة نفسها؛ أقلية تعامَل بوصفها الحليف الممكن، وأغلبية ترى بوصفها الخطر الدائم.

هذه الثنائية ليست مجرد تمثيل، بل أداة إدارة استعمارية؛ تقسم السكان إلى وحدات يسهل استمالتها أو ضبطها أو تسليحها.
وحين تذكر الصحيفة أن “إسرائيل تدفع رواتب لثلاثة آلاف مقاتل درزي” من دون تعليق أخلاقي، فهي لا تسرد واقعة بقدر ما تكرس تصورا نشأ أصلا من فراغ السلطة السورية عن دورها الاجتماعي والسياسي؛ تصور يرى أن العلاقة الطبيعية في المشرق لم تعد بين المواطن والدولة، بل بين الجماعة الطائفية وراعيها الخارجي.

الدولة كخطر على “الاستقرار الإقليمي”

في النص، يكرر “المسؤولون الإسرائيليون” أن هدفهم “منع ظهور نظام قوي قادر على تهديد إسرائيل”،
بعبارة أخرى، فكلما ضعفت الدولة السورية، ازداد استقرار المنطقة، وهو منطق مقلوب يعيد تعريف الأمن الإقليمي لا بوصفه توازنا بين الدول، بل بوصفه تفوقا دائما لدولة واحدة.
وهذا ما يطلق عليه “إيديولوجية التفوق الجغرافي”، وتحويل السيطرة على المكان إلى معيار للأخلاق السياسية، ويصبح تفكيك سوريا “إجراء وقائيا”.

يتراجع مفهوم “التهديد” من كونه احتمالية عسكرية إلى كونه مبررا وجوديا دائما، فحتى بعد سقوط الأسد، تظل سوريا “مشكلة” لأن وجودها ذاته يهدد التوازن الذي صاغته القوة المهيمنة، فيعاد إنتاج حرب بلا نهاية تبرر باسم الحذر.

مركز القرار خارج دمشق

يقدم الشرع في المقال كشخصية تتحدث كثيرا، لكنها لا تحدد شيئا، فكل ما نعرفه عنه يأتي من تعليق الآخرين؛ “تراه إسرائيل بريبة” و”تعتقد واشنطن أنه معتدل” وهو “يأمل في اتفاق”، وبهذا التوزيع تسحب من الحكومة السورية الجديدة أي وكالة سياسية، تصبح دمشق فضاء للتفاوض عليها، لا فاعلا يفاوض.

الجغرافيا السياسية ليست فقط دراسة المكان، بل تحليل لمن يملك الحق في الكلام عن المكان، وحين تحتكر اللغة التحليلية من قبَل الصحيفة الغربية، تستبعَد الرواية المحلية تلقائيا، فالمقال لا يصف الواقع بل ينشئه، فـ”إسرائيل” والولايات المتحدة تقرران من هو “الزعيم المقبول”، ومن هي “الطائفة القابلة للحماية”، ومن هي “الميليشيا المفيدة”.
أما السوريون بكل أطيافهم فيغيبون كفاعلين.

المجهول المنظم

اللافت في المقال كثرة العبارات التي تبدأ بـ”بحسب مسؤولين إسرائيليين سابقين” و”قال مصدر درزي” و”صرح مستشار حكومي غربي”، وهذه الصياغات لا تقدم أدلة، لكنها تولد سلطة الغموض، فكل شيء سري، ومع ذلك يمكن كتابته في صحيفة.
يتجلى هنا “الإعلام الاستراتيجي”، حيث المعلومة تستخدم كأداة لتوجيه الإدراك لا لإشباع الفضول، فإعلان “السر” بذاته عمل سياسي، فهو يقول للقارئ الغربي، وللقارئ السوري ضمنا، إن الميدان مراقَب، وإن أي فعل داخل سوريا يرصَد ويصنف، وتتحول المعرفة إلى آلية ردع رمزية، تحبط أي تصور لإمكانية “قرار وطني مستقل”.

الجغرافيا كأداة للوصاية

المقال يختتم بوصف تقني لما تسميه إسرائيل “منطقة عازلة” للدروز، تمتد من الجولان حتى جبل الشيخ، ووراء هذا الوصف الإغاثي” تكمن فكرة جغرافية خطيرة؛ من يملك القدرة على رسم الخطوط على الأرض يملك الشرعية السياسية لوجودها.

