عبر مقطع مصوَّر لا يتجاوز عشر ثوان، ظهر جنود “إسرائيليون” وهم يرفعون علمهم في الساحة الرئيسية لمدينة القنيطرة، على وقع “نشيدهم الوطني”، والمشهد، للوهلة الأولى، يبدو مجرّد بروتوكول عسكري مألوف، لكن طبيعة المكان تجعل من هذه الثواني القصيرة استعادة مكثفة لتاريخ طويل من الهزائم والانسحابات والحدود المعلَّقة.
الفيديو الذي بثته مواقع “إسرائيلية” ودون تأكيد رسمي من “تل أبيب”، ليس مجرد توثيق لحظة عابرة، بل محاولة متعمدة لإعادة كتابة رواية السيادة في الجولان المحتل، فمنذ أن تحولت القنيطرة إلى أطلال عام 1974، بقيت شاهدة على الخسارة والانتظار، ورفع العلم اليوم، رغم عدم وجود بيان “إسرائيلي” يؤكد صحة الفيديو، يشكل إعلان رمزي بأن “إسرائيل” لا تكتفي بالسيطرة العسكرية، بل تسعى إلى تثبيت حضورها في الذاكرة السياسية والرمزية معا، موجّهة رسائل إلى جمهورها الداخلي وخصومها الإقليميين على حد سواء.
رمزية الجغرافيا: القنيطرة بوصفها شاهدا
الجغرافيا في المشرق ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل سجل دموي للمواجهات، والقنيطرة، المدينة المدمرة على سفوح الجولان، ليست فقط رمزا للهزيمة السورية في حزيران 1967، بل أيضا عنوانا لانسحاب إسرائيلي مشروط بعد حرب تشرين 1973، فعندما انسحبت إسرائيل من القنيطرة عام 1974، تركت وراءها مدينة محروقة، حجارتها مهشمة عمدا، لتصبح متحفا حيا للاحتلال، وأن يرفع الجيش “الإسرائيلي” علمه في هذه الساحة اليوم هو استعادة مقصودة لتلك اللحظة، وتأكيد أن الخراب لم يكن عابرا، بل جزءا من سياسة السيطرة عبر الذاكرة المكانية.

الرسالة السياسية: تثبيت السيادة بحكم الواقع
“إسرائيل” تعرف أن القانون الدولي لا يمنحها شرعية في الجولان، فقرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 اعتبر ضمّ الجولان باطلا، ومع ذلك، فإن تل أبيب تدرك أن الشرعية ليست دائما نتاج القانون، بل الوقائع، ورفع العلم في القنيطرة هو فعل سيادي رمزي، يراد منه القول إن الزمن يعمل لصالح الاحتلال، الجغرافيا تُعاد صياغتها عبر الطقس الاحتفالي، والنشيد الوطني يصبح أداة لترسيخ حدود جديدة في الوعي.
هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها “إسرائيل” إلى الرمزية العسكرية في الجولان، فمنذ سنوات، حُوّلت المستوطنات هناك إلى فضاءات زراعية – سياحية تقدمها الدولة العبرية كجزء من “إسرائيل الطبيعية”، لكن القنيطرة، بما تمثله من جرح سوري مفتوح، تظل أكثر من مجرد مستوطنة، فهي رمز لغياب التسوية.
المفاوضات المؤجلة: من مدريد إلى شفا التوقيع
لكي نفهم هذا المشهد، ينبغي العودة إلى مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية، فمنذ مؤتمر مدريد عام 1991، دخلت دمشق وتل أبيب في مفاوضات متقطعة، امتدت عبر تسعينيات القرن الماضي، وبلغت ذروتها في محادثات شيبردزتاون (2000)، وكان جوهر النقاش: هل تنسحب إسرائيل إلى خطوط الرابع من حزيران 1967 أم إلى خطوط وقف إطلاق النار لعام 1949؟ الفارق بضع مئات من الأمتار، لكنه كان كافيا لإسقاط المسار برمته.
القنيطرة كانت دائما على الطاولة، بوصفها نقطة اختبار لنوايا الطرفين، فـ”إسرائيل” عرضت “إعادة المدينة” ضمن ترتيبات أمنية معقدة، فيما أصرت دمشق على استعادة كامل الجولان حتى شواطئ طبريا، والانهيار المتكرر لهذه المحادثات لم يكن نتاج العناد فحسب، بل انعكاس لتضارب التصورات حول الأمن والشرعية، فـ”إسرائيل” رأت في الانسحاب تهديدا استراتيجيا، وسوريا رأت في أي تنازل انتقاصا من السيادة.
تغيّر السياق: من حافظ الأسد إلى الصراع السوري الداخلي
رفع العلم الإسرائيلي اليوم يجب أن يُقرأ أيضا في ضوء التحولات السورية منذ 2011، فالدولة السورية التي كانت تملك ورقة الجولان كملف تفاوضي فقدت الكثير من قدرتها التفاوضية مع انشغالها بحرب داخلية طويلة، و”إسرائيل” استثمرت هذا الضعف لترسيخ سيطرتها، فاعترفت إدارة ترامب عام 2019 بـ’السيادة الإسرائيلية’ على الجولان، لكن هذه الخطوة بقيت معزولة، إذ رفضها كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ما جعل الاعتراف الأميركي استثناء لا يغير في الوضعية القانونية الدولية للجولان، لكنه منح “تل أبيب” غطاء استراتيجيا جديدا.
لم يعد رفع العلم في القنيطرة مجرد تحد لسوريا، بل رسالة موجهة إلى الإقليم بأسره، فلا عودة إلى خطوط التفاوض السابقة، ولا حديث عن انسحاب أو مقايضة، فالجولان بالنسبة لـ”إسرائيل” خرج من دائرة التسويات، وصار جزءا من استراتيجيتها الدائمة.
أما السلطة الآن في دمشق فتبدو فاقدة للقدرة على تحويل قضية الجولان إلى محور سياساتها أو رافعة وطنية، فتحوّل الملف الذي كان يوما ورقة ضغط مركزية إلى عبء مهمل في ظل نظام فكك أولويات الوطن، وغابت عن الرؤية الواضحة للصراع، وانكفاء الدبلوماسية على مجرد خطابات احتجاج، سمح لإسرائيل بترسيخ الأمر الواقع بلا كلفة سياسية تُذكر، والمفارقة أن الاحتلال لم ينتصر بالقوة العسكرية، بل بانهيار قدرة خصمه على صياغة استراتيجية بعيدة المدى.
الأثر النفسي: حرب الرموز بدل حرب الجيوش
منذ 1974، لم تُطلق رصاصة واحدة بين سوريا و”إسرائيل” عبر خط وقف إطلاق النار، هذه الهدنة الصلبة حوّلت الصراع إلى حرب رموز عبر الإعلام، والصور، والاحتفالات العسكرية، ورفع العلم اليوم هو امتداد لهذه الحرب، فـ”إسرائيل” تدرك أن السيطرة لا تُقاس فقط بالدبابات، بل بالقدرة على احتكار السردية البصرية.
بالنسبة للسوريين، المشهد مؤلم لكنه ليس مفاجئا، فالقنيطرة، بما تحمله من ذاكرة الخسارة، تتحول مجددا إلى مسرح لإظهار غياب الرد، هذه الفجوة بين الاحتلال المستمر والعجز عن تغييره هي ما يجعل رفع العلم حدثا سياسيا يتجاوز لحظته الزمنية.

الجغرافيا الحاكمة: من هضبة الجولان إلى عمق بلاد الشام
النظر إلى الجغرافيا هنا بوصفها الفاعل الأعمق يوضح أن الجولان ليس مجرد هضبة، بل عقدة استراتيجية تتحكم بمياه المنطقة وتطل على دمشق، وتمنح من يسيطر عليها تفوقا أمنيا، فهي “منصة إشرافية” على دمشق، وترى “تل أبيب” أن التنازل عنه يعادل الانتحار الاستراتيجي، وفي المقابل فإن تنازل السلطة في دمشق عنها هو نهاية هوية سوريا كدولة مقاومة.
القنيطرة ليست مجرد مدينة مدمرة، بل عقدة جيوسياسية تعكس استحالة التسوية، وكلما رفعت “إسرائيل” علمها هناك، أكدت أن الجغرافيا تتغلب على السياسة.
الفيديو القصير من القنيطرة ليس مجرد مادة دعائية؛ إنه تكثيف لصراع نصف قرن من هزيمة 1967، وحرب 1973، والمفاوضات المتعثرة، الانقسام السوري الداخلي، والتحولات الإقليمية، وبرفع العلم في الساحة الرئيسية، تعلن “إسرائيل” أن الصراع لم يعد على الطاولة، لكن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا لا تُمحى بسهولة، فالقنيطرة ستظل، حتى وهي أطلال، رمزا لصراع لم يُحسم.

