شهد ريف حماة الشرقي في أواخر عام 2024 تحولا يتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة، ويضعه في قلب التحولات الكبرى التي يعيد الصراع السوري من خلالها تشكيل خرائط السيطرة والنفوذ، فهذه الوقائع، إذا ما قُرئت في ضوء الجغرافيا السياسية، تكشف عن انتقال نوعي من صراع عسكري مباشر إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تُعاد فيها هندسة المجال البشري والاقتصادي على نحو يعيد تعريف من يملك الأرض ومن يملك الحق في البقاء عليها.
حين يُهجر سكان قرى كاملة تحت وطأة العنف، وتُغلق أمامهم سبل العودة بذريعة الأمن، ثم يُعاد ترتيب ملكياتهم الزراعية عبر أطر إدارية أو استثمارية مستحدثة، فإن المشهد لا يقتصر على انتهاكات متفرقة، بل يتبلور كمسار لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي نفسه، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية على بنية الدولة ومستقبلها.
ريف حماة: عقدة تماس لا مجرد ريف
يمثل ريف حماة الشرقي، تاريخيا، منطقة تماس بين كتل سكانية متباينة، الأمر الذي جعله خلال سنوات النزاع ساحة تنازع عسكري متكرر، وأهميته الاستراتيجية تتجاوز كونه مجرد عقدة جغرافية بين إدلب وحماة؛ حيث يشكل في العمق حلقة وصل حساسة بين الداخل السوري والساحل، وبين المجال الزراعي المنتج والكتلة الساحلية التي احتفظت بثقل حاسم في معادلات القوة الداخلية كنافذة بحرية، ما أكسب هذا الحيز وزنا مضاعفا في توازنات الصراع وإعادة توزيع النفوذ.
إن أي تغيير ديموغرافي في هذه المنطقة لا يُقرأ بوصفه تحولا سكانيا فحسب، بل إعادة رسم لخطوط النفوذ بين الكتل المتصارعة، وإخلاء قرى ذات غالبية طائفية في هذا الحيز ومنع عودتها، يخلق فراغا ديموغرافيا يمكن أن يعاد ملؤه وفق اعتبارات سياسية وأمنية، لا وفق منطق التعايش التاريخي.
الجغرافيا هنا ليست مسرحا محايدا؛ إنها أداة في الصراع، ومن يسيطر على المجال، يسيطر على المستقبل.
من الرعب العسكري إلى الإقصاء البنيوي
تشير المعطيات إلى أن النزوح لم يكن نتيجة انسحاب منظم أو اتفاقات محلية، بل جاء في سياق هجوم مكثف استخدمت فيه تقنيات عسكرية ذات أثر نفسي عال، كالمسيرات الانتحارية، وهذا النوع من السلاح، حتى لو استُخدم ضد أهداف عسكرية، يخلق أثرا جماعيا على المدنيين، ويحول الفضاء القروي إلى حيز غير قابل للحياة.
الخطورة الحقيقية لا تكمن في لحظة الهجوم، بل في ما تلاها من منع العودة عبر رسائل رسمية غير مطمئنة، وتهديدات مباشرة، وغياب ضمانات أمنية، فيتحول النزوح من ظرف طارئ إلى حالة دائمة، ومع مرور الوقت، يصبح الغياب أمرا واقعا، وتُعاد صياغة الشرعية الميدانية على أساس “الاستقرار الجديد”.
نحن إزاء آلية إقصاء بنيوي تتجاوز فعل التهجير بوصفه حدثا عسكريا عارضا، لتتحول إلى مسار منظم لإعادة تعريف من يحق له الوجود في المجال ومن يُقصى عنه بصورة دائمة، فالإخراج القسري للسكان لا يُستكمل فقط بحرمانهم من العودة عبر التهديد أو غياب الضمانات، بل يُعزز بإعادة صياغة الإطار القانوني والإداري للملكية، بحيث يصبح الغياب ذاته مبررا لإعادة توزيع الأرض والموارد.
مع مرور الوقت، يتكرس واقع جديد تُنقل فيه السيطرة الاقتصادية إلى فاعلين آخرين، ويُعاد ترتيب البنية الاجتماعية للحيز وفق اعتبارات القوة لا وفق مبدأ الحق، ويغدو الإقصاء عملية مركبة تبدأ بالرعب، وتستقر في الإدارة، وتنتهي بإعادة إنتاج المجال على صورة موازين القوى المستجدة، بما يحمله ذلك من آثار طويلة الأمد على الاستقرار والسلم الأهلي.
الاقتصاد كأداة ضبط جيوسياسي
الأراضي الزراعية في ريف حماة ليست مجرد مصدر رزق؛ إنها تمثل رأس مال استراتيجيا في سياق اقتصاد سوري منهك، فالفستق الحلبي والزيتون ليسا محاصيل عابرة، بل موارد تحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار والرعاية، من يسيطر على هذه الأراضي يسيطر على دورة إنتاج تمتد لعقود.
عندما تُدار هذه الأراضي عبر آليات تصنيف الملاك كـ”غائبين”، وتُطرح في مزادات مشروطة بموافقات أمنية، فإننا نكون أمام تحويل للملكية من حق فردي إلى أداة سياسية، فالشرط الأمني لا يُستخدم هنا لضبط النظام العام، بل لإعادة فرز من يحق له الاستثمار ومن يُستبعد.
هذا التحول من السلب المنهجي للممتلكات إلى “الاستثمار المنظم” يكشف انتقال الصراع إلى مستوى أكثر عمقا خلال مأسسة السيطرة الاقتصادية، وهو انتقال بالغ الخطورة، لأنه يمنح الأمر الواقع غطاء قانونيا شكليا، ويحول النهب إلى عقد موثق.
في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس السيطرة بعدد الحواجز العسكرية فقط، بل بقدرة الفاعل على إعادة تشكيل علاقات الملكية والإنتاج.
خطر تكريس الكانتونات الصلبة
إذا استمرت هذه الدينامية، فإن سورية تتجه نحو تثبيت كانتونات ذات تجانس طائفي أو سياسي، وليس بالضرورة عبر إعلان تقسيم رسمي، بل تكريس خطوط تماس اجتماعية واقتصادية غير قابلة للاختراق.
فحين تُربط قرية بهوية سياسية محددة، ويُعامل سكانها كامتداد لسلطة سابقة، ثم يُعاقب المجال بأكمله، فإن الرسالة تتجاوز الحدث المحلي، فهي تقول إن المجال بات يُعرف سياسيا، لا مدنيا.
هذا المنطق يقوض فكرة الدولة الوطنية الجامعة، ويستبدلها بمنطق “المجالات الآمنة” و”المجالات المشبوهة”، وتتحول خطوط التماس العسكرية إلى حدود ذهنية واجتماعية، يصعب تجاوزها حتى بعد توقف القتال.
أثر إقليمي يتجاوز الداخل
لا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن البيئة الإقليمية، فالساحل السوري، المتصل بعمق جغرافي حساس على المتوسط، يمثل نقطة اهتمام لقوى إقليمية ودولية، وأي تغيير ديموغرافي في محيطه الداخلي ينعكس على حسابات تلك القوى.
أي مسار يكرس التهجير القسري ومنع العودة سيضع سوريا في مواجهة مستمرة مع منظومة القانون الدولي، ويجعل ملف إعادة الإعمار رهينة لشروط سياسية تتعلق بحقوق الملكية والعودة الآمنة ويتحول النزاع المحلي إلى عبء جيوسياسي يعرقل تطبيع العلاقات ويفاقم العزلة الاقتصادية.
الذاكرة كعامل عدم استقرار
تُظهر التجارب المقارنة أن التغيير الديموغرافي القسري لا يُنتج استقرارا دائما، بل يؤسس لذاكرة جريحة قابلة للاستدعاء في أي لحظة توتر، وحين يشعر مجتمع بأنه اقتُلع من أرضه، فإن الإحساس بالظلم يتحول إلى عنصر تعبئة سياسي طويل الأمد.
في الحالة السورية، حيث لم تُنجز بعد عملية عدالة انتقالية، فإن تراكم هذه الملفات سيجعل أي تسوية مستقبلية هشة، فالمجال الذي يُعاد تشكيله بالقوة يبقى عرضة لإعادة النزاع، خصوصا إذا تغيرت موازين القوى.
الدولة بين الامتحان والاختبار
تواجه السلطة الانتقالية – أيا كان شكلها – اختبارا حقيقيا، فهل ستتعامل مع هذه الوقائع بوصفها إرثا ينبغي تصحيحه، أم بوصفها معطى يمكن البناء عليه؟ تعليق العقود المشبوهة، وضمان العودة الآمنة، وحماية السجلات العقارية، ليست إجراءات تقنية فحسب؛ إنها رسائل سياسية تعيد تعريف طبيعة الدولة.
الدولة التي تسمح بتكريس نزع الملكية تحت غطاء إداري تفقد تدريجيا احتكارها للشرعية القانونية، أما الدولة التي تستعيد الحياد وتفصل بين الصراع السياسي وحقوق الأفراد، فتعيد بناء المجال على أسس مدنية.
سورية بين إعادة التشكل والتفكك
إن ما يجري في ريف حماة الشرقي يبدو تفصيلا في خريطة واسعة، لكنه في الواقع نموذج مكثف لمسار محتمل من انتقال الصراع من معارك على المواقع إلى صراع على الملكية والهوية والمجال.
إذا استمر هذا المسار، فإن سوريا تدخل مرحلة إعادة تشكل جيوسياسي صامت، حيث تُعاد صياغة الخرائط من خلال العقود الزراعية والموافقات الأمنية، لا عبر الخرائط الرسمية، وحينها، يصبح التغيير الديموغرافي أمرا واقعا يصعب التراجع عنه، وتتحول الدولة إلى إطار إداري لوقائع فُرضت بالقوة.
غير أن التاريخ يُظهر أيضا أن إعادة تشكيل المجال بالقسر تحمل في طياتها بذور عدم الاستقرار، فالجغرافيا التي تُدار بمنطق الإقصاء تبقى مفتوحة على احتمالات الانفجار.
بين هذين المسارين تقف سوريا اليوم، فإما أن تُحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة تثبيت مبدأ المواطنة المتساوية وصون الملكية، أو أن تنزلق نحو تثبيت خرائط غير مرئية ستحدد صراعات العقد المقبل، في الحالتين، لم يعد ريف حماة مجرد ريف؛ إنه مختبر لإعادة تعريف المجال السوري كله.
سورية على حافة إعادة التشكل:
حين يتحول التهجير إلى أداة جيوسياسية
من ريف حماة الشرقي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ: تحليل استراتيجي لتحول الصراع من المعارك العسكرية إلى صراع على الملكية والهوية والمجال
ريف حماة: عقدة تماس استراتيجية
يمثل ريف حماة الشرقي حلقة وصل حساسة بين الداخل السوري والساحل، وبين المجال الزراعي المنتج والكتلة الساحلية. أي تغيير ديموغرافي هنا لا يُقرأ كتحول سكاني فحسب، بل إعادة رسم لخطوط النفوذ بين الكتل المتصارعة.
الإقصاء البنيوي
الخطورة لا تكمن في لحظة الهجوم، بل في منع العودة عبر رسائل رسمية وتهديدات، فيتحول النزوح من ظرف طارئ إلى حالة دائمة. نحن إزاء آلية إقصاء بنيوي تتجاوز فعل التهجير.
- تكتيكات المسيرات الانتحارية كسلاح نفسي
- منع العودة بذريعة الأمن
- إعادة صياغة الإطار القانوني للملكية
اقتصاد الضبط الجيوسياسي
الأراضي الزراعية في ريف حماة (الفستق الحلبي، الزيتون) ليست مجرد مصدر رزق؛ إنها رأس مال استراتيجي يحتاج لسنوات من الاستثمار. من يسيطر على هذه الأراضي يسيطر على دورة إنتاج تمتد لعقود.
التحول: من السلب المنهجي إلى “الاستثمار المنظم” عبر مزادات مشروطة بموافقات أمنية.
الكانتونات الصلبة
سورية تتجه نحو تثبيت كانتونات ذات تجانس طائفي/سياسي، ليس عبر تقسيم رسمي، بل عبر تكريس خطوط تماس اجتماعية واقتصادية غير قابلة للاختراق.
- المجال بات يُعرف سياسياً، لا مدنياً
- استبدال الدولة الجامعة بمنطق “المجالات الآمنة”
- خطوط التماس العسكرية تتحول لحدود ذهنية
البعد الإقليمي
الساحل السوري، المتصل بعمق جغرافي حساس على المتوسط، يمثل نقطة اهتمام لقوى إقليمية ودولية. التغيير الديموغرافي في محيطه الداخلي ينعكس على حسابات تلك القوى.
التهجير القسري يضع سوريا في مواجهة القانون الدولي، ويجعل إعادة الإعمار رهينة لشروط سياسية.
ذاكرة جريحة
التغيير الديموغرافي القسري لا ينتج استقراراً دائماً. الإحساس بالظلم يتحول إلى عنصر تعبئة سياسي طويل الأمد.
آلية الإقصاء البنيوي: من التهجير إلى التثبيت
أدوات إعادة تشكيل المجال
توزيع السيطرة على الموارد الزراعية
مسار التحول: من الصراع العسكري إلى الصراع على المجال
التهجير القسري
تحويل النزوح من ظرف طارئ إلى حالة دائمة عبر منع العودة وغياب الضمانات الأمنية.
إعادة صياغة الملكية
تصنيف الملاك كـ’غائبين’ وطرح الأراضي بمزادات مشروطة بموافقات أمنية.
الاستثمار المنظم
تحويل السلب المنهجي إلى عقود موثقة، ومأسسة السيطرة الاقتصادية.
تكريس الكانتونات
ربط القرية بهوية سياسية، وتحويل خطوط التماس لحدود ذهنية واجتماعية.
الهجوم المكثف على ريف حماة الشرقي
استخدام تقنيات عسكرية ذات أثر نفسي عال (مسيرات انتحارية)، نزوح سكان قرى كاملة.
مرحلة منع العودة وتثبيت الغياب
رسائل رسمية غير مطمئنة، تهديدات مباشرة، غياب ضمانات أمنية. تحول النزوح إلى حالة دائمة.
إعادة صياغة الإطار القانوني والإداري
تصنيف الملاك كـ’غائبين’، طرح الأراضي في مزادات مشروطة بموافقات أمنية، تحويل الملكية من حق فردي إلى أداة سياسية.
تكريس الواقع الجديد: سورية على حافة إعادة التشكل
إعادة تشكيل المجال البشري والاقتصادي، تثبيت كانتونات ذات تجانس طائفي/سياسي، صراع على الملكية والهوية والمجال.
خلاصة جيوسياسية: سورية بين إعادة التشكل والتفكك
إن ما يجري في ريف حماة الشرقي يبدو تفصيلاً في خريطة واسعة، لكنه في الواقع نموذج مكثف لمسار محتمل: انتقال الصراع من معارك على المواقع إلى صراع على الملكية والهوية والمجال. إذا استمر هذا المسار، فإن سوريا تدخل مرحلة “إعادة تشكل جيوسياسي صامت”، حيث تُعاد صياغة الخرائط من خلال العقود الزراعية والموافقات الأمنية، لا عبر الخرائط الرسمية.
الدولة التي تسمح بتكريس نزع الملكية تحت غطاء إداري تفقد احتكارها للشرعية القانونية. الدولة التي تستعيد الحياد تعيد بناء المجال على أسس مدنية.
بين هذين المسارين تقف سوريا اليوم: إما إعادة تثبيت مبدأ المواطنة المتساوية وصون الملكية، أو الانزلاق نحو تثبيت خرائط غير مرئية ستحدد صراعات العقد المقبل. ريف حماة لم يعد مجرد ريف؛ إنه مختبر لإعادة تعريف المجال السوري كله.