الحدود ليست خطوطا فيزيائية بل تموضعات في الوعي السياسي، حين تتكرر في النص فكرة “ممر إنساني مسور” و”منطقة منزوعة السلاح” و”خط فصل آمن”، فإنها تخلق مخيالا جديدا لسوريا؛ دولة مجزأة إلى جيوب بشرية متداخلة، كل واحدة متصلة بعاصمة أجنبية، وهذا ليس تحليلا للوضع القائم بل إعداد ذهني للتقسيم الدائم.

اللغة كأداة للهيمنة

المقال لا يستخدم مفردات مثل “احتلال” و”سيطرة” و”تدخل عسكري”، بل يستبدلها بتعابير ناعمة؛ “تأمين الحلفاء” و”ضمان الاستقرار” و”إسقاط مساعدات” و”منع تمركز الإرهابيين”، هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل تحويل لغوي للواقع السياسي.
حين يقال “إسقاط مساعدات”، يمحى فعل القصف من الذاكرة، وحين يقال “منطقة عازلة” تستبدل فكرة الاحتلال بفكرة الحماية، فتحيد الأخلاق عبر المفردة، فاللغة الجغرافية ليست بريئة لأنها تحدد ما إذا كان الفعل حربا أم سلاما، وتدخلا أم تعاونا، ومقاومة أم إرهابا.
والمقال نموذج ناصع لهذا التلاعب اللغوي الممنهج.

من التحليل إلى “التطبيع الإدراكي

المقال لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى تطبيع القارئ مع فكرة أن سوريا لا يمكن أن تكون دولة مكتملة مرة أخرى، فكل مقطع فيه يعيد التأكيد على أن الحل هو في “تسوية أمنية” تتولاها “إسرائيل” بالتنسيق مع واشنطن، لا في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية.

ما يقدمه المقال استعمار معرفي للمكان، وتحويل الجغرافيا إلى موضوع يدار عن بعد باسم الواقعية والعقلانية، حين يتشبع الرأي العام الغربي بهذا التصور، يصبح أي حديث عن استعادة السيادة ضربا من “النوستالجيا القومية”.

ما الذي تقوله الجغرافيا المضمرة عن المستقبل؟

من منظور جغرافي – سياسي، ما يهم في المقال ليس الخبر بل الخريطة التي يرسمها ضمنا:

  • في الشمال الشرقي: الأكراد حلفاء ظرفيون.
  • في الجنوب: الدروز حلفاء محتملون.
  • في الوسط: حكومة مشكوك فيها.
  • في الخارج: “إسرائيل” اللاعب العاقل.

إنها خريطة أمنية للأذهان وليست خريطة واقع حيث تعيد ترتيب سوريا على أساس قابلية الإدارة”، لا على أساس الجغرافيا أو التاريخ.

الخطاب الإعلامي الغربي لم يعد يصف الشرق الأوسط بل يصممه، ويمنح شرعية مسبقة لمن يملك التفوق العسكري أو السردي؛ إنه يصنع سوريا المتخيلة” والموزعة بين مناطق الحماية والمراقبة، بلا قلب سياسي، بلا حدود نهائية، وبلا حق في الحسم.

نحو استعادة الجغرافيا من يد السياسة

القراءة الجيوسياسية لمقال واشنطن بوست تكشف أن المعركة على سوريا لم تعد تدور حول من يحكمها، بل حول كيف تفكر وترى وتسمى.
فحين تتبنى الصحافة لغة القوة، وتغفل لغة القانون، تتحول إلى أداة في رسم خرائط النفوذ لا مراقبتها، ولا بد من أن نعيد الجغرافيا إلى معناها الأول أي أن نفهم المكان كقضية سياسية بحد ذاتها، لا كمساحة انتظار للتدخل.

إن مقاومة الحرب لا تبدأ بالسلاح، بل بالكلمة، فحين نرفض أن نرى سوريا “مساحة رمادية بين إسرائيل وإيران” ونصر على تسميتها باسمها الكامل، الجمهورية العربية السورية، فإننا نعيد للدولة حقها الأول بأن تفكر بوصفها موجودة.

الخريطة الإدراكية: كيف تعيد الصحافة الغربية إنتاج خرائط السيطرة

سوريا في عين الجغرافيا المضمرة

كيف تُعيد الصحافة الغربية إنتاج “خرائط السيطرة” من دون أن ترسمها

تحليل جيوسياسي لمقال واشنطن بوست حول “الأنشطة الإسرائيلية السرّية في سوريا”

يرصد هذا التصور الآليات البلاغية واللغوية التي تعيد من خلالها الصحافة الغربية رسم الخرائط الإدراكية للشرق الأوسط، محددة من يملك الحق في السيادة ومن يُصنف “تهديداً محتملاً”.

الآليات الجيوسياسية في النص

من “سوريا” إلى “المساحة السورية”

تتحول الجغرافيا الوطنية إلى موزاييك من المساحات الأمنية، تُعرَّف كل واحدة منها بعلاقتها بـ”إسرائيل” لا بدمشق. هذا تقطيع إدراكي للمجال الوطني يجعل التحكم في “تصوّر المكان” مقدمة للتحكم في “إدارته”.

السيادة كفكرة متنازع عليها

السيادة السورية تُصوَّر وكأنها انتهت، والحدود أصبحت “خط تفاوض” بين “إسرائيل” والفاعلين المحليين. الانتهاكات تُقدَّم كـ”تحركات مشروعة لضمان الاستقرار” في قلب دلالي يحول الدفاع الوطني إلى تهمة.

الأسطورة الأخلاقية لـ”الدرزي الصديق”

يعتمد النص على مقولة استعمارية مفادها أن الأقليات حلفاء طبيعيون للقوى “المتحضّرة”. يُستدعى “الدرزي” في “الخيال الإسرائيلي” كفاعل مثالي يمكن الاتكال عليه في مشروع “الحدود الآمنة”.

الدولة كخطر على “الاستقرار الإقليمي”

يُعاد تعريف الأمن الإقليمي لا بوصفه توازنًا بين الدول، بل بوصفه تفوقًا دائمًا لدولة واحدة. كلما ضعفت الدولة السورية، ازداد استقرار المنطقة في منطق مقلوب يبرر تفكيك سوريا كـ”إجراء وقائي”.

اللغة كأداة للهيمنة: تحويل المفاهيم

اللغة الواقعية (المحايدة)

احتلال عسكري
تدخل عسكري أجنبي
انتهاك السيادة الوطنية
قصف جوي
تقسيم البلاد

اللغة الإعلامية الغربية (الناعمة)

منطقة عازلة / حماية
تأمين الحلفاء
ضمان الاستقرار
إسقاط مساعدات
ترتيب أمني جديد

هذا التحويل اللغوي يحيد الأخلاق عبر المفردة، ويحدد ما إذا كان الفعل حربًا أم سلامًا، وتدخلًا أم تعاونًا، ومقاومةً أم إرهابًا.

الخريطة الإدراكية الضمنية لسوريا

ما يهم في المقال ليس الخبر بل الخريطة التي يرسمها ضمناً:

الشمال الشرقي

الأكراد: حلفاء ظرفيون

الجنوب

الدروز: حلفاء محتملون

المركز

حكومة دمشق: مشكوك فيها

الخارج

“إسرائيل”: اللاعب العاقل

هذه الخريطة الأمنية “للأذهان” تعيد ترتيب سوريا على أساس “قابلية الإدارة”، لا على أساس الجغرافيا أو التاريخ. الخطاب الإعلامي الغربي لم يعد يصف الشرق الأوسط بل يصممه، ويمنح شرعية مسبقة لمن يملك التفوق العسكري أو السردي.

1 فكرة عن “سوريا في عين الجغرافيا المضمرة: كيف تعيد الصحافة الغربية إنتاج “خرائط السيطرة” من دون أن ترسمها”

  1. تحليل رائع وإدراكي، يعبر عن الروح السورية التاريخية.. أتمنى أن أجد جمبع السوريين بهذا الوعي والإدراك، عندها فقط تعود سورية بتاريخها وجغرافيتها التي نحب ونفتديها بالروح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *