سوريا لن تتلقى أثر الحرب عبر الجغرافيا العسكرية، بل عبر الاقتصاد العالمي أيضا، ومن خلال السعر والشحن والدولار.
إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع النفط بنحو 13% ليلامس أكثر من 82 دولارا للبرميل، وقفزة الغاز الأوروبي 46% خلال يوم واحد، وتعطل ما يقارب 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية مع توقف عمليات قطر في رأس لفّان… هذه ليست أرقاما بعيدة عن دمشق، فهي ستعيد تسعير الخبز والديزل والنقل والدواء في سوريا خلال أسابيع.
منذ أكثر من عام، لم تعد هناك إمدادات إيرانية مباشرة إلى سوريا، وهذا يعني أن الرواية السهلة في “انقطاع خط حليف” ليست هي القصة، بل أن سوريا، بوصفها اقتصادا هشا ومفتوحا على سوق عالمية مسعرة بالدولار، تدفع ثمن كل صدمة طاقة دولية دون أن تملك أدوات امتصاصها.
هرمز ليس مضيقًا… بل شريان تسعير
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي اليومي، وعندما يُغلق هذا الشريان، ولو جزئيا، لا ينتظر السوق نقصا فعليا في البراميل كي يتحرك؛ يكفي احتمال النقص ليقفز السعر.
قفز النفط في موجات التسعير الأولى بنحو 13%، ليتجاوز 82 دولارا للبرميل، وهذه ليست زيادة رقمية عابرة، ففي اقتصاد مثل سوريا، حيث يعتمد النقل والزراعة والتوليد الكهربائي جزئيا على الوقود المستورد أو المرتبط بسعره العالمي، فإن كل دولار إضافي على البرميل يتضخم محليا بفعل ضعف العملة وارتفاع كلفة الوساطة.
سوريا لا تشتري من هرمز مباشرة، لكنها تشتري من عالم يسعر نفسه على أساس هرمز.
صدمة الغاز القطري… الزلزال غير المرئي
إذا كان النفط هو العنوان الصاخب، فإن الغاز هو المتغير الأعمق.
توقف عمليات الغاز المسال في قطر المرتبطة بما يقارب 20% من الإمدادات العالمية للـ LNG فجر موجة تسعير عنيفة في أوروبا، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 46% خلال يوم واحد في مؤشر مبكر على ضغوط السوق.
يبدو هذا الأمر أنه أوروبي بحت، لكنه ليس كذلك؛ فارتفاع الغاز يعني ارتفاع تكلفة الكهرباء، وبالتالي ارتفاع تكلفة الصناعة والأسمدة والنقل، والنتيجة النهائية تضخم عالمي في الغذاء والسلع الأساسية.
سوريا، التي تستورد الغذاء أو مدخلاته أو تنقله عبر سلاسل دولية متشابكة، ستستقبل هذه الصدمة مضاعفة، ليس لأنها تعتمد على الغاز القطري، بل لأنها تعتمد على سوق يتأثر بالغاز القطري.
كما وصلت موجة الصدمة إلى خطوط الطاقة الإقليمية مباشرة، إذ أعلنت وزارة الطاقة السورية أن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية في العديد من المحافظات يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة من الأردن، والتي كانت تستخدم لتشغيل محطات التوليد، بما في ذلك توقف ضخ الغاز في بعض الأحيان نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن.
اتفاقيات أواخر كانون الثاني 2026 دشنت تدفق نحو 4 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز الأردني إلى الشبكة السورية، عبر خط الغاز العربي، في محاولة لتعزيز الكهرباء وتخفيف ساعات الانقطاع، لكن التوترات الجيوسياسية قلبت هذا السيناريو رأسا على عقب.
هذا الانقطاع، حتى لو كان مؤقتا، يضيف طبقة جديدة من الضغط على منظومة الطاقة السورية التي تعاني أصلا من ضعف البنية التحتية وانخفاض الإنتاج المحلي من الغاز، مما ينعكس سريعا في ارتفاع ساعات انقطاع الكهرباء، وتكاليف التشغيل، وارتفاع تكلفة السلع المرتبطة بالطاقة في السوق المحلية.
التأمين البحري… الضريبة الصامتة
في الحروب، لا تُقاس كلفة الشحن بالمسافة، بل بالمخاطر، فتعليق أو إلغاء تغطيات مخاطر الحرب في الخليج، وارتفاع أقساط التأمين، يعنيان أن السفن إما ستدفع أكثر، أو ستعيد التموضع أو ستتأخر.
التقارير تحدثت عن تضاعف بعض أسعار الشحن الإقليمية خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، وهذه القفزات لا تظهر في نشرات الأخبار المحلية، لكنها تظهر في فواتير المستوردين، وعندما يدفع المستورد أكثر، يدفع المستهلك أكثر.
في سوريا، حيث قنوات الاستيراد غير مستقرة أصلا وتعتمد على وسطاء وتمويل معقد، فإن أي ارتفاع في التأمين أو الشحن يتحول إلى تضخم فوري، لا تدريجي.
الدولار… حين ترتفع قيمة الخوف
الحروب الإقليمية الكبرى تعني شيئا واحدا في الأسواق المالية: اللجوء إلى الدولار، ورتفاع الطلب على العملة الأميركية عالميا يضغط على العملات الضعيفة، وسوريا، التي تسعّر الجزء الأكبر من تجارتها الخارجية بالدولار، تجد نفسها أمام ضغط مزدوج:
- ارتفاع سعر السلع عالميا.
- ارتفاع كلفة الحصول على الدولار نفسه.
هذا هو التضخم المستورد في أقسى صوره: سلعة أغلى + عملة أضعف = موجة أسعار لا ترحم.
الاقتصاد السوري… تضخم فوق تضخم
الاقتصاد السوري لم يكن في حالة توازن قبل هذه الحرب، فضعف الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، وشح السيولة، وهوامش احتكارية مرتفعة؛ كلها عناصر تجعل أي صدمة خارجية تتحول إلى أزمة داخلية.
حين يرتفع النفط عالميا، يصعد سعر الديزل محليا، وعندما وتزايد مخاطر الشحن عالميا يرفع سعر السكر والزيت محليا.
قفزات سعر الغاز في أوروبا يرفع كلفة الأسمدة والنقل عالميا، فترتفع أسعار الغذاء في السوق السورية.
وهنا تكمن المفارقة: حتى في غياب أي وجود إيراني أو خط إمداد مباشر، فإن سوريا تبقى جزءا من شبكة أسعار عالمية لا ترحم.
سيناريو الأسابيع القادمة
إذا استمر إغلاق هرمز وتعطل الغاز القطري:
- بقاء النفط عند مستويات مرتفعة أو متذبذبة صعودا.
- استمرار ضغط الغاز عالميا.
- ارتفاع أقساط التأمين والشحن.
النتيجة في سوريا:
- تسارع موجة الغلاء.
- اختناقات دورية في بعض السلع.
- توسع اقتصاد التخزين والاحتكار.
- مزيد من تآكل الدخول الحقيقية.
إذا حدث فتح جزئي وعودة تدريجية للإمدادات:
- تهدأ الصدمة الأولى.
- تبقى الأسعار أعلى من مستويات ما قبل الحرب.
- يستمر أثر “المخاطر العالية” في الشحن والتأمين.
في كلا السيناريوهين، لا عودة سريعة إلى ما كان.
حرب خارج الحدود… وأزمة داخل البيوت
سوريا اليوم لا تقصف اقتصاديا عبر صواريخ، بل عبر أسعار، وإغلاق مضيق يمر عبره 20% من نفط العالم، وتعطل نحو 20% من الغاز المسال العالمي، وارتفاعالغاز الأوروبي 46% في يوم واحد، وقفزة النفط 13% في ساعات… هذه ليست بيانات مالية مجردة، إنها المعادلة التي ستعيد رسم مستوى المعيشة في بلد يعيش أصلا على الحد الأدنى من الاحتمال.
سوريا ليست طرفا في الحرب، لكنها ليست خارج اقتصادها، وفي عالمٍ تحكمه سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والدولار، لا تحتاج دمشق إلى أن تكون على خط النار كي تشعر بالحرارة، فهي ستصلها عبر السوق والسعر وفاتورة يدفعها المواطن قبل أن يفهم حتى من أين بدأت الحرب.

