مقتل ليال غريب.. انهيار السلطة الأخلاقية وصمت الدولة في سوريا

لم تكن جريمة مقتل المعلّمة ليال غريب أمام مدرستها في حمص حدثا جنائيا يمكن احتواؤه في ملفٍّ أمني أو بيان في نشرة رسمية، فهو انكشاف حادّ لجوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع في سوريا؛ علاقة لم تعد تقوم على الحماية والرعاية، بل على التواطؤ مع العنف عبر آلية باردة من الإنكار والصمت البيروقراطي.

في العاشر من تشرين الأول 2025، أصدرت وزارة التربية السورية بيانا مقتضبا بشأن الحادثة، وبصيغة محكومة بمنطق الضبط اللغوي لا بمنهج المساءلة القانونية؛ فصيغ بعناية شكلية تُخفي فراغه الدلالي، وجرى تصميمه لتجنّب أيّ إقرار بالمسؤولية.

أحجم البيان عن تسمية الضحية، وتجنّب توصيف الفعل بوصفه “قتلا عمدا” أو “اغتيالا أثناء العمل”، ولم يُعلن عن إجراءات تحقيق أو محاسبة، مكتفيا بتكرار مصطلحات قيمية عامة مثل “هيبة التعليم” و”كرامة المعلم” و”الانضباط”، وبشكل يعكس انزياح الخطاب من مجال العدالة إلى مجال التبرير الإداري.

اللغة بوصفها أداة إنكار

في النظم السياسية المتداعية، تصبح اللغة الرسمية السلاح الأشد فتكا من الرصاص، فحين تمتنع السلطة عن تسمية الجريمة باسمها، فهي لا تُخفي الحقيقة فقط، بل تُعيد تعريفها، البيان الوزاري لم يكن حيادا، بل مشاركة رمزية في القتل، وتجاهل اسم الضحية ليس خطأ في الصياغة، بل إلغاء متعمّدا لهويتها القانونية والإنسانية.
شكل البيان “عنف بنيوي للغة”، حيث تُستبدل الوقائع القانونية بالمجازات الأخلاقية لتجريد الحدث من صفته السياسية، وبهذه الطريقة يصبح القاتل مجهولا، والضحية مجرّد “حالة”، فالبيان لم يُخطئ في الشكل فحسب، بل في المنطق ذاته، فحين تساوي المؤسسة بين القاتل والمقتول تحت شعار “سلامة الجميع”، فإنها تُفرغ العدالة من مضمونها وتحوّل القانون إلى واجهة شكلية تبرّر العجز وتكرس الإفلات من العقاب.

البعد الطائفي كجوهرٍ مسكوت عنه

تُظهر شهادات عديدة من حمص أن المعلّمة غريب تلقت تهديدات على خلفية انتمائها الطائفي، لكن الوزارة تجاهلت الإشارات جميعها، وكأن الجريمة وقعت في فراغ اجتماعي.
هذا التجاهل ليس موقفا مهنيا محايدا، بل استراتيجية إنكار سياسي تعكس البنية العميقة للدولة التي تدير الانقسام لا لتخفيفه، بل لضبطه والتحكم في توازناته، فالطائفية هنا ليست عارضا اجتماعيا بل أداة إدارة، وسيلة لإعادة إنتاج الخوف كآلية ولاء، وإبقاء المجتمع في حالة يقظة طائفية دائمة.
حين تُقتل امرأةٌ بسبب هويتها، ويُختزل الحدث في بيانٍ عن “الالتزام والانضباط”، فإن السلطة لا تواجه الانقسام، بل تُعيد تدويره كأداة سيطرة، فُيصبح الصمت السياسي أخطر من الجريمة نفسها لأنه يضفي عليها شرعية رمزية.

المسؤولية بالامتناع

من منظور القانون الجنائي، يُعدّ الامتناع عن الفعل مع العلم بالخطر شكلا من المشاركة في الجريمة، ووزارة التربية كانت على علم بالتهديدات التي طالت المعلمة غريب، وكان بوسعها التدخل عبر النقل الوقائي أو طلب الحماية أو فتح تحقيق إداري، لكنها اختارت الصمت.
هذا الصمت الإداري ليس “تقصيراً، بل تواطؤٌ هيكلي، يعكس البنية العميقة لدولة فقدت وظائفها السيادية الأساسية، وفي هذه المنظومة يصبح الامتناع سياسة متعمّدة في إدارة الخطر بدل منعه.

الأخطر أن الوزارة، بحسب مصادر تربوية، عاقبت من طالبوا بالتحقيق، ما يؤشر إلى تحول المؤسسة التعليمية إلى جهاز تأديبي يخنق الضمير المهني، فحين تُعاقَب الكلمة وتُكافأ الطاعة، يتحوّل التعليم من وظيفة للمعرفة إلى آلية للضبط الاجتماعي.

الدولة بوصفها سلطة بلا وجدان

يُظهر البيان الوزاري، في لغته ومضمونه، انهيار الرابط الأخلاقي الذي يشكّل جوهر أي سلطة شرعية، فالقانون بلا وجدان يصبح حالة شكلية تُدار عبر البيروقراطية لا عبر المسؤولية.
بدل أن تُعلن الوزارة الحداد أو تتعهّد بالتحقيق، اختارت الحديث عن “الانضباط” وكأنها تخشى أن يجرّها الاعتراف إلى مواجهة مع ذاتها.
في فلسفة الدولة الحديثة، تُقاس الشرعية لا بقدرتها على احتكار العنف فحسب، بل بقدرتها على احتكار المعنى الأخلاقي للعنف، أي أن تحدد ما هو مشروع وما هو مدان.
وحين تعجز السلطة عن تسمية القتل جريمة، وتختبئ وراء المصطلحات الإدارية، فإنها تفقد حقها في تمثيل العدالة، تصبح الدولة هنا “جهازا لإدارة الموت” لا “مؤسسةً لحماية الحياة”.

من تربية الخوف إلى تربية الطاعة

ما جرى في مدرسة “وليد النجار” ليس حادثة استثنائية، فهو استمرار لنمط متكرّر في مناطق عدة من سوريا، من اغتيال المعلمين، واختطاف الطلاب، وتكميم أفواه الإداريين، وصمت الوزارات.
تحوّل التعليم إلى حقلٍ لإنتاج الخوف، والنظام التعليمي الذي يُفترض أن يُعيد بناء الإنسان بعد الحرب، أصبح أداةً لإعادة إنتاج الطاعة، فالمدرسة، التي كانت فضاء للمعرفة، صارت وظيفتها المراقبة، والمعلّم الذي يُفترض أن يكون حاملا للقيم، صار هدفا لأنه يمسّ حدود “الهوية المسموح بها”.

العدالة بوصفها شجاعة تسمية

العدالة ليست وثيقة تصدرها وزارة، بل ممارسة واعترافٍ واضحة بالحدث ومسؤوليات، فهناك فرق واضح بين أن تقول “قُتلت” لا “رحلت”، وأن تعلن اسمها لا أن تمحوه، وأن تسأل من فعل؟ لا “كيف نحافظ على الانضباط؟”، فبيان الوزارة كل كلمة فيه محسوبة لتجنّب هذا الفعل البسيط: التسمية.
أعلن البيان أن “الأمن مسؤولية الجميع”، أي لا أحد مسؤول، وأن “كرامة التعليم مصونة”، أي أن كرامة الأفراد ليست موضوعا للبحث، فتحوّل من محاولة تبرير إلى وثيقة إدانةٍ أخلاقية، لأنها تكشف بوضوح أن الدولة لم تعد تمتلك الشجاعة لممارسة وظيفتها الأخلاقية الأولى: الاعتراف.

من المعلّمة إلى الوطن

سقوط ليال غريب ليس نهاية قصة فردية، بل رمز لانهيار المعنى الجماعي للأمان، فحين يُقتل المعلم في ساحة المدرسة، ولا يرتجف النظام، يكون المجتمع عبر الخط الفاصل بين الخوف واللامبالاة.
المواطنة في هذه اللحظة تفقد مضمونها، فلم تعد علاقة حقوق، بل علاقة صمت.
وإذا كانت الرصاصة الأولى أودت بجسد المعلّمة، فإن البيان الرسمي أطلق الرصاصة الثانية، وهي رصاصة كاتمة للضمير، تُنهي ما تبقّى من ثقة بين المواطن ومؤسساته.

بيان وزارة التربية لا يمكن قراءته كوثيقة إدارية، بل كمرآةٍ لنظام فقد لغته الأخلاقية.
فحين تُدار الجريمة بالمجاز، ويُستبدل الاعتراف بالإنكار، تصبح الدولة شريكا في إنتاج العنف لا ضحيةً له.
قُتلت المعلّمة ليال غريب مرّتين: الأولى برصاصة مجهولة، والثانية ببيان يرفض أن يراها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *