مع التحولات الإقليمية التي يشهدها شرقي المتوسط تكشف تصريحات المبعوث الأميركي توماس براك عن سياسة أميركية جديدة تجاه سوريا، تعتمد على البراغماتية الحذرة، فلا دعم لتغيير جذري، ولا اندفاع نحو الديمقراطية، بل تكيّف مع الوقائع وتقديم دعم مشروط لحكومة انتقالية غير مكتملة الشرعية.
واشنطن ترى في “الاستقرار المحسوب” بديلا عن “الإصلاح الجوهري”، وما يُبنى عبر التفاوض السوري – “الإسرائيلي” ليس مستقبل سوريا الديمقراطي، بل شكلٌ قابل للإدارة من النظام القائم بغض النظر عن جذوره الجهادية.
واشنطن: التحوّل من إعادة التصميم إلى إدارة الواقع
في مقابلاته خلال تموز 2025 بدا براك في موقع استراتيجي حرج؛ فبدلا من سياسة إعادة تشكيل النظام السوري بقوة، تتجه واشنطن اليوم نحو سياسة إدارة الوقائع وليس تشكيلها، مرتكزة على حسابات المصالح لا الطموحات التغييرية؛ عبر دعم مشروط للسلطة الجديدة تحت عنوان “حوار واستقرار”، مع إبرام اتفاقات مرحلية لتخفيف التوترات الإقليمية، هذا التحول يُفهم على أنه انتصار للبراغماتية الواقعية على حساب التغيير الإيديولوجي.
خفض عدد القواعد العسكرية الأمريكية من ثمان إلى ثلاث، تمهيدا للانسحاب النهائي، وتعكس هذه السياسة الجديدة تخفيف العبء الأميركي وتوسيع الدور الدبلوماسي بدلا من العسكري، وبراك كرّر رفض واشنطن أي “خطة بديلة” للسلطة الحالية، ما يؤكد موقفا متسرعا فلا وجود لخطة بديلة إن فشل النظام.
دمشق الجديدة بين فرصة ومخاطر: فاعلية بلا شرعية؟
أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، سيطر على السلطة بعد انهيار نظام البعث، في كانون الأول 2024، وفي لقائه مع براك طُرحت شروط أمريكية مُشدّدة، ابتداء من دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش النظامي، وتخفيف الخطاب الإسلامي المتشدد، وإشراك الأقليات في المؤسسات، ويكشف هذا التحذير أن أولويات السياسة الأمريكية تتجاوز الخطاب المعلن عن التسامح والوحدة، لتتمحور حول مصالح أمنية وسياسية أكثر عمقا وبراغماتية.
لكن في طيات تلك الأجواء، تظهر تقارير تفيد بأن جماعات مرتبطة سابقًا بهيئة تحرير الشام تدير اقتصادا سريا في سوريا؛ يعيد توزيع الأصول بلا شفافية وبغياب محاسبة حقيقيّة، ورغم ذلك وصف براك الحكومة بأنها يمكن تتحول إلى جهة مستقرة إذا أبدت نتائج ملموسة في مكافحة الإرهاب، وتحقيق العدالة بحالات مثل مقتل مواطن أمريكي في السويداء، وردع الانتهاكات قبل التوسع في التسهيلات الأمريكية.
عقوبات قسرية: لم تُرفع بالكامل لكن ذروة الضغط تراجعت
رغم إعلان ترامب في 30 حزيران 2025 رفع برنامج العقوبات الرئيسية على سوريا، فإن الرفع الكامل بقي محكوما بشروط قانون قيصر المتضمنة وقف القصف، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعودة النازحين، وتشكيل عدالة انتقالية واضحة، وهي شروط لم تحققها بعد السلطة الجديدة، ما جعل الكونغرس والإدارات التنفيذية في موقف يحتاج للضغط الإضافي.
الانطباع الرسمي أن قرار ترامب جاء بشكل مفاجئ حتى للوكالات الأمنية، ما أربك تنفيذ التسهيلات على الأرض وأبطأ رفع العقوبات التنفيذي بالكامل، رغم الإعلان الرسمي، والنتيجة أن العقوبات شبه معلّقة، وفي الوقت الذي تواصل فيه الوكالات الأميركية مراقبة سلوك دمشق عن كثب، يترسخ داخل دوائر صنع القرار اعتقاد متزايد بأن أي خطوات إصلاحية محتملة من قبل الحكومة السورية ستظل مؤجلة زمنياً، ومحدودة من حيث التأثير، ومضبوطة ضمن إطار إقليمي ضيق لا يخلّ بتوازنات القوى القائمة.
هذا التقدير يعكس قناعة بأن النظام الجديد في دمشق لا يتحرك بدافع قناعة داخلية بالإصلاح، بل تحت وطأة حسابات خارجية دقيقة، تتعلق برغبة في تخفيف الضغوط لا تغيير البُنى.
سياسة واشنطن.. استكشاف مصالح متغيرة
الخطاب السياسي الأمريكي المعلن يخلق صعوبة في معرفة دلالات تصريحات براك، فهل تمثل تحوّلا حقيقيا في النهج الأميركي، أم أنها مجرّد تعديل تكتيكي ضمن الاستراتيجية الكبرى لاحتواء الفوضى دون الانخراط في هندسة شاملة للمشهد السوري.
إن ما يبدو في الظاهر موقفا دبلوماسيا حذرا، يُقرأ في العمق كعلامة فارقة على تحوّلٍ أوسع؛ من سياسات التدخّل المباشر وفرض النماذج، إلى سياسات البراغماتية المشروطة، حيث لا تُبنى الشرعية على القيم المعلنة، بل على حسابات الأمن والاستقرار ومدى استجابة الحلفاء، من هنا يبدأ تفكيك الخطاب الأمريكي لرصد كيف تتقدم الواقعية على المثاليات وفق النقاط التالية:
- الواقعية تتقدّم على المثالية
تقوم السياسة الخارجية الأميركية على إدارة المخاطر بما يضمن الاستقرار النسبي ، وليس على تصدير النماذج المثالية، وتكشف تصريحات براك عن توجّه واضح فواشنطن لا تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السوري جذريا، بل إلى تقليص التهديدات وتجميد بؤر الانفجار، أما المفاوضات الجارية مع “إسرائيل” في باريس، فلم تُطرح بوصفها مبادرة سلام شاملة، بل كمساعٍ تكتيكية لاحتواء العنف وتوفير شروط تهدئة مؤقتة قابلة للتجديد.”
- دمشق: شرعية مشروطة في ظل فساد رمادي
براك يقرّ بشرعية النظام الجديد بشرط إثبات القدرة على التغيير الأمني والإداري لكن ما يجري في سوريا من تحالفات داخلية مبهمة، وتحركات اقتصادية يغلفها الغموض وغياب الشفافية، يقوّض مقومات الشرعية التي تحاول الحكومة الجديدة ادعاءها، وأي تحول سياسي لا يتحقق دون توازن دقيق بين شرعية تُستمد من الداخل وأخرى تُمنح من الخارج؛ وهو ما تفتقر إليه سوريا اليوم، حيث يظل الدعم الأميركي مشروطا بالتزام صارم وبعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن.
- طريق رفع العقوبات: حساس ودقيق
باراك وصف رفع العقوبات بـ”الانطلاق الاستراتيجي الجديد” (fresh start)، وهو ليس موقفا لا يحمل معه شروطا صعبة، فإزالة الضغط بدون ضمانات يعزز موقف الضعف في حال وقوع انتكاسة داخلية، وواشنطن متمسكة بتحفّظها إلى حين التزام دمشق الكامل بشروط قانون “قيصر”، بما في ذلك ووقف الانتهاكات، فالدعم الأميركي، وإن بدا براغماتيا في جوهره، يواجه تعثرا واضحًا على المستوى الإداري، حيث لم يُستكمل تنفيذ قرار رفع العقوبات بشكل فعلي بعد.

- “إسرائيل” كمتغير إقليمي
شكّلت الاعتداءات “الإسرائيلية” على دمشق في 16 تموز 2025 محورا ضمنيّا في انتقادات براك، فوصفها بلهجة دبلوماسية بأنها “سيئة التوقيت” وذات أثر مُربك على مسار التهدئة، رغم تأكيده أن واشنطن لم تكن طرفًا فيها، ورغم هذا النأي الظاهري، فإن الضربات تؤدي عمليا دورًا وظيفيا عبر ممارسة ضغطا يحفظ أمن إسرائيل، تحت غطاء حماية الأقليات، من زاوية يتم التعمية عنها فإن تل أبيب” تفضل استمرار التشرذم السوري على نشوء دولة مركزية مستقرة، بينما تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى الموازنة بين هذا المنظور “الإسرائيلي”، وحاجتها لضمان حد أدنى من الاستقرار على الأرض السورية..
- إمكانات التغيير: دروب ضيقة لديمقراطية محتملة
هل يمكن أن تتحوّل السياسة الأمريكية نحو دعم ديمقراطي حقيقي في سوريا؟ هذا التجاه ممكنا عبر طريقتين:
- تنفيذ شامل لشروط “قيصر” فإذا ضبطت دمشق الانتهاكات، وأجرت انتخابات شفافة وسلمية وأعادت النازحين، فإن واشنطن تُحوّل علاقتها نحو دعم شرعية ديمقراطية، وهذا يمنحها الفرصة لانتقال من دعم مصالح إلى دعم قيم.
- ضغط تشريعي من الكونغرس فرغم رفع ترامب بعض العقوبات، يبقى الكونغرس قوة قوية لإبطاء أو فرض شروط قبل رفع العقوبات بالكامل كأداة لتحقيق إصلاحات ملموسة، وهو ما لم يتحقق بعد.
لا تلوح في الأفق حتى الآن أي مؤشرات جدية على استعداد واشنطن للانخراط في مشروع ديمقراطي شامل في سوريا، حيث يتم النظر إلى النظام لا بوصفه شريكا في التحول الديمقراطي، بل كأداة مؤقتة لضبط الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وما لم تُبدِ دمشق التزاما صريحا بشروط التحوّل السياسي وفق المعايير التي تضعها واشنطن، فمن غير المرجّح أن يتجاوز الدعم الأميركي حدود البراغماتية الحذرة. بالطبع، إليك إعادة الصياغة على شكل فقرات سردية مترابطة تُحافظ على المضمون وتُعزّز الطابع التحليلي.

السياسة الأميركية والحذر
سلوك الحكومة السورية الجديدة يكشف عن مفارقة صارخة؛ فهي تطالب بالتطبيع السياسي والانفتاح الاقتصادي، فيما تُبقي على بنية أمنية متغوّلة وتتيح استمرار دوائر فساد مقنّع، ويمكن وصفه بـ”الفساد الرمادي” الذي يُقوّض مصداقيتها.
أما الموقف الأميركي، فيقوم على دعم مشروط يتسم بقدر عالٍ من الواقعية، فاختارت واشنطن رفعا جزئيا للعقوبات، مشروطا بتحقيق خطوات أمنية وسياسية ملموسة، مع رعاية دبلوماسية لحوار إقليمي يشمل “إسرائيل” وبعض الفاعلين العرب، لكنّ هذا الدعم لم يترافق مع أي جهد جدّي لإطلاق عملية إصلاح سياسي داخلية أو الدفع نحو مشروع ديمقراطي متكامل.
السياسة الأمريكية ليست انتصارا للفكر المثالي، بل للواقع المدروس مع إدارة المخاطر، فليس هناك انتظار لتحولات جذرية في الداخل السوري قبل اختبار السلوك والنتائج، وواشنطن لا تبني سوريا جديدة بالمفاهيم الديمقراطية، بل تتعامل مع سوريا كما هي: كيْان هش يحتاج ضبطا دبلوماسيا أكثر من إعادة هندسة بالقوة.

