في صيف 2025، وبينما كانت دمشق تغلي تحت وطأة الأزمات المتراكمة، اندلع من الجنوب صوت آخر، لم يكن مرتفعا فحسب، بل متجذرا.
من قلب جبل العرب، خرجت احتجاجات ليست كسابقاتها، بل مشبعة بذاكرة المقاومة، ومشحونة بخطاب الكرامة، ومرتبطة بجغرافيا استعصت على الترويض لعقود، ولم تكن السويداء تحتج فقط على انقطاع الكهرباء أو انهيار الليرة، بل كانت تعبّر عن تململ جيوبوليتيكي عميق، يتصل بطبيعة العلاقة بين الجبل والدولة منذ تأسيسها.
ذلك الجبل الأسود، المحاط بالبادية من الشرق، والمنفتح على الحدود الأردنية من الجنوب، والقريب من خاصرة دمشق الرخوة من الشمال الغربي، لم يكن في يوم من الأيام مجرد تضاريس طوبوغرافية. إنه فضاء للتمرد الكامن، وتوازن القوة الصامت، والهوية المتمردة التي قاومت الانتداب، وصمدت أمام الشيشكلي، وساومت البعث، ثم اختارت في زمن الفوضى أن تحمي نفسها بنفسها.
إن قراءة الحدث السوري الحالي دون المرور عبر تضاريس جبل العرب، تشبه محاولة فهم الدولة دون المرور بتاريخها الجيني، فما يحدث اليوم في السويداء ليس لحظة معزولة، بل تتويج لتراكم طويل من التوترات البنيوية بين المركز والهامش، بين السلطة والخصوصية، بين خطاب الوطنية المجرَّد، والمشاركة الفعلية في بنية القرار.
الجبل الذي فجر الثورة
في عام 1925، حين خرج سلطان باشا الأطرش من السويداء ليعلن الثورة السورية الكبرى، لم تكن تلك حركة محلية ضد الانتداب الفرنسي، بل إعلانا صاخبا أن الجغرافيا يمكن أن تنتج مشروعا وطنيا جامعا، فجبل العرب حينها تجاوز ذاته الطائفية، ليقود ثورة شامية، من الجولان إلى حلب، ومن الغوطة إلى الساحل.
لم يكن سلطان باشا مجرد زعيم درزي، بل حامل لفكرة وحدة الأرض والكرامة، فالجبل، بوعيه الجمعي، لعب دور الجامع الوطني التي تدمج الريف بالحاضرة، والأقلية بالأغلبية، في مشروع مقاوم واحد.
سليم حاطوم: الحلم البعثي وصدمة التصفية
مع صعود حزب البعث عام 1963، اعتقد كثيرون أن التهميش سينتهي، وأن سوريا الجديدة ستعيد الاعتبار لأبناء الأطراف، ومن جبل العرب برز الضابط سليم حاطوم، نقيبا في الجيش وعضوا نشطا في اللجنة العسكرية التي دعمت صعود صلاح جديد وحافظ الأسد.
لكن الجبل، مرة أخرى، دفع ثمن طموح أبنائهـ فحين حاول حاطوم الانقلاب على صلاح جديد بعد هزيمة 1967، اعتُقل، وأُعدم في ظروف غامضة، لم يكن إعدامه مجرد تصفية داخلية، وشكلت نهاية سليم حاطوم لحظة كاشفة لطبيعة التحولات داخل البنية البعثية نفسها؛ فبدلا من أن تفتح السلطة الباب أمام تنوع القوى في الهامش، أُعيد رسم حدود المشاركة بشكل أكثر ضيقا، ومعها بدأ نمط جديد من التهميش أكثر صمتا، لكنه أكثر رسوخا.
البعث: مركزية ناعمة وتهميش مؤسسي
في زمن حافظ الأسد، ظل جبل العرب حاضرا في المشهد الوطني، لكن حضوره اتخذ طابعا رمزيا أكثر منه تمكينا فعليا، فالتعيينات العسكرية والإدارية التي شملت بعض الشخصيات الدرزية بدت أقرب إلى تمثيل شكلي يراعي التوازنات، دون أن يمنح نفوذًا ملموسًا في صنع القرار.
بقيت المشاركة محكومة بحدود الولاء لا المبادرة، فيما عمّق نمط الحكم المركزي من عزلة الجبل اقتصاديا وخدميا، فيما عمّق نمط الحكم المركزي من عزلة الجبل اقتصاديا وخدميا، تحت رقابة أمنية دقيقة حدّت من أي نشاط سياسي مستقل.
الحراك الحذر في زمن الثورة
مع اندلاع الأحداث السورية عام 2011، لم تكن مدينتا السويداء وشهبا خارج المشهد؛ حيث شهدتا منذ اللحظة الأولى أشكالا من المشاركة، وإن اتسمت بالحذر، لكن السياسات الحكومية سعت إلى إبقاء الجبل في موقع “المنطقة العازلة”، فامتنعت عن الاحتكاك المباشر، وفضّلت التعامل معه كمجال محايد، لا ينخرط تمامًا في المعارضة ولا يذوب كليا في الولاء للنظام.
في ظل هذا التموضع، ظهرت تشكيلات محلية مثل رجال الكرامة، لتؤمّن نوعا من الحماية الداخلية وتحافظ على التماسك الاجتماعي بعيدًا عن خطوط النار الرئيسية.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار الخدمات، أخذت حالة الحياد تتصدّع، بدا واضحا أن سياسة الاستنزاف دون مقابل تدفع الجبل نحو خيارات أكثر جذرية، ومنذ عام 2023، خرجت احتجاجات واسعة في السويداء رفعت شعارات سياسية صريحة، وأُحرقت مقرات حزب البعث، ورُفعت أعلام الثورة، وبرزت دعوات للحماية الدولية.
صراع يتجدد
بلغ التوتر ذروته في صيف 2025، وذلك بعد احتكاكات في منطقتي جرماني وصحنايا في محيط دمشق، واتخاذ السلطة في دمشق سمة متشددة تؤشر لهوية دينية، فما حدث في السويداء لا يمكن فصله عن مجازر الساحل التي أعطت صورة واضحة لتطرف ديني.
اندلعت اشتباكات بين مجموعات محلية وفصائل مدعومة من السلطة، وتحوّلت بعض أحياء السويداء إلى مناطق خارجة فعليا عن السيطرة الحكومية، ولو بشكل مؤقت، في تلك اللحظة، برز صوت الشيخ حكمت الهجري، الذي صاغ خطابا رافضا للإذلال الاقتصادي، ومطالبا بعلاقة جديدة مع الدولة تقوم على الندية والكرامة، عندها، بدا أن الجبل لم يعد يقبل بالدور الذي رُسم له كـ”هامش صامت”، بل صار يفرض نفسه كفاعل سياسي مستقل في المعادلة السورية.
مفتاح الضغط الاستراتيجي
جبل العرب يتمتع بخصائص جيوبوليتيكية نادرة عبر قربه من دمشق، وإشرافه على الحدود الأردنية، وتحكّمه بممرات البادية، وبنيته الاجتماعية المتماسكة، وشكل تهديدا لأي سلطة مركزية لا تعترف بالتعددية، فالجبل لا يطلب الانفصال، بل الاحترام، ويريد سلطة محلية، لا تسلطا أمنيا وشراكة لا وصاية، وهذا ما يضعه اليوم على مفترق طرق فإما إدارة ذاتية متفق عليها ضمن دولة لا مركزية، أو انفجار جديد يعيد ترتيب الجغرافيا السياسية جنوب سوريا.
الجغرافيا ليست مصيرا، لكنها السياق الذي يصوغ السياسة، وجبل العرب اليوم ليس معزولا، بل ناطق باسم الهامش السوري المنسي، ما يطلبه هو الدولة التي لم تأتِ بعد؛ دولة تعترف بالاختلاف، وتبني الوحدة على التنوع، لا على الإنكار.
فهل تكون الدولة السورية الجديدة قادرة على استيعاب الجبل بدل إخضاعه؟ أم يتكرّر تاريخ الشيشكلي وحاطوم بصيغ أكثر مأساوية؟

