قراءة المواد الصادرة عن صحيفة “النبأ”، لسان حال تنظيم الدولة الإسلامية، لا يظهر الخطاب بوصفه دعاية تقليدية بقدر ما يبدو تقييما سياسيا-أمنيا للمرحلة، فليست حدّة اللغة فقط ما يميز خطابها الأخير، بل الطريقة التي يُعاد فيها تأطير مفاهيم مثل “التحرير” و”النصر” و”محاربة داعش” نفسها، فالتنظيم، من خلال منبره الإعلامي، لا يناقش تفاصيل ميدانية بقدر ما يسعى إلى نزع الشرعية عن الإطار الذي تُدار فيه سوريا اليوم، وخصوصا ما يربط تثبيت السلطة الجديدة بملف مكافحة الإرهاب.
لا يبدأ التحليل من سؤال مباشر عن قدرة داعش العسكرية، بل من البيئة السياسية التي تُنتج الصراع، فالتنظيم، كما تعكسه “النبأ”يرى أن ما يجري في سوريا ليس انتقالا حقيقيا، بل إعادة ترتيب للسلطة تحت مظلة دولية، وأن “محاربة داعش” ليست هدفا بحد ذاتها، بل عملة تفاوض تُستخدم لرفع العقوبات وانتزاع الاعتراف.
“النبأ” وتفكيك سردية “التحرير”
تقدّم “النبأ” سردية متماسكة، فـ”التحرير” الذي يُحتفى به، بحسب منظور التنظيم، هو تحرير من نموذج لصالح آخر لا يختلف جوهريا في التبعية، وهذه القراءة، تكشف تحوّلا مهما في خطاب داعش، فبدل الادعاء بقرب النصر، يركز التنظيم على نفي شرعية نصر الآخرين، والرسالة واضحة، ربما “نخسر جولات، لكن خصومنا لن يربحوا الحرب بالمعنى السياسي والأخلاقي”.
هذا التحول ليس تفصيليا، بل يعكس إدراكا لدى التنظيم بأن المعركة الأساسية انتقلت من السيطرة الجغرافية إلى إدارة المعنى، وكلما تم تقديم مكافحة داعش بوصفها شرطا خارجيا للشرعية، زادت قدرة التنظيم على تصويرها كحرب بالوكالة.
مكافحة داعش كاختبار سلوك لا كحرب نهائية
تتعامل الولايات المتحدة وشركاؤها مع داعش بوصفها تهديدا يجب إدارته أكثر من كونه خطرا يجب استئصاله فورا، فالهدف منع عودة التنظيم كقوة عابرة للحدود، لا القضاء على كل خلية في الداخل السوري، لذلك ترتبط مكافحة داعش بحزمة أوسع من الشروط، من ضبط الحدود، وإدارة السجون والمخيمات، وتحجيم الفصائل غير المنضبطة، وتقديم تطمينات سياسية وأمنية.
هذه المقاربة البراغماتية تحمل تناقضا جوهريا تلتقطه “النبأ”، فحين تصبح مكافحة داعش جزءا من صفقة سياسية، تتحول، في نظر جمهور متشدد، من ضرورة أمنية إلى دليل ارتهان، وهذا لا يمنح التنظيم قوة عسكرية إضافية، لكنه يمنحه مادة دعائية طويلة الأمد.
أين ستتحدد نتائج المواجهة؟
بعيدا عن الخطاب، تُشير الوقائع إلى أن مستقبل محاربة داعش في سوريا سيتقرر في ثلاث ساحات رئيسية:
- البادية السورية:
تعمل داعش في البادية كحركة تمرّد منخفضة الكلفة عبر كمائن واغتيالات وضرب خطوط إمداد، والتنظيم لا يحتاج إلى مدن كبرى، بل إلى فراغات أمنية وصعوبة في بسط السيطرة المستدامة، وأي سلطة جديدة ستواجه تحديا مزدوجا؛ البقاء الميداني طويل الأمد، وتجنب الانتهاكات التي تغذي التطرف.
- السجون والمخيمات:
إنه الملف الأخطر، فآلاف المحتجزين وعائلاتهم يعيشون في فراغ قانوني وخدماتي، و”النبأ” تنظر إلى هذه الكتلة البشرية بوصفها رأسمالا مؤجلا، والفشل في الإدارة سواء بالقسوة أو بالإهمال سيخلق أجيالا أكثر تطرفا، حتى لو بدا الهدوء مسيطرا اليوم.
- المناطق الرمادية سياسيا:
حيث تتقاطع صلاحيات قوى متعددة، وتستخدم مكافحة داعش لتصفية حسابات محلية، وفي هذه البيئات، لا تزدهر داعش بقوتها الذاتية، بل بضعف خصومها وتناقضاتهم.
استراتيجية الصبر الطويل
ما توحي به “النبأ” أن التنظيم لا يستعجل العودة، فالاستراتيجية الحالية تقوم على الاستنزاف والانتظار، وترك الخصوم يستهلكون شرعيتهم في ترتيبات دولية وتسويات داخلية، ثم الظهور مجددا في لحظة اهتزاز، ويعتمد هذا النهج على تراكم الأخطاء من انتهاكات وتهميش اقتصادي وفشل في العدالة، وصراعات بين القوى المحلية.
في المقابل، تعتمد الاستراتيجية الدولية على إدارة المخاطر وتقليلها، لا على معالجة جذورها بالكامل، وهذه المقاربة تنجح تكتيكيا، لكنها تحمل كلفة تراكمية، فكل إخفاق صغير يتحول في ماكينة التنظيم الإعلامية إلى دليل إضافي على صحة سرديته.
سيناريوهات محتملة
استنادا إلى التوازنات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات واقعية:
السيناريو الأول: احتواء هش
تنجح السلطة بدعم خارجي في إبقاء داعش عند مستوى الخلايا، دون قدرة على التمدد، هذا السيناريو مرجّح، لكنه يتطلب موارد وتنسيقا مستمرين.
السيناريو الثاني: عنف دوري متقطع
تتراجع داعش ثم تعود بهجمات نوعية كلما خف التنسيق أو تصاعد الاستقطاب، وهذا المسار يتوافق إلى حد كبير مع القراءة التي تروّج لها “النبأ”.
السيناريو الثالث: انتكاسة موضعية
انهيار ملف السجون أو صدام واسع بين اللاعبين يفتح نافذة لعودة مؤقتة للتنظيم في جيب جغرافي، وهو احتمال مازال ضعيف، لكن كلفته عالية سياسيا وأمنيا.
معركة التعريف قبل معركة السلاح
ما تعكسه “النبأ” ليس ثقة بقدرة داعش على الانتصار العسكري، بل رهان على فشل خصومها في تقديم نموذج حكم مقنع، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، فمحاربة داعش في سوريا لن تُحسم بعدد العمليات أو البيانات، بل بقدرة أي سلطة قادمة على بناء مؤسسات تقلل دوافع التطرف، وتمنع تحويل مكافحة الإرهاب إلى مجرد أداة شرعنة خارجية.
إذا بقيت الحرب على داعش شعارا سياسيا سيبقى التنظيم حاضرا بأشكال مختلفة، أما إذا تحولت إلى سياسة دولة شاملة فستتراجع قدرته على التجنيد والتكيّف، وجوهر الرسالة التي يمكن استخلاصها من “النبأ” هي تحذير مبكر من أن البيئة، لا التنظيم وحده، هي التي تحدد مستقبل العنف.
محاربة داعش في سوريا بين الشرعنة الدولية وسردية “النبأ”
معركة المعنى قبل معركة السلاح – رسم بياني تفاعلي يحلل خطاب التنظيم واستراتيجيات المواجهة
تحليل المواد الصادرة عن صحيفة “النبأ”، لسان حال تنظيم الدولة الإسلامية، يكشف تحولاً في الخطاب من الدعاية التقليدية إلى التقييم السياسي-الأمني. يعيد التنظيم تأطير مفاهيم مثل “التحرير” و”النصر” و”محاربة داعش” نفسها، ساعياً إلى نزع الشرعية عن الإطار الذي تُدار فيه سوريا اليوم. التركيز لم يعد على التفاصيل الميدانية بل على معركة المعنى والشرعية.
ساحات المواجهة الرئيسية
السيناريوهات المحتملة ودرجة احتمالها
النقاط المحورية في تحليل “النبأ”
إعادة تأطير المفاهيم
يعيد التنظيم تعريف “التحرير” و”النصر” و”محاربة داعش” نفسها، محولاً التركيز من التفاصيل الميدانية إلى معركة الشرعية والمعنى.
نزع الشرعية عن الخصوم
تركز “النبأ” على نفي شرعية نصر الآخرين بدلاً من الادعاء بقرب النصر، معتبرة أن الخصوم “لن يربحوا الحرب بالمعنى السياسي والأخلاقي”.
التحول من الجغرافيا إلى المعنى
انتقلت المعركة الأساسية من السيطرة الجغرافية إلى إدارة المعنى، حيث تصبح مكافحة داعش “شرطاً خارجياً للشرعية” تزيد من قدرة التنظيم على تصويرها كحرب بالوكالة.
مكافحة داعش كأداة تفاوض
تصف “النبأ” مكافحة داعش بأنها “عملة تفاوض تُستخدم لرفع العقوبات وانتزاع الاعتراف” وليست هدفاً بحد ذاتها.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل داعش في سوريا
السيناريو الأول: احتواء هش مرجّح
تنجح السلطة بدعم خارجي في إبقاء داعش عند مستوى الخلايا، دون قدرة على التمدد. هذا السيناريو يتطلب موارد وتنسيقاً مستمرين، ويكون فيه التنظيم محدود القدرات لكنه غير منتهٍ.
السيناريو الثاني: عنف دوري متقطع متوسط الاحتمال
تتراجع داعش ثم تعود بهجمات نوعية كلما خف التنسيق أو تصاعد الاستقطاب. هذا المسار يتوافق مع القراءة التي تروّج لها “النبأ”، ويحول التنظيم إلى تهديد دوري غير مستقر.
السيناريو الثالث: انتكاسة موضعية ضعيف الاحتمال/عالية التكلفة
انهيار ملف السجون أو صدام واسع بين اللاعبين يفتح نافذة لعودة مؤقتة للتنظيم في جيب جغرافي. احتمال ضعيف لكن كلفته عالية سياسياً وأمنياً.
خلاصة التحليل
ما تعكسه “النبأ” ليس ثقة بقدرة داعش على الانتصار العسكري، بل رهان على فشل خصومها في تقديم نموذج حكم مقنع. التحدي الحقيقي يتمثل في أن محاربة داعش في سوريا لن تُحسم بعدد العمليات أو البيانات، بل بقدرة أي سلطة قادمة على بناء مؤسسات تقلل دوافع التطرف، وتمنع تحويل مكافحة الإرهاب إلى مجرد أداة شرعنة خارجية.
جوهر الرسالة: البيئة، لا التنظيم وحده، هي التي تحدد مستقبل العنف.

