عام على اختفاء الأكاديمية رشا العلي: أرقام الاختطاف وصمت العدالة في حمص

لا يقاس اختفاء الدكتورة رشا ناصر العلي بوصفه حادثة فردية معزولة، بل كحلقة دالة في سلسلة أوسع من التحولات الأمنية والاجتماعية التي تشهدها مدينة حمص منذ العام الماضي، فمرور عام كامل على اختفاء أستاذة جامعية معروفة، دون أي معطيات رسمية أو تسريبات موثوقة، يكشف حجم الفراغ الذي خلفه تراجع آليات المساءلة، ويطرح أسئلة جوهرية حول قدرة البيئة العامة على حماية النخب المدنية في مرحلة تتسم بالسيولة والضبابية، ويتحول الغياب من واقعة زمنية محددة إلى مؤشر بنيوي على اختلال أعمق، يتجاوز الشخص ليطال مفهوم الأمان نفسه.

عام مضى، لا بوصفه وحدة زمنية فحسب، بل كرقم ثقيل في بلد باتت الأرقام فيه أكثر قسوة من الكلمات، فبحسب تقديرات حقوقية متقاطعة، سجل خلال العامين الأخيرين ما لا يقل عن 1,200 حالة اختفاء قسري في مناطق متفرقة من سوريا، تشكل النساء نحو 12 إلى 15 في المئة منها، وهذه النسبة، وإن بدت أقل من حيث الكم، إلا أن أثرها الاجتماعي والنفسي مضاعف، لأن اختفاء امرأة غالبا ما يهز بنية عائلة كاملة، ويخلخل شعور الأمان في محيط أوسع.

اختفاء رشا العلي لا يمكن قراءته كحادثة منفصلة، بل يأتي في سياق تصاعد مقلق لعمليات الخطف والإخفاء في مرحلة ما بعد التحولات السياسية والأمنية الأخيرة، وفي محافظة حمص وحدها، تشير تقديرات محلية إلى تسجيل أكثر من 70 حالة اختطاف مدنيين خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ثلثهم تقريبا لم يعرف مصيرهم حتى اليوم.

اللافت أن نسبة متزايدة من هذه الحالات وقعت في وضح النهار، وفي أحياء مأهولة، ما يعكس درجة غير مسبوقة من الجرأة، أو ربما من الاطمئنان إلى غياب المحاسبة.

رشا العلي لم تكن “رقما” في هذه الإحصاءات، فكانت اسما معروفا في الوسط الأكاديمي، ووجها مألوفا في أروقة الجامعة، وكانت ناقدة أدبية، وعضوة في اتحاد الكتاب العرب، وأستاذة وصفت من طلابها بأنها صارمة في العلم، رحبة في الحوار، واختفاؤها شكل صدمة مضاعفة لأنه استهدف امرأة، ولأنه طال شخصية عامة مدنية، لا تعرف عنها أي أنشطة خارج الإطار الأكاديمي والثقافي.

الأرقام هنا لا تستخدم للتجريد، بل لفهم الحجم الحقيقي للخسارة، ففي سوريا اليوم تشير تقديرات غير رسمية إلى أن كل حالة اختفاء قسري تؤثر بشكل مباشر على ما بين 5 و7 أشخاص، بين أفراد عائلة وأقارب مقربين، وإذا أسقطنا هذا المعدل على عشرات الحالات المسجلة في حمص وحدها، فنحن نتحدث عن آلاف الأشخاص الذين يعيشون حالة انتظار يومي، تتآكل فيها الحياة الطبيعية لصالح القلق والترقب.

الخطير في هذه المرحلة ليس فقط تزايد عدد الحالات، بل طبيعة الصمت المحيط بها، فوفق إفادات حقوقية، فإن أقل من 10 في المئة من عائلات المختفين تتجرأ على الإدلاء بشهادات علنية، خوفا من الانتقام أو من تعقيد مصير أبنائها، وهذا الصمت، وإن كان مفهوما إنسانيا، يتحول عمليا إلى عامل يسهل استمرار الظاهرة، ويمنحها غطاء غير مرئي.

في حالة النساء المنتميات إلى الطائفة العلوية، يكتسب الأمر حساسية إضافية، فالتقديرات الميدانية تشير إلى أن عدد المختطفات من هذه الفئة خلال الأشهر الماضية بلغ العشرات، غالبيتهن من الطالبات والموظفات وربات المنازل، دون أي معلومات واضحة عن دوافع الاستهداف، وتتقاطع الهويات الفرعية مع هشاشة المرحلة، فيتحول الانتماء الاجتماعي، الذي كان يوما تفصيلا خاصا، إلى عامل قلق يومي.

ما يجعل قضية رشا العلي أكثر إيلاما هو أنها تجسد هذا التداخل بين الفردي والبنيوي، فهي ليست فقط امرأة مختفية، بل رمز لسؤال أكبر عن مصير النخب المدنية في بلد أنهكته الحرب، فبحسب تقديرات أكاديمية، فقدت الجامعات السورية منذ عام 2011 ما يقارب 40 في المئة من كوادرها التدريسية، فيصبح اختفاء أستاذة جامعية حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تآكل المجال العام.

يمكن لغياب رشا العلي أن يقرأ كعرض من أعراض مرض أعمق؛ تراجع فكرة الدولة بوصفها ضامنا للأمن والحقوق، فحين تمر 365 يوما دون معلومة واحدة، فإن السؤال لم يعد من الخاطف؟ بل من المسؤول عن هذا الفراغ؟

الأرقام لا تمنح عزاء، لكنها تكشف حجم المأساة، فأكثر من نصف حالات الاختفاء القسري المسجلة خلال العام الماضي لم تشهد أي تطور يذكر، لا إفراجا ولا إحالة قضائية ولا حتى تأكيدا على الاحتجاز، وهذه النسبة، التي تتجاوز 55 في المئة، تعني عمليا أن الغموض بات القاعدة، لا الاستثناء.

كل رقم يحمل اسما، وكل نسبة تخفي قصة، وبعد عام من اختفاء رشا العلي، لم تعد القضية مجرد ذكرى مؤلمة، بل اختبارا أخلاقيا لمجتمع بأكمله، فهل يستطيع أن يحول الأرقام إلى أسئلة، والصمت إلى مطالبة، والغياب إلى قضية لا تنسى؟

في بلد أنهكته الخسارات، يبدو التمسك بسؤال واحد ضربا من الترف، لكن دون سؤال “أين رشا العلي”؟ تتحول الإحصاءات إلى أرقام باردة، ويتحول الغياب إلى قدر، ويتآكل ما تبقى من معنى العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *