لم يعد ارتفاع أسعار النفط وحده كافيا لقياس الأثر الاقتصادي للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فمع توقف التدفق عبر مضيق هرمز فعليا، تدخل المنطقة مرحلة مختلفة تماما من الصدمة الاقتصادية، فالمسألة لم تعد مجرد اضطراب في الأسعار أو علاوة مخاطر جيوسياسية، بل تحولت إلى أزمة عرض في سوق الطاقة العالمية تكون من الأكبر منذ عقود.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، ففي الظروف الطبيعية يمر عبره نحو20 مليون برميل يوميا من النفط والمكثفات، أي ما يقارب خمس تجارة النفط البحرية العالمية، كما تمر عبره قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، معظمها من صادرات قطر، فتوقف الملاحة في هذا الممر لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يعني أيضا تعطل جزء كبير من صادرات الخليج.
في هذه الحالة تواجه اقتصادات المنطقة مفارقة واضحة؛ ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالميا يقابله انخفاض فعلي في القدرة على التصدير.
صدمة في سوق النفط العالمي
عندما يتوقف تدفق النفط عبر هرمز، تختفي من السوق العالمية كمية تصل إلى 17–20 مليون برميل يوميا، وللمقارنة التاريخية، فإن صدمة النفط خلال حرب 1973 كانت أصغر من ذلك بكثير، ولذلك فإن الأسواق العالمية لا تستطيع تعويض هذه الكمية بسرعة.
في مثل هذا السيناريو ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز120 دولارا للبرميل وربما تصل إلى 150 دولارا إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة، لكن هذه القفزة السعرية لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب مالية لدول الخليج، لأن المشكلة الأساسية تصبح في القدرة على إيصال النفط إلى الأسواق.
خسائر مباشرة في الإيرادات النفطية
يمكن تقدير حجم الخسارة بطريقة تقريبية، فإذا تعذر تصدير20 مليون برميل يوميا بسبب توقف الملاحة، فإن قيمة النفط غير المتداول عند سعر 100 دولار للبرميل تصل إلى نحو: 2 مليار دولار يوميا، أي ما يقارب 60 مليار دولار شهريا من النفط الذي لا يصل إلى الأسواق العالمية.
صحيح أن بعض الدول الخليجية تمتلك خطوط أنابيب بديلة لتجاوز مضيق هرمز، مثل خط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر أو خطوط محدودة في الإمارات، لكن قدرتها الاستيعابية لا تكفي لتعويض كامل الصادرات التي تمر عبر المضيق.
وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار يعوض جزءا من الخسائر، لكنه لا يستطيع تعويضها بالكامل إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة.
صدمة الغاز الطبيعي المسال
الأثر الأكبر يظهر في سوق الغاز الطبيعي المسال، فدولة قطر تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم، ومعظم صادراتها تمر عبر مضيق هرمز.
تعطل حركة السفن في المضيق يعني عمليا توقف جزء كبير من صادرات الغاز القطرية التي تمثل نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالميا، وتشير تقديرات الطاقة إلى أن الصادرات القطرية التي تمر عبر المضيق تصل إلى نحو 9 مليارات قدم مكعبة يوميا.
بالنسبة للأسواق العالمية، سيؤدي هذا التعطل إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز، خصوصا في آسيا وأوروبا، أما بالنسبة لقطر، فإن توقف التصدير يعني انخفاضا مباشرا في الإيرادات حتى مع ارتفاع الأسعار العالمية.
تضخم تكاليف النقل البحري
لا يقتصر تأثير الأزمة على الطاقة وحدها، فالتوتر العسكري في الخليج يرفع تكاليف النقل البحري والتأمين بشكل كبير.
في حالات المخاطر الجيوسياسية الشديدة ترتفع أجور استئجار ناقلات النفط العملاقة إلى أكثر من400 ألف دولار يوميا، كما ترتفع أقساط التأمين على السفن عدة أضعاف بسبب المخاطر العسكرية.
وإذا اضطرت السفن إلى تجنب المضيق والبحث عن مسارات بديلة أطول، فإن زمن الرحلة يزداد مع الأيام، ما يرفع تكاليف الوقود والتشغيل ويؤثر في أسعار الطاقة والسلع في الأسواق العالمية.
تأثيرات على الأمن الغذائي والتجارة
تعتمد دول الخليج بشكل كبير على الواردات الغذائية البحرية، وتشير تقديرات التجارة الدولية إلى أن المنطقة تستورد عشرات الملايين من الأطنان من الحبوب سنويا عبر الممرات البحرية.
إذا أصبح المرور عبر هرمز خطيرا أو متعذرا، فترتفع تكاليف الشحن الغذائي بشكل ملحوظ، وهذا يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق المحلية حتى لو تدخلت الحكومات عبر برامج الدعم.
كما يمكن أن تتأثر التجارة في قطاعات أخرى مثل البتروكيماويات والمعادن والسلع الصناعية، ما يزيد الضغط على اقتصادات المنطقة.
صدمة في الاستثمارات والأسواق المالية
إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم يخلق حالة عميقة من عدم اليقين الاقتصادي، ففي مثل هذه الظروف تميل رؤوس الأموال العالمية إلى الابتعاد عن مناطق النزاع والبحث عن الأصول الأكثر أمانا.
بالنسبة لدول الخليج، التي تسعى إلى جذب استثمارات ضخمة في مجالات السياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، يؤدي استمرار الأزمة إلى:
- تأجيل مشاريع استثمارية كبيرة.
- ارتفاع تكلفة الاقتراض.
- تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي.
كما يمكن أن تتعرض الأسواق المالية في المنطقة لتقلبات حادة نتيجة خروج بعض رؤوس الأموال قصيرة الأجل.
الضغط على الموازنات العامة
رغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الإيرادات النظرية، فإن الموازنات العامة قد تواجه ضغوطًا إضافية بسبب:
- ارتفاع الإنفاق العسكري والأمني
- تباطؤ الإيرادات غير النفطية
- زيادة تكلفة التمويل الحكومي
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن بعض الدول النفطية تحتاج إلى أسعار تقارب97 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن في موازناتها. وإذا ارتفعت النفقات أو تراجعت الصادرات، فقد يتحول ارتفاع الأسعار إلى مكسب محدود.
تداعيات عالمية
لن تكون أزمة إغلاق مضيق هرمز أزمة إقليمية فحسب، فالعالم يعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج.
ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى:
- زيادة التضخم العالمي.
- ارتفاع تكاليف النقل والصناعة.
- تباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي حال استمرار الأزمة لفترة طويلة، تدخل بعض الاقتصادات الكبرى في حالة ركود بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.
يشير توقف التدفق عبر مضيق هرمز إلى تحول الأزمة من مجرد اضطراب في الأسعار إلى صدمة عرض عالمية في سوق الطاقة، ففي حين قد ترتفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، فإن قدرة دول الخليج على تصدير الطاقة تصبح العامل الحاسم في تحديد حجم المكاسب أو الخسائر.
يبدو ارتفاع الأسعار في البداية مؤشرا إيجابيا، لكنه في ظل تعطل الممرات البحرية يتحول إلى مؤشر على اختلال عميق في النظام الطاقوي العالمي.
ولهذا السبب ينظر الاقتصاديون إلى أمن مضيق هرمز باعتباره أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي العالمي، لأن تعطله لا يهدد فقط اقتصادات الخليج، بل يضع الاقتصاد العالمي كله أمام واحدة من أخطر صدمات الطاقة في العصر الحديث.
إغلاق مضيق هرمز: كيف تعيد الحرب تشكيل اقتصاديات الخليج؟
تحليل بيانات تفاعلي للصدمة الاقتصادية العالمية

