داعش بعد إغلاق المخيمات وانسحاب أمريكا: عودة الظل في بادية سوريا

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب؛ بل تغيّر صورتها، وإغلاق مخيمات شمال شرق سوريا، وانسحاب القوات الأمريكية، وانحسار نفوذ “قسد” لم تكن أحداثاً منفصلة، بل تعبيراً عن انتقال بنيوي في شكل الصراع، فظاهرياً، بدا المشهد وكأنه طيّ لصفحة “داعش الدولة”، لكن في العمق، كان إعادة توزيع للقوى والعناصر والأفكار في بيئة لا تزال هشة.

لم تكن المخيمات، وعلى رأسها الهول، مجرد أسوار وأسلاك شائكة تحيط بأجساد منهكة؛ بل كانت تضاريس نفسية واجتماعية احتوت فكرة لم تُهزم، بل أُجِّلت، وفي أقصى الشمال الشرقي لسوريا، حيث تمتد الأرض القاحلة بلا ظلال تقريباً، تجمّعت بقايا مشروع انهار عسكرياً لكنه ظل حياً في الذاكرة والسردية، وكانت الخيام أكثر من مأوى؛ فهي أرشيف حي لعقيدة، ومدرسة صامتة تُنقل فيها الروايات من جيل إلى جيل، وتُعاد صياغة الهزيمة بوصفها ابتلاءً مؤقتاً في مسار أطول.

وحين أُغلقت تلك المخيمات، لم يُغلق معها ذلك الأرشيف، ولم تتبخر الأيديولوجيا في هواء الصحراء، بل تحررت من شكلها المحاصر، وخرجت من الجغرافيا الضيقة إلى فضاء اجتماعي أوسع، أقل قابلية للرصد، وأكثر قابلية للانتشار، فالفكرة التي كانت مقيّدة في مكان واحد، باتت موزّعة في قرى ومدن وحدود رخوة، تتحرك مع الأفراد الذين حملوها في ذاكرتهم لا في حقائبهم، فتحوّل الاحتواء إلى انتشار صامت؛ إذ إن الأيديولوجيات، حين تُحاصر طويلاً، لا تموت بالضرورة، بل تتكثف ثم تنتشر عندما تُفتح الأبواب.

المخيمات كمرحلة انتقالية للتطرف

لأعوام، لم تكن المخيمات مجرد تجمعات بشرية محاطة بأسلاك شائكة، بل كانت عوالم مغلقة تعيد تدوير سرديات “المظلومية” و”الخلافة المجهضة” في دورة نفسية لا تنتهي، كانت أقرب إلى معسكرات للذاكرة منها إلى مخيمات لجوء؛ فضاءات يتكاثف فيها الماضي ويتحوّل إلى هوية.

في تلك الرقعة القاحلة من الشمال الشرقي السوري، لم يكن الأطفال يتعلمون الجغرافيا من الخرائط، بل من الحكايات، ونشؤوا على رواية واحدة لعالم منقسم بين مؤمنين ومُحاصِرين، بين وعد إلهي مؤجل وخيانة تاريخية مستمرة، وتشكّلت أجيال لا تعرف الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، بل بوصفها خصماً، ولا ترى في الهزيمة سوى فصل عابر في مسار أطول.

وحين أُغلقت المخيمات، لم تُحلّ العقدة، بل تغيّر شكلها، وانتقلت المشكلة من فضاء يمكن تطويقه أمنياً إلى مجتمع يرزح أصلاً تحت وطأة اقتصاد منهك ونسيج اجتماعي متصدّع، ولم تكن برامج إعادة الدمج سوى محاولات محدودة في بحر من الاحتياجات غير الملبّاة، والدولة نفسها كانت في طور إعادة تعريف سلطتها وحدودها، وهنا تتجلّى المفارقة التي كثيراً ما تغيب عن الحسابات الأمنية، فتفكيك البنية المادية لا يعني تفكيك البنية الفكرية، ويمكن إزالة الأسلاك الشائكة، لكن لا يمكن بسهولة اقتلاع السرديات التي تشكّلت خلفها.

لم يكن داعش بحاجة إلى إدارة تلك المخيمات علناً أو رفع راياته فوقها، وكان يكفيه أن تبقى الفكرة حيّة في الظل، تنتظر لحظة ارتباك أو فراغ، فالأيديولوجيات، بخلاف الجيوش، لا تحتاج إلى معسكرات ثابتة؛ يكفيها أن تجد ذاكرة تتبنّاها، وواقعاً مضطرباً يمنحها معنى، وفي بيئة انتقالية هشة، يصبح الظل أحياناً أكثر فعالية من الضوء.

