عندما جلس جيمس جيفري أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ليقدم شهادته حول سوريا، لم يكن يتحدث فقط عن دولة خرجت من حرب أهلية طويلة، بل عن رقعة أرض تقع عند تقاطع ثلاث قارات، وتاريخ من الاحتكاكات الإمبراطورية التي لم تتوقف يوما، بل تغير فقط شكل القوى التي تخوضها.
سوريا، كما يفهمها جيفري، ليست مجرد ملف دبلوماسي؛ إنها عقدة جغرافية، فمن الشمال سهول الأناضول، والجنوب تخوم فلسطين، والشرق فضاء الرافدين، وفي الغرب المتوسط الذي طالما حمل أساطيل الغزاة، وفي مثل هذا الموقع، لا يوجد فراغ سياسي طويل الأمد، إن لم تملأه قوة منظمة، تملأه الفوضى.
في هذا الموقع يبدأ حديث جيمس جيفري من الاستقرار، لا من الديمقراطية، ومن منع الانهيار، لا من بناء المثاليات.
الجغرافيا قبل الأيديولوجيا
في شهادته، يلمح جيفري إلى حقيقة يعرفها الدبلوماسيون المخضرمون بأن الأنظمة تتغير، لكن الجغرافيا تبقى، وسوريا كانت عبر تاريخها إما دولة مركزية قوية تفرض توازنا قلقا، أو ساحة مفتوحة تتدافع فيها القوى الإقليمية.
الحرب التي بدأت عام 2011 لم تكن مجرد ثورة ولا مجرد حرب أهلية؛ كانت انكشافا لجغرافيا بلا مركز، وكلما ضعف المركز، تقدمت الأطراف؛ إيران من الشرق، وتركيا من الشمال، و “إسرائيل” من الجنوب، وروسيا من البحر.
ما تقترحه شهادة جيفري هو إعادة بناء مركز، ليس بالضرورة مركزا مثاليا، بل مركز قادر على ضبط الأرض، ففي نظره، هذا هو الشرط الأول لأي حديث عن حقوق أو إصلاحات.
الواقعية كفضيلة اضطرارية
حين يقارن جيفري سوريا اليوم بالعراق عام 2004، فإنه لا يسعى إلى التباهي بالتجربة، بل إلى تذكير مستمعيه بأن الفوضى لا تختفي فجأة، فالعراق احتاج سنوات طويلة ليجد توازنا هشا، وسوريا لن تكون استثناء.
هذا منطق واقعي إلى حد القسوة، فالمجتمعات الخارجة من حروب طويلة لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل من ركام، وفيه الأولوية لمنع عودة السلاح إلى الشارع، لا لكتابة دساتير مثالية.
هنا تتجلى سمة أساسية في تفكير جيفري، حيث الشرعية ليست مسألة نقاء أيديولوجي، بل قدرة على إدارةالتناقضات دون انفجارها.
من العداء إلى الاحتواء
تاريخ الصراع السوري حافل بالتصنيفات، من إرهابي ومتطرف وانفصالي وعميل، لكن شهادة جيفري تكشف تحولا أعمق، فالفاعل الذي يسيطر على الأرض ويمنع الانهيار يمكن احتواؤه، حتى لو كان تاريخه مثقلا بالتناقضات.
هذه ليست براءة سياسية، بل حسابات جغرافية، فالفراغ في سوريا لا يبقى فراغا، فإذا لم يُملأ بقوة محلية قابلة للتعامل، فسيُملأ بقوة خارجية أقل قابلية للاحتواء.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا: هل يمكن لقوة نشأت في زمن الفوضى أن تتحول حقا إلى ركيزة استقرار طويل الأمد؟ جيفري لا يمنح إجابة قطعية، لكنه يراهن على الزمن وعلى المصالح.
إيران وروسيا: تمييز في الخطر
في حديثه عن إيران، يبدو جيفري حاسما؛ لا مكان لطهران في سوريا الجديدة، ليس فقط بسبب نفوذها العسكري، بل بسبب مشروعها الإقليمي العابر للحدود، وفي ذهنه إيران ليست قوة تبحث عن توازن، بل عن اختراق دائم.
أما روسيا، فالصورة أكثر تعقيدا، فموسكو قوة منافسة، لكنها مفهومة السلوك، لها قواعد ومصالح، ويمكن ردعها أو احتواؤها، والفارق هنا يعكس ترتيبا ذهنيا للتهديدات، حيث بعض الخصوم يمكن التعايش معهم، والبعض الآخر يُنظر إليهم كمشروع لا يتوقف عند حدود.
بين أنقرة والقدس
تراجع إيران يفتح ساحة تماس جديدة بين تركيا و”إسرائيل”، فهاتان الدولتان اللتان تتحركان بدوافع أمنية عميقة الجذور، تلتقيان اليوم في مسرح سوري هش.
جيفري يدرك أن الاحتكاك بينهما ليس تفصيلا، وتركيا ترى في شمال سوريا امتدادا لأمنها القومي، و”إسرائيل” تعتبر الجنوب خط دفاعها الأول، وبينهما دولة تحاول استعادة توازنها.
دور واشنطن، كما يتصوره، ليس فرض حل، بل منع انزلاق وإدارة التوتر، لا القضاء عليه.
الأكراد وحدود الالتزام
يعترف جيفري، بنبرة الدبلوماسي الذي خبر حروب الهامش، بأن ثمة التزاما أخلاقيا تجاه الشركاء الأكراد الذين شكلوا رأس الحربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن هذا الاعتراف لا ينفصل عن إدراك أعمق لطبيعة التحالفات في الشرق الأوسط، فهي تحالفات ضرورة لا قدر، والعلاقة، كما يلمح، وُلدت في لحظة تهديد عابر للحدود، وتغذت من ظرف استثنائي، ولم تُبن على وعد بإعادة رسم الخريطة، ففي منطقة تتبدل فيها الولاءات مع تبدل موازين القوى، يبقى الثابت الوحيد هو حسابات الدولة، لا العواطف المتبادلة في ساحات القتال.
يعود جيفري إلى الجغرافيا بوصفها الحكم النهائي، فسوريا، بفسيفسائها الإثنية والطائفية، ليست سهلا مفتوحا لتجارب الكيانات المتوازية، فهي جزيرة مسلحة، مهما كانت نواياها دفاعية، تتحول مع الزمن إلى خط تماس، وكل خط تماس في المشرق يميل إلى أن يصبح جبهة، لذلك يبدو الاندماج في دولة موحدة، ولو كانت هشة في بداياتها، أقل مخاطرة من تثبيت حدود صلبة داخل حدود هشة أصلا، فالجغرافيا السورية، بتعرجاتها البشرية قبل تضاريسها الطبيعية، لا تحتمل خرائط حادة؛ إنها إما أن تُدار كمجال واحد متوتر، أو تنزلق إلى أرخبيل نزاعات لا ينتهي.
الاقتصاد كسلاح هادئ
إعادة الإعمار في شهادة جيفري لا تُقدم بوصفها فعل رحمة دولية، بل كامتداد هادئ للسياسة بوسائل مالية، فالمال هنا ليس تدفقا تقنيا لإصلاح الجسور ومحطات الكهرباء، بل لغة مشروطة تُستخدم لإعادة تشكيل السلوك السياسي.
الدعم يُربط بالإصلاح، والتمويل يُربط بالانضباط، وكأن الاقتصاد تحول إلى أداة ضبط أكثر منه أداة إنقاذ، ففي عالم يسعى إلى تقليص التدخلات العسكرية المباشرة، يصبح الدولار بديلا عن الجندي، والعقود التنموية شكلا من أشكال النفوذ المنظم.
غير أن الاقتصاد، مثل الجغرافيا، لا يقبل الفراغ طويلا، والمدن المدمرة لا تعيش على الوعود، والأسواق التي تُترك معلقة بين العقوبات والاشتراطات تُنتج اقتصادا ظليا يتقن البقاء خارج الرقابة، وإذا طال أمد التعافي المشروط، ستنشأ شبكات موازية، تجارية وأمنية، تعيد إنتاج منطق الحرب بأدوات مختلفة، فلا يعود السؤال عن حجم التمويل، بل عن الجهة التي تملأ الفراغ أولا، لأن الفراغ في المشرق، كما تُظهر التجربة، لا يبقى نظريا؛ إنه يتحول سريعا إلى واقع يصعب احتواؤه.
سوريا والعودة إلى الخرائط
ما تقوله شهادة جيمس جيفري ليس وعدا بمستقبل مشرق، بل دعوة إلى إدارة الحاضر بحذر، سوريا، في نظره، ليست قصة مثالية عن انتقال ديمقراطي، بل رقعة في لعبة توازنات إقليمية أوسع.
إنها دولة تعود إلى جغرافيتها؛ دولة حدود، ودولة تماس، ودولة لا يسمح موقعها بترف الفوضى الدائمة.
لكن الجغرافيا، مهما كانت حاسمة، لا تخلق الشرعية، فهي تفرض الاستقرار، لكنها لا تضمن الرضا، وهنا تكمن المعضلة التي لا يمكن لأي شهادة أمام الكونغرس أن تحلها بالكامل، فكيف تتحول خرائط القوة إلى عقد اجتماعي؟ وكيف يتحول منع الانهيار إلى ولادة حقيقية؟
ربما تكون الواقعية ضرورية. لكنها، وحدها، لا تكفي لصناعة دولة.
«المال ليس تدفقًا تقنيًا، بل لغة مشروطة تُعيد تشكيل السلوك السياسي. الفراغ في المشرق لا يبقى نظريًا؛ يتحول سريعًا إلى واقع يصعب احتواؤه. الجهة التي تملأ الفراغ أولًا هي مَن تعيد رسم الخريطة.»
⚡ إعادة الإعمار في شهادة جيفري: تمويل ← اشتراط ← ضبط ← فراغ ← شبكات ظل ← نفوذ هادئ.


المصيبة في الأميركي والغربي في العموم حين يناقشون قضية بلادنا وأخص هنا سورية يتحدثون عنها كمراقبين وليس كصانعين للحدث…لولا المصالح الاميركية التي كان تدمير سورية حجر الزاوية في خططها لما سمعنا يوماً بالجولاني ولا الغليون ولا العودات (المناع) ولا أياً من هولاء الخونة الذين تعانوا على سورية تمزيقاً وفتنةً وتدميراًثم اتوا يحاضرون فينا بعفة العاهرة التي قالت انها تابت وهي لا تزال سراً تمارس الدعارة…سورية لا خلاصتها سوى بالمقاومة وليس حوار الضعيف مع المتجبر القاتل الطائفي المكفر…خصم سورية وخصمنا لم يستند على قاعدة شعبية ولا مطالب حقوق وطنية…استند إلى دعم هذا الأبيض القاتل المرتدي لثياب حضارة غربية ومدعي أخلاق مستعمر لا يفقه سوى لغة الدم…كل الحلول السياسية التي يستجديها البعض من محتل وأرهابي ومعتدي ومحاصر هي استمرار لنزف الدم السوري ببطئ…من لم يتعظ من قضية فلسطين وأكثر من مئة عام رقصاً بين مقاومة وحوار ذل وتطبيع مهين ومن لم يقرأ ما بين سطور تحرير العراق وانعتاق ليبيا ووحدة السودان بالتقسيم لن يعي الداً مقولة…ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة…