ليس في سوريا اليوم “دولة” بالمعنى الجغرافي السياسي الذي يفترض سيادةً على الأرض واحتكاراً للقوة، بل “مجموعة من الضمانات” المتقاطعة، التي تحوّلت إلى شبكة كثيفة من السيطرة المبعثرة، تشدّها مصالح الخارج أكثر مما تربطها إرادة الداخل.
في هذه البنية المكسورة، لم يعد “الضامن الدولي” مجرد راعٍ لاتفاق أو مراقب لوقف النار، بل صار فاعلاً بنيوياً في تشكيل المشهد السوري؛ يوزّع النفوذ ويُعيد رسم الحدود الناعمة داخل البلد الواحد.
الضامن، في التجربة السورية، لم يكن نتاج حرب واحدة ولا نتيجة تسوية محددة، بل ثمرة تراكم تاريخي لانهيار مفهوم المركز، فمنذ اللحظة التي تحوّل فيها الانتقال السياسي إلى اختبار هيمنة، فقدت الدولة قدرتها على فرض معنى موحّد للسيادة، فدخلت قوى الخارج لتملأ الفراغ تحت شعار “الضمان”، غير أن ما قُدّم كحماية كان في جوهره إعلاناً عن غياب الشرعية، وهنا تكمن المفارقة فكلّما تمدّد الإشراف الخارجي انكمشت الدولة.
الجغرافيا المنكسرة: من الدولة إلى المساحات المحمية
عندما نتعامل مع الجغرافيا في سوريا كأداة لفهم الصراع والسلطة يمكن قراءة سوريا كمساحة مجزأة تُدار بمنطق “الضمانات المتوازنة”، ففي الشمال يرسم الوجود التركي حدوداً أمنية–اقتصادية لمناطق النفوذ، حيث تتداخل السيطرة العسكرية بالتبعية الإدارية.
في الشرق، تفرض الولايات المتحدة و”قسد” معادلة “الاستقرار مقابل الموارد”، بينما تتكثّف في الجنوب ضمانات أمريكية – إسرائيلية – أردنية هشّة، هدفها كبح الانفجار لا إدارة الحل، أما الغرب الساحلي، فانغلق أكثر على ذاته، متحوّلاً إلى فضاء أمني كثيف تُمارس فيه السلطة حضورها بأدوات القوة لا بأدوات الدولة، ولم يعد ذلك المجال امتداداً طبيعياً للمركز، بل مختبراً لنسخة مشدّدة من نموذجه عبر ضبط من الأعلى بلا مؤسسات، وسيطرة بلا شرعية، واستقرار يقوم على الخوف لا على العقد.
الأحداث الأخيرة هناك كشفت هشاشة النموذج الذي أراد تحويل السيطرة إلى بديل عن السياسة، وأظهرت أن فائض القوة لا يعوّض غياب الثقة ولا يبني تماسكاً اجتماعياً، وأصبح الساحل مرآة دقيقة لأزمة الدولة نفسها حيث السلطة متمكنة من الأرض، وعاجزة عن تحويل حضورها إلى معنى سيادي جامع.
لم تعد سوريا خريطة ذات مركز واحد، بل فسيفساء ضمانات، لكل منها جغرافيا نفوذ ومجال مناورة، ولكل ضامن حقّ إدارة التوازن داخل منطقته، فهي ليست دولة واحدة بقدر ما هي أربعة نظم أمنية متجاورة، يجمعها فقط الخوف من الانفجار الشامل.
الضامن كأداة لتجميد التاريخ
منطق الضامن الدولي يقوم على فكرة “تثبيت ما هو قائم؛، وتحويل الحرب إلى وضع مستقر قابل للإدارة، فهو شكل جديد من “السلام البارد” لا يصنع الدولة، بل يجمّد الصراع.
تتجلّى المفارقة هنا بوضوح:
- الضامن لا يسعى إلى حل، بل إلى منع الحلول المفاجئة التي تُربك مصالحه.
- يضبط درجة التوتر بحيث تبقى سوريا تحت “حدّ الغليان”، فلا تتفكك كلياً، ولا تستعيد وحدتها.
- في الجوهر الضامن لا يحمي السوريين من بعضهم، بل يحمي توازنات القوى الخارجية من السوريين جميعاً.
تحوّل مفهوم “الضمان” إلى آلية لإدارة الزمن السياسي، فلم يعد المستقبل مشروعاً، بل حالة مؤجلة تُدار من الخارج، وكل جولة مفاوضات أو تفاهم موضعي ما هي إلا إعادة ضبط لإيقاع التجميد، لا تجاوز له.
من السيادة إلى “الضمان بالوكالة”
ما حدث في سوريا هو خصخصة للسيادة، فلم تعد الدولة هي من يحتكر القوة، بل صارت هذه القوة موزّعة بين رعاة دوليين، كلٌّ يمسك بجزء من الأرض ويقدّم خدمات “الاستقرار النسبي” مقابل شرعية موضعية، ففيالمشهد الراهن، لا يقتصر النفوذ الخارجي على دور واحد ثابت؛ فروسيا تُعيد تموضعها بعد سقوط النظام، محاولةً أن تكون طرفاً فاعلاً في إعادة الاستقرار السياسي والأمني عبر علاقات متجدّدة مع القيادة السورية الجديدة وأدوات دعم متعددة، بينما تتعاظم قوة تركيا كلاعب إقليمي مؤثر في الشمال السوري، والولايات المتحدة تبقى حاضرة في الشرق عبر منطق التوازن الأمني والدبلوماسي، وتظهر قوى إقليمية أخرى في الخلفية، فتفككت السيادة إلى عقود جزئية من الضمان بالوكالة.
لم تعد السلطة في دمشق مركز القرار، بل طرفاً بين أطراف، يعتمد على الضامن الروسي في ميزان البقاء أكثر مما يعتمد على قدرته الذاتية، فسوريا “إقليم مُدار عن بُعد”، حيث تُمارَس السلطة عبر خرائط متقاطعة لا تتلاقى إلا عند حدود المصالح الخارجية.
الضامن كبديل عن الثقة
الضامن يُستدعى حين تنعدم الثقة بين الأطراف المحلية، لكن في الحالة السورية، حلّ بديلا للثقة نفسها، فتآكلت التفاهمات السورية–السورية، ولم تعد هناك جهة محلية تستطيع إلزام غيرها بتعهد سياسي أو أمني.
وحين تصبح الثقة معدومة، يغدو الضامن الدولي أداة إجبار أكثر منه ضامناً، فهو ليس “شاهداً على العقد”، بل المتحكم بمضمونه.
هذا ما يفسّر كيف أصبحت كل اتفاقات “التهدئة” مشروطة بحضور طرف خارجي، وكيف تحوّل مفهوم “الضمان” إلى مفتاح للسيادة الناقصة، فلا هدنة تُحترم ما لم تُختم بختم أو أنقرة أو واشنطن.
إنه شكل من الوصاية الجديدة، تُمارس عبر احتكار الشرعية الإجرائية.
جغرافيا النفوذ كأداة تفاوض
السيطرة على الأرض هي، قبل كل شيء، سيطرة على المعنى السياسي للزمان، وفي سوريا، تُستخدم الجغرافيا بوصفها ورقة تفاوض، وكل ضامن يرسم مجال نفوذه كرهان على المستقبل السياسي.
في التوازنات الحالية، تتفاوت أدوات النفوذ، فموسكو تعمل على إعادة تشكيل علاقتها مع السلطة السورية الجديدة من خلال تفاعل دبلوماسي وأمني متجدد في محاولة للحفاظ على موقع فاعل في المشهد السوري، بينما تسعى أنقرة لتعزيز حضورها في الشمال عبر ترتيبات أمنية تتقاطع مع حساباتها الإقليمية، والولايات المتحدة تعيد تموضعها في الشرق عبر عمليات مشتركة ضد الإرهاب وتنسيق استخباري موسّع يحافظ على مصالحها الاستراتيجية.
أما السلطة ومن يعارضها، فكلاهما يتحرك ضمن هذه الخرائط لا فوقها، فحتى الخطابات الوطنية باتت محكومة بحدود الضمان؛ من يتحدث في دمشق لا يتجاوز ما ترسمه واشنطن، ومن يفاوض في الشمال لا يتخطى سقف أنقرة.
إنها جغرافيا منزوعة الإرادة، تُعاد هندستها لتناسب مصالح “الراعي” الدولي، لا مصالح السوريين.
الضامن كحاجز ضد الحل
الضامن هو من يمنع عودة الحرب، لكنه في العمق من يمنع أيضاً قيام حلّ سياسي حقيقي، فأي تسوية شاملة تهدّد إعادة توزيع النفوذ، وتفتح الباب أمام إعادة التوازن الداخلي، وهو ما لا يريده أحد من الفاعلين الدوليين.
تُبقي القوى الضامنة على الصراع في مستوى “منضبط”، يُدار بالأدوات الأمنية والاقتصادية، لا العسكرية الكبرى، فالتجميد يُنتج استقراراً مفيداً للفاعلين الدوليين:
- يسمح بالتموضع العسكري دون مواجهة كبرى.
- يتيح بالتحكّم بالقرار الاقتصادي.
- يمكنهم بالظهور كـ”وسيط ضرورة” أمام المجتمع الدولي.
تحوّل الضامن إلى حارس للأزمة أكثر منه صانعاً للحل.
سوريا كملفّ إدارة مخاطر
حين يُختزل الضمان الدولي إلى ضبط مخاطر، تصبح البلاد موضوع إدارة لا موضوع سياسة، وتتحوّل سوريا إلى “ملفّ تهدئة” داخل مكاتب القوى الكبرى، تحسب فيها عدد نقاط المراقبة ودرجة التوتر المقبولة، و كيف يُضبط تدفق اللاجئين، وكلها مؤشرات إدارة لا أسئلة سيادة.
يُقاس نجاح الضامن وفق هذا التصور بقدرته على إبقاء الانفجار تحت السيطرة، فالأزمة نفسها صارت مورداً سياسياً، تُدار كما تُدار الأسواق المتوترة، وكل طرف يستثمر في استقرارها النسبي ليحافظ على موقعه.
الخروج من الجغرافيا المغلقة
ما لم يُدركه اللاعبون المحليون والدوليون معاً، هو أن الضمان لا يُنتج دولة، ويمكنه أن يؤخّر الانفجار، لكنه لا يخلق شرعية لأنها تُبنى فقط من عقد سياسي جديد يستعيد الداخل بوصفه مرجع الحل لا موضوعه.
وفي الحالة السورية، تُستخدم الجغرافيا اليوم لتبرير اللاحرب، ولحفظ التوازن دون حل، والضامن الدولي ليس عارضاً في المشهد، بل هو تجسيد لفشل الدولة في رعاية نفسها.
كل ضامن هو علامة على هشاشة الداخل، وكل منطقة نفوذ هي جرح مفتوح في خريطة السيادة، فلن تُشفى الجغرافيا السورية بالاتفاقات، بل باستعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي كفنّ إدارة التناقض، لا كبحه بالقوة.
حين يصبح الداخل قادراً على ضمان نفسه، عندها فقط سيتحرّر من الرعاة الدوليين، وتستعيد سوريا خريطتها كدولة، لا كمساحة تفاوض بين الآخرين.ِ
الضامن الدولي في سوريا: الجغرافيا كبديل عن الدولة
الفرضية المركزية
سوريا لم تعد “دولة” بالمعنى الجغرافي السياسي التقليدي، بل تحولت إلى “مجموعة من الضمانات” الدولية المتقاطعة التي تشدها مصالح الخارج أكثر مما تربطها إرادة الداخل. الضامن الدولي صار فاعلاً بنيوياً في تشكيل المشهد السوري، يوزع النفوذ ويعيد رسم الحدود الناعمة داخل البلد الواحد.
-
الضامن لا يسعى إلى حل، بل إلى منع الحلول المفاجئة التي تُربك مصالحه. يضبط درجة التوتر بحيث تبقى سوريا تحت “حدّ الغليان”.
-
الضامن لا يحمي السوريين من بعضهم، بل يحمي توازنات القوى الخارجية من السوريين جميعًا. هو أداة إجبار أكثر منه ضامنًا للثقة.
-
الضامن يمنع عودة الحرب، لكنه في العمق يمنع أيضًا قيام حل سياسي حقيقي. تحول إلى حارس للأزمة أكثر منه صانعًا للحل.
-
كل ضامن هو علامة على هشاشة الداخل، وكل منطقة نفوذ هي جرح مفتوح في خريطة السيادة. الضمان لا ينتج دولة.
ما لم يُدركه اللاعبون المحليون والدوليون معًا، هو أن الضمان لا يُنتج دولة. يمكنه أن يؤخّر الانفجار، لكنه لا يخلق شرعية لأنها تُبنى فقط من عقد سياسي جديد يستعيد الداخل بوصفه مرجع الحل لا موضوعه.
في الحالة السورية، تُستخدم الجغرافيا اليوم لتبرير اللاحرب، ولحفظ التوازن دون حل. الضامن الدولي ليس عارضًا في المشهد، بل هو تجسيد لفشل الدولة في رعاية نفسها. حين يصبح الداخل قادرًا على ضمان نفسه، عندها فقط سيتحرّر من الرعاة الدوليين، وتستعيد سوريا خريطتها كدولة، لا كمساحة تفاوض بين الآخرين.

