تحليل خطاب مارا كارلين أمام الكونغرس الأميركي: كيف تُعيد واشنطن صياغة سوريا ما بعد الأسد؟

في العاشر من شباط 2026، أدلت مارا كارلين بشهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي في جلسة حملت عنوان: “سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأميركية بعد الأسد”، يبدو العنوان توصيفا لمرحلة انتقالية في بلد أنهكته الحرب، لكن القراءة العميقة تكشف أن الخطاب لا يكتفي بتشخيص الواقع السوري، بل يعيد إنتاجه داخل إطار مفاهيمي أميركي، ويحوله إلى موضوع إدارة استراتيجية.

ما يميز الخطاب ليس مضمونه المباشر، بل بنيته العميقة عبر طريقة تعريف المشكلة، وتوزيع الأدوار، وتحديد الفاعلين، ورسم حدود الممكن، فلا تُقدم سوريا بوصفها ذاتا سياسية مستقلة تعيد صياغة مستقبلها، بل مساحة قرار، وساحة اختبار، وفرصة استراتيجية.

تعريف اللحظة: من تحول سوري إلى فرصة أميركية

يبدأ الخطاب بتوصيف سقوط نظام الأسد باعتباره لحظة تحول تاريخية نادرة، لكن هذه اللحظة لا تُبنى بوصفها انتصارا لإرادة السوريين أو نتيجة تفاعل داخلي معقد، بل تُقدم في سياق تلاقي ظروف إقليمية ودولية من انشغال روسيا بحربها، وتراجع نفوذ إيران، وضربات إسرائيلية، وارتباك حزب الله، في هذا السرد، يتراجع الفاعل المحلي إلى الخلفية، بينما يتقدم ميزان القوى الدولي ليصبح المحدد الرئيس.

الأهم أن “الفرصة” لا تُعرف بوصفها فرصة لسوريا، بل للسياسة الأميركية، فالموضوع المركزي في الشهادة ليس “ماذا تريد سوريا؟” بل “كيف ينبغي للولايات المتحدة أن تنخرط”، وتتحول البلاد من فاعل إلى موضوع، ومن كيان يعيد تشكيل ذاته إلى ملف يُدار ضمن حسابات أوسع.

تمثيل الذات والآخر: أخلاق القيادة وحذر الريبة

في الخطاب، تُرسم صورة واضحة للولايات المتحدة بوصفها الفاعل العقلاني والمتوازن والقادر على الجمع بين الانخراط واليقظة، القرارات الأميركية تُوصف بأنها “استراتيجية وصائبة”، والانخراط يُقدم باعتباره ضرورة أخلاقية وأمنية في آن واحد، وهذه اللغة لا تتضمن مديحا مباشرا، لكنها تؤسس لصورة ضمنية لأن واشنطن هي الضامن والميسر والجهة الوحيدة القادرة على تنسيق ترتيبات إقليمية معقدة.

في المقابل، يُقدم الفاعلون السوريون ضمن توصيف مزدوج، فالحكومة الجديدة براغماتية وغير أيديولوجية إلى حد بعيد، لكنها تضم “جهاديين سابقين”، والأقليات “لديها مخاوف مشروعة”، لكن نفوذ الحكومة يضعف خارج دمشق، والمقاتلون الأجانب يمثلون تحديا، ودمجهم يحتاج إلى يقظة، وهذا البناء اللغوي يحافظ على توازن دقيق بين الطمأنة والتحذير، فلا يمنح شرعية كاملة ولا يسحبها.

بهذه الصورة يُعاد إنتاج علاقة هرمية في المعرفة، فالولايات المتحدة تقيم تراقب وتمنح الثقة بشروط، والفاعلون المحليون يخضعون للتصنيف والاختبار.

أولوية الأمن: الدولة قبل المجتمع

رغم الحضور الإنساني المؤثر في الخطاب عن قصص اللاجئين العائدين، والأطفال والدمار الممتد، فإن مركز الثقل الحقيقي للتوصيات يظل أمنيا – مؤسساتيا، فإعادة فتح السفارة، ومراقبة تهديد داعش، وإصلاح القطاع الأمني، وتنسيق الترتيبات الإقليمية؛ كلها إجراءات تدور في فلك الدولة وأجهزتها.

ما يغيب نسبيا هو الحديث عن العدالة الانتقالية، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإصلاح قضائي عميق، وآليات مصالحة مجتمعية، وكأن الاستقرار يُفترض أن يسبق العدالة، وأن إعادة بناء الأجهزة كافية لإعادة بناء الثقة.

هذا الترتيب ليس عرضيا؛ إنه يعكس تصورا محددا للدولة؛ كيان تُضبط حدوده وتُعاد هيكلة مؤسساته الأمنية أولا، ثم يُترك المجتمع ليلتحق بالاستقرار لاحقا.

المسألة الكردية: وحدة الدولة كافتراض مسبق

في تناول العلاقة بين سلطة دمشق و”قسد”، يُطرح الخلاف بوصفه اختلافا جوهريا بين من يريد سوريا موحدة ومن يفضل بلدا مجزأ، وهذا التأطير يحصر النقاش في ثنائية حادة: وحدة مقابل تفكك، ولا يُناقش بعمق نموذج الفيدرالية أو اللامركزية السياسية كحل وسط محتمل، بل يُختزل النقاش في ضرورة إنهاء “شبه الدولة” داخل الدولة.

تُقدم الدولة المركزية كخيار طبيعي، فيما تُصور أي صيغة حكم ذاتي موسع بوصفها تهديدا للسيادة، وهذا الافتراض يعكس تصورا تقليديا للسيادة لا يخضع للنقاش داخل النص، بل يُبنى عليه.

إسرائيل وتركيا: الأمن بوصفه مبررا

عند تناول الضربات “الإسرائيلية” داخل الأراضي السورية، يُربط السلوك “الإسرائيلي” بحالة “عدم اليقين” تجاه سوريا ما بعد الأسد، والتوصيف هنا يخفف من الطابع الاستباقي أو الاستراتيجي لتلك الضربات، ويضعها ضمن منطق دفاعي، وفي المقابل، يُنظر إلى تنامي نفوذ تركيا بوصفه انعكاسا لاهتمامها بسوريا موحدة.

في كلا الحالتين، يُختزل التنافس الإقليمي في معادلة يمكن إدارتها عبر وساطة أميركية، وتُطرح فكرة أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على تسهيل حوار ذي مصداقية بين سوريا و”إسرائيل”، ولبنان و”إسرائيل”، وهذه العبارة لا تُقدم بوصفها رأيا، بل كحقيقة بديهية، فيتجلى بذلك الهيمنة الرمزية، عبر القدرة على تعريف من يملك شرعية الوساطة.

الاقتصاد: من رفع العقوبات إلى افتراض التدفق

يتعامل الخطاب مع رفع العقوبات بوصفه خطوة ستسمح للمستثمرين بالتكيف والبدء في إعادة الإعمار، غير أن هذا الافتراض يتجاهل جملة من التعقيدات من هشاشة البيئة القانونية، والنزاعات حول الملكية، وضعف البنية القضائية، استمرار شبكات اقتصاد الحرب.

هنا يظهر تصور ليبرالي كلاسيكي مفاده أن إزالة القيود كفيلة بتحفيز السوق، رغم أن التجارب المقارنة في دول ما بعد النزاع تُظهر أن الاستثمار لا يتدفق تلقائيا في غياب ثقة مؤسساتية عميقة.

الصمت بوصفه دلالة

ما لا يُقال في الخطاب لا يقل أهمية عما يُقال، فلا نقاش معمق لمسؤولية السياسات الدولية السابقة في إطالة أمد النزاع، ولا تحليل لتأثير العقوبات على المدنيين خلال سنوات الحرب، ولا مساءلة لحدود القدرة الأميركية أو مخاطر تحويل سوريا إلى ساحة تنافس بالوكالة.

هذا الصمت ليس عرضيا؛ إنه يعكس اختيارا في تحديد نطاق النقاش. فالنص يضبط إطار الأسئلة بحيث تبقى ضمن حدود الإدارة لا المراجعة.

إعادة تعريف الواقع

شهادة مارا كارلين أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي لا تقدم فقط توصيات سياسية، بل تعيد تعريف سوريا ضمن سردية محددة؛ بلد هش عند مفترق طرق، ويحتاج إلى انخراط أميركي مستدام ومدروس، وتُختزل تحدياته في إدارة أمنية – مؤسساتية قابلة للضبط.

الخطاب لا يصف الواقع بقدر ما يسهم في إنتاجه، فهو يحدد من يملك حق التقييم، ومن يملك حق الوساطة، ومن يُعرف بوصفه تهديدا، ومن يُمنح فرصة مشروطة.

وفي لحظة انتقالية بهذا الحجم، تصبح اللغة نفسها جزءا من المعركة على المستقبل، لأنها معركة تعريف الأولويات، وترتيب المخاطر، وتوزيع الشرعيات، وفي هذا المستوى تحديدا، تكمن أهمية قراءة الخطاب لا بوصفه رأيا سياسيا، بل بوصفه ممارسة سلطة عبر الكلمات.

سوريا في خطاب واشنطن: كيف تنتج اللغة سياسة؟
سوريا في خطاب واشنطن: كيف تنتج اللغة سياسة
شهادة مارا كارلين أمام لجنة الشؤون الخارجية • 10 شباط 2026 قراءة تحليلية: إعادة تعريف الواقع
📌 تعريف اللحظة
من تحول سوري إلى فرصة أميركية
سقوط النظام لا يُقرأ انتصاراً سورياً، بل ظرفاً تلاقت فيه انشغال روسيا، تراجع إيران، ضربات إسرائيلية. الفرصة ليست لسوريا بل لواشنطن.
⚖️ تمثيل الذات والآخر
أخلاق القيادة وحذر الريبة
الولايات المتحدة: الفاعل العقلاني، الضامن. الفاعلون السوريون: بين براغماتية و”جهاديين سابقين”. علاقة هرمية في المعرفة: واشنطن تقيم، دمشق تُختبر.
🏛️ أولوية الأمن
الدولة قبل المجتمع
مركز الثقل: إعادة فتح سفارة، تهديد داعش، إصلاح قطاع أمني. ما يغيب: عدالة انتقالية، تفكيك اقتصاد حرب، مصالحة مجتمعية. الاستقرار يُفترض أن يسبق العدالة.
🧩 المسألة الكردية
وحدة الدولة كافتراض مسبق
ثنائية حادة: وحدة مقابل تفكك. الفيدرالية أو اللامركزية السياسية تغيب عن النقاش. “شبه الدولة” تهديد، الدولة المركزية خيار طبيعي غير خاضع للنقاش.
🔤

بنية الخطاب: من يتكلم عن من؟

علاقة هرمية في المعرفة: الولايات المتحدة تُقيّم، الفاعلون السوريون يُختبرون

⚙️

أولويات السياسة: ما يُقدَّم وما يُؤجَّل

مركز الثقل: أمني-مؤسساتي. العدالة والمصالحة في الهامش

🌍

إيران وتركيا وإسرائيل: التأطير اللغوي

الضربات الإسرائيلية = “دفاعية” • النفوذ التركي = “اهتمام بوحدة سوريا” • إيران = تهديد صريح

💰

افتراضات الاقتصاد: رفع العقوبات = تدفق استثمار؟

تصور ليبرالي كلاسيكي: إزالة القيود كفيلة بتحفيز السوق. تجاهل هشاشة قانونية وملكيات.

🔇 الصمت بوصفه دلالة — ما لا يقال في الشهادة
لا مساءلة للسياسات الدولية السابقة
لا نقاش حول دور التدخلات السابقة أو العقوبات في إطالة النزاع وتأثيرها على المدنيين.
غياب العدالة الانتقالية
لا توصيات بشأن آليات المحاسبة، تفكيك اقتصاد الحرب، أو إصلاح قضائي عميق.
حدود القدرة الأميركية
لا تحليل لمخاