تعود المنطقة الجنوبية من سوريا لتتصدر واجهة الصراع الإقليمي، وهذه المرة عبر مقترح إسرائيلي جديد يرسم خرائط أمنية على نحو يحاكي تجربة كامب ديفيد المصرية–”الإسرائيلية” عام 1979.
المعلومات حول المقترح ظهرت أولا عبر موقع أكسيوس قبل أن يتم الحديث عنه في عدد من الوسائل الغربية والإقليمية، وتقوم الخطة على تقسيم الجنوب السوري إلى ثلاثة مستويات أمنية متدرّجة، تمنح إسرائيل نطاقات أمان عسكرية وجوية واسعة، وتفرض على دمشق قيودا غير مسبوقة على وجودها السيادي.
رغم أن دمشق لم تُصدر ردا رسميا حتى اللحظة، إلا أن المؤشرات الأولية تنذر بمواجهة معقّدة، ليس فقط بين “”إسرائيل” وسوريا، بل بين القوى الكبرى والإقليمية المتداخلة في الملف السوري.
تشريح المقترح: ثلاث دوائر أمنية وممر مفتوح
يتأسس المقترح على إعادة إنتاج المنطق الذي حكم اتفاقية كامب ديفيد، حيث جرى تقسيم سيناء إلى مناطق أمنية متفاوتة التسليح بإشراف دولي، في الحالة السورية، يترجم ذلك عبر:
- المستوى الأول (الملاصق للحدود مع إسرائيل) وفيه حظر كامل لأي قوات أو آليات عسكرية سورية ثقيلة، مع السماح فقط بوجود محدود للشرطة، ما يعني عمليا شريطا منزوع السلاح تحت السيطرة الفعلية لـ”إسرائيل”.
- المستوى الثاني (العمق الجنوبي) ويخضع لتقييد في إدخال الأسلحة الثقيلة إلى الجنوب السوري، مع إبقاء قدرة الدولة السورية على انتشار أمني خفيف، في صيغة توحي بوجود “سيادة شكلية” أكثر من كونها فعلية.
- المستوى الثالث (الجوي) ويتضمن فرض منطقة حظر طيران تمتد من جنوب غربي دمشق وصولا إلى المنطقة العازلة، وبذلك، تُسلب دمشق حرية استخدام أجوائها في مساحة استراتيجية بالغة الحساسية، حيث تتقاطع طرق الإمداد العسكرية والسياسية.
كما تحتفظ إسرائيل ببعض المواقع التي سيطرت عليها بعد انهيار النظام السابق، وعلى رأسها قمة جبل الشيخ، ذات القيمة الاستراتيجية البالغة في الإشراف والرصد، ويتضمن المقترح أيضا بندا إضافيا يمنح “إسرائيل” حرية مطلقة في المجال الجوي السوري نحو إيران، ما يعني تحويل الأجواء السورية إلى ممر عبور مفتوح لأي عمليات إسرائيلية مستقبلية ضد طهران.
إسرائيل: منطق الأمن عبر الجغرافيا
في قراءة “إسرائيلية” بحتة، لا يخرج المقترح عن سياق استراتيجي ممتد منذ عقود يتلخص في تحويل الجغرافيا إلى هندسة أمنية تقلّص المخاطر وتمنح عمقا وقائيا، وتجربة كامب ديفيد لم تكن مجرد اتفاق سلام؛ كانت إعادة صياغة للفضاء العسكري في سيناء بما يضمن لـ”إسرائيل” إبعاد أي تهديد عن حدودها بمئات الكيلومترات، وفي الجنوب السوري، يهدف المنطق ذاته إلى خلق عازل مضاعف، لا يقتصر على وقف إطلاق النار لعام 1974، بل يمدّه بمسافة إضافية، وبسقف جديد من القيود الجوية.
توقيت الطرح ليس معزولا؛ فـ”إسرائيل” تواجه جبهات متزامنة في غزة ولبنان، وفي ظل انشغال واشنطن بملفات أخرى، يبدو أن “تل أبيب” تتحرك لتثبيت وقائع ميدانية استباقية، تضمن لها هامش تحرك أكبر ضد إيران مستقبلا، وتحرم دمشق من أدوات المناورة العسكرية.
دمشق: السيادة المؤجلة
الرد السوري حتى الآن جاء بصيغة الصمت، مع تلميحات عن إعداد “خطة مضادة”، وهذا التريث يعكس إرباكا واضحا فالقبول يعني اعترافا بانتقاص سيادتها على أحد أهم أقاليمها، بينما الرفض المباشر يفتح الباب لمواجهة ميدانية غير متوازنة بعد أن قامت دمشق بحل الجيش السابق، والاعتماد على الميليشيات لتشكل جيش جديد.
بالنسبة لسلطة انتقالية تسعى لترميم شرعيتها، فإن التنازل عن الجنوب سيُقرأ كرضوخ لإملاءات “إسرائيلية”، ما يفاقم هشاشة بنيتها السياسية، أما الدخول في مواجهة مفتوحة، فيحمل تهديدا بخسائر لا قدرة لدمشق على تحملها، خصوصا في ظل انكفاء الدعم الروسي وعدم جدية الحلفاء الإقليميين في الدفاع عنها (قطر وتركيا).
المعادلة بالنسبة لدمشق هي معركة على الزمن، فكل يوم تأخير يمنحها مساحة لترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية، وربما لاستدعاء وساطات دولية تعيد صياغة المقترح أو تعرقله.
البعد الإقليمي: إيران وروسيا في المرآة
البند الأكثر استفزازا في المقترح هو المتعلق بالممر الجوي نحو إيران، بالنسبة لطهران، كان الجنوب السوري أحد خطوط إمدادها وحلقة وصل مع حلفائها في لبنان، واليوم هي أمام فتح للأجواء السورية أمام الطيران الإسرائيلي ما يعني زيادة في تقليص نفوذها الإقليمي لحساب “تل أبيب”.
أما موسكو، التي لا تزال تحتفظ بحضور عسكري في سوريا، فهي تجد نفسها في موقف معقد، فمن جهة، لا ترغب في صدام مباشر مع “إسرائيل” التي ترتبط معها بتفاهمات حول آلية تفادي الاشتباك، ومن جانب آخر لا تستطيع القبول بترتيب أمني يُقصي نفوذها ويحاصر وجودها بعد انهيار النظام السابق الذي كان حليفا قويا لها، وهي عملت سابقا مع إدارة الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى لإنجاز اتفاق الجنوب الغربي لسوريا، الذي أعاد اتفاقية فصل القوات لعام 1974 للعمل، فروسيا أمام اختبار دبلوماسي عسير، يحدد مستقبل حضورها في الملف السوري.
القانون الدولي وحدود الشرعية
يبقى سؤال الشرعية حجر الزاوية في أي نقاش حول الخطة، فاتفاقية 1974 لوقف إطلاق النار وقرارات الأمم المتحدة اللاحقة تعترف بالسيادة السورية على كامل أراضيها، وأي تعديل أحادي أو ثنائي خارج المظلة الأممية يشكل خرقا صريحا للقانون الدولي، و”إسرائيل” تراهن على قبول أمريكي وغربي ضمني، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الاتفاقية المطروحة تضعف مرتكزات الشرعية الدولية، وتفتح الباب أمام سوابق جديدة لإعادة رسم الحدود بالقوة أو بالفرض الأمني.
ويثار جدل قانوني وسياسي آخر حول شرعية حكومة دمشق في الدخول بمفاوضات بهذا الحجم مع “إسرائيل”، فالحكومة الانتقالية، بطبيعتها، ذات صلاحيات مؤقتة ومحدودة، ويفترض أن تقتصر وظيفتها على إدارة المرحلة الانتقالية والتحضير لشرعية دستورية جديدة عبر انتخابات أو توافق وطني، أما الدخول في اتفاقيات استراتيجية طويلة المدى، خاصة تلك التي تمس السيادة ووحدة الأراضي، فيتجاوز من حيث المبدأ التفويض الممنوح لها.
يضع هذا الأمر أي تفاوض في دائرة الطعن القانوني والسياسي، سواء داخليا من قبل القوى الوطنية السورية، أو خارجيا من قبل أطراف ترى أن أي اتفاق مع حكومة انتقالية لا يرقى إلى مرتبة الالتزام الدائم للدولة السورية.
التداعيات المحتملة: سيناريوهات المستقبل
تتوزع الاحتمالات أمام دمشق والمنطقة على أكثر من مسار، كل واحد منها يحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى، ولا يمكن حصر السيناريوهات في إطار ثنائي قبول/رفض فقط، بل في شبكة خيارات معقدة تمزج بين السياسة والأمن والدبلوماسية تتضح كالتالي:
- قبول مشروط فمن المحتمل انتلجأ دمشق إلى قبول مبدئي بالخطة مقابل تعديلات، مثل تقليص مساحة الحظر الجوي أو الإبقاء على وجود رمزي للجيش السوري في بعض المناطق، هذا الخيار يمنحها هامش تنفّس سياسي شكلي، لكنه يرسخ واقعا أمنيا يخدم إسرائيل.
- رفض قاطع ما يعني احتمال تصاعد التوتر الميداني، سواء عبر مناوشات محدودة في الجنوب أو تصعيد جوي من قبل “إسرائيل”، وهذا السيناريو يُبقي الجنوب ساحة صراع مفتوحة، ويُدخل سوريا في مواجهة مباشرة هي الأقل استعدادا لها منذ عقود، مع التذكير أن السلطة القائمة بدمشق من لحظة وصولها أعلنت المساومة مع اسرائيل وأن علاقتها ستكون جيدة معها بحكم حسن الجوار!.
- وساطة دولية عبر تدخل أطراف مثل الأمم المتحدة أو دول أوروبية كوسيط لتعديل الخطة، بما يوفر لـ”إسرائيل ضمانات أمنية” دون المساس الجذري بالسيادة السورية، وهذا السيناريو الأكثر اتساقا مع القانون الدولي، لكنه يتطلب إرادة سياسية غير متاحة حاليا.
ما وراء الخرائط: الجنوب كمرآة للشرق الأوسط
ليست القضية مجرد تقسيم جغرافي أو ترتيبات عسكرية، الجنوب السوري يمثل مختبرا لمعادلات الشرق الأوسط المقبلة، فكيف تتوزع مناطق النفوذ؟ وبأي طريقة تُدار الحدود بين “إسرائيل” والعالم العربي بعد عقود من الحروب؟ وكيف تعيد القوى الكبرى صياغة أدوارها في المنطقة؟
“الخطة الإسرائيلية” تكشف عن رغبة في إعادة رسم حدود الأمن بالقوة والوقائع، أكثر من التفاهمات الدبلوماسية، وهي بذلك تقدم صورة مكثفة لمرحلة جديدة من الجغرافيا السياسية حيث تُترجم القوة العسكرية إلى خرائط أمنية، وتُدفع السيادة الوطنية إلى الهامش باسم “الأمن الإقليمي”.
خاتمة: الجنوب كاختبار للزمن
بين كامب ديفيد الأمس ودمشق اليوم، ثمة اختلافات لا تقل عن التشابهات، ففي مصر، كانت الدولة مستقرة بما يكفي لتوقيع اتفاق تاريخي، أما في سوريا، فإن الدولة منهكة، والسيادة مهشمة، والتحالفات متصدعة، ومن هنا، تبدو “الخطة الإسرائيلية” محاولة لاستثمار اللحظة التاريخية، قبل أن تستعيد دمشق قوتها أو تُعاد صياغة موازين القوى الإقليمية.
لكن، في الشرق الأوسط، اللحظات لا تدوم طويلا، فربما تسطيع “إسرائيل” فرض وقائع ميدانية، لكن هذا الأمر لا يصنع استقرارا، فالجنوب السوري يظل ساحة مفتوحة للتجاذب، واختبارا حقيقيا لقدرة الدول على الصمود أمام هندسة أمنية خارجية، وامتحانا للمجتمع الدولي أمام معايير القانون والسيادة، وكما في كل مرة، يبقى السؤال معلّقاً: أيهما يسبق الآخر؟ الخرائط أم التاريخ.


قذارة الحكومة الجديدة حل الجيش السوري القديم فانها تفكيرها إخصائي وغير عادل وإبعاد الجيش عن قتال اسرائيل و مخي ذاكرة جمعية وسيدفع الثمن السوريين بالجيش الجديد الذي لن يقاتل اعداء سورية ومحتلين جغرافيتها التركي و الإسرائيليي والأمريكي بل سيقاتل المشروع الفكري والنهضوي والمقاوم بكل مكان بسورية ولبنان وغيرها والمكونات كلها بالداخل يكون لها اتجاه مختلف عن اتجاه مخططاته وطريقة تفكيره