انسحاب الولايات المتحدة… لحظة جيوسياسية فاصلة

الوجود الأمريكي في شرق الفرات كان سقفاً أمنياً يضبط الإيقاع، ولم يكن حلاً جذرياً، لكنه كان عنصر ردع يمنع التحولات السريعة، ومع الانسحاب، لم ينهَر التوازن فوراً، لكنه أصبح أكثر هشاشة.

التاريخ الحديث للمنطقة يعلّمنا أن الفراغات لا تبقى فراغات طويلاً، القوى المحلية تسعى لملئها، والقوى الإقليمية تراقبها، والتنظيمات غير النظامية تستثمرها، داعش لم يخلق هذا الفراغ، لكنه تعلّم كيف يتحرك داخله.

في غياب مظلة دولية مباشرة، تصبح الدولة المركزية مطالبة باحتكار العنف بسرعة، وهو تحدٍ صعب في بيئة أنهكتها الحرب.

انحسار “قسد” وإعادة رسم موازين القوى

قسد” كانت خلال سنوات الحرب لاعباً محورياً، لكنها استندت إلى دعم خارجي واضح، ومع تبدّل المعادلات، تراجعت قدرتها على فرض نفسها كفاعل مستقل واسع النفوذ، وهذا الانحسار لا يعني انهيارها، بل انتقالها من مركز القرار إلى أطراف التفاوض، غير أن أي تراجع في قبضة قوة محلية منظمة يفتح مساحات رمادية وهي البيئة المثلى لعمل الخلايا.

التنظيمات المتمرّسة على حرب العصابات لا تحتاج إلى أعلام تُرفع فوق العواصم، ولا إلى مواكب عسكرية تجوب الشوارع لتثبت حضورها؛ فهي تزدهر في الشقوق لا في المراكز، ويكفيها تضارب في الصلاحيات الأمنية بين أجهزة متعددة، وتأخر في تبادل المعلومات، وحدود رخوة تتداخل فيها السلطات كما تتداخل الخرائط القديمة فوق بعضها، وفي مثل هذه البيئات، يصبح الفراغ الإداري فرصة، ويغدو الالتباس القانوني غطاءً للحركة، فحرب العصابات، في جوهرها، ليست صراعاً على المدن الكبرى، بل استثماراً منهجياً في هشاشة الدولة حيثما تظهر.

من “الخلافة” إلى التمرد منخفض الكثافة

داعش اليوم ليس تنظيم 2014، فهو لا يسيطر على مدن، ولا يدير حقول نفط علناً، ولا يقيم محاكم شرعية في الساحات، لكنه أيضاً لم يتحول إلى مجرد ذكرى.

عاد إلى جذوره كتنظيم تمرد:

  • هجمات محدودة لكنها متكررة.
  • كمائن في طرق صحراوية.
  • اغتيالات موضعية تستهدف إرباك السلطة لا إسقاطها.

الهدف لم يعد إعلان دولة، بل منع استقرار الدولة القائمة، إنه انتقال من استراتيجية “التمدّد والسيطرة” إلى استراتيجية “الاستنزاف والتعطيل”.

البادية السورية… الجغرافيا التي لا تُروّض

الصحراء الممتدة بين حمص ودير الزور ليست مجرد تضاريس، بل مسرح تاريخي للتمرّد. عبر قرون، بقيت هذه المساحات خارج السيطرة الكاملة لأي سلطة مركزية.

في مثل هذه الجغرافيا، لا يحتاج التنظيم إلى كتائب كبيرة، يكفيه طرق تهريب، وملاذات مؤقتة، وروابط عشائرية عابرة للحدود، الحدود السورية–العراقية، بخطوطها الطويلة ومساحاتها المفتوحة، تمنح أي تنظيم قدرة على إعادة التموضع.

والجغرافيا هنا ليست خلفية للأحداث، بل عامل فاعل فيها.

التهديد الجديد… أقل صخباً وأكثر استدامة

احتمال عودة “دولة الخلافة” ضعيف في المدى المنظور، والمجتمعات المحلية خبرت حكم التنظيم، والتوازنات الدولية تغيرت، وكلفة السيطرة المباشرة باتت عالية، ولكن التهديد الجديد أكثر تعقيداً؛ فهو تنظيم لا يسعى للحكم، بل لتعطيله، ولا يسيطر على الأرض، بل يمنع استقرارها الكامل، ولا يحتاج إلى آلاف المقاتلين، بل إلى عشرات الخلايا المنسقة، وهو نموذج شبيه بالتمردات الكلاسيكية منخفضة الكثافة، لكنه مغلّف بأيديولوجيا عابرة للحدود.

عمليا لا يمكن فهم مستقبل التنظيم بمعزل عن الاقتصاد من بطالة، وتدمير بنى تحتية، ونزاعات محلية، وانعدام أفق سياسي واضح، وكلها عوامل تخلق بيئة خصبة للتجنيد.

لكن التطرف لا يولد من الفقر وحده، بل من الإحساس بالعجز واللاجدوى، وإذا لم تتمكن الدولة من إعادة بناء الثقة والفرص، فإن الفراغ النفسي يصبح مدخلاً جديداً لخطاب راديكالي، وإغلاق المخيمات كان خطوة أمنية؛ لكن معالجة جذور التطرف تتطلب مساراً اجتماعياً واقتصادياً أطول.

بين الشبح والدولة

داعش بعد 2026 ليس دولة، لكنه ليس شبحاً عابراً أيضاً، فهو كيان بينيّ يعيش في الفجوات، ويتغذى على التردد، ويتحرك في المناطق التي لا تُحسم فيها السيادة، وتطوّر العمل الجهادي خلال العقدين الماضيين، من القاعدة بعد 2001 إلى داعش بعد سقوط “الخلافة”، يكشف مساراً واضحاً: من الصدمة الكبرى إلى الاستنزاف البطيء، ومن السيطرة المباشرة إلى الشبكات المرنة.

المعركة اليوم ليست على مدينة أو حقل نفط، بل على الزمن، فهل تستطيع “الدولة السورية” إعادة تجميع ذاتها قبل أن تعيد الخلايا تنظيم صفوفها؟ وهل يُملأ الفراغ بسرعة كافية قبل أن يتحول إلى مأوى دائم للتمرد؟

في الشرق الأوسط، لا تختفي الحركات المتطرفة بمجرد هزيمتها عسكرياً؛ إنها تنتظر لحظة الضعف التالية، وسوريا، بعد المخيمات والانسحاب، تقف عند مفترق طرق، فإما أن يؤدي هذا التحول إلى بداية استقرار طويل، أو يصبح فصلاً جديداً في دورة من الفجوات التي لا تنتهي، وفي الصحراء، كل أثر يمكن أن يختفي تحت الرمال لكنه لا يزول.

داعش في سوريا: من الدولة إلى التمرد منخفض الكثافة | رسم بياني تفاعلي
تحليل استراتيجي: داعش بعد المخيمات والانسحاب
من “الدولة” إلى التمرد منخفض الكثافة (2019-2026)
2026 – مرحلة ما بعد المخيمات
السيطرة المباشرة
5%
▼ -95% عن 2014
نشاط الخلايا النائمة
عالٍ
▲ +40% (2024-2026)
التحكم بالجغرافيا الصحراوية
28%
منطقة البادية السورية
قوة السردية/الأيديولوجيا
متوسطة-عالية
تستمر بالانتشار
الفراغ والجغرافيا: لماذا لا تموت الفكرة؟
“لم تكن المخيمات مجرد أسوار وأسلاك شائكة تحيط بأجساد منهكة؛ بل كانت تضاريس نفسية واجتماعية احتوت فكرة لم تُهزم، بل أُجِّلت… وحين أُغلقت تلك المخيمات، لم يُغلق معها ذلك الأرشيف، ولم تتبخر الأيديولوجيا في هواء الصحراء، بل تحررت من شكلها المحاصر، وخرجت من الجغرافيا الضيقة إلى فضاء اجتماعي أوسع.”
داعش اليوم ليس تنظيم 2014… عاد إلى جذوره كتنظيم تمرد: هجمات محدودة لكنها متكررة، كمائن في طرق صحراوية، اغتيالات موضعية تستهدف إرباك السلطة لا إسقاطها.
الجغرافيا التي لا تُروّض: البادية السورية – طرق تهريب – روابط عشائرية عابرة للحدود. التهديد الجديد أقل صخبًا وأكثر استدامة.
الجغرافيا كعامل فاعل: الصحراء الممتدة بين حمص ودير الزور ليست مجرد تضاريس، بل مسرح تاريخي للتمرّد. في مثل هذه الجغرافيا، لا يحتاج التنظيم إلى كتائب كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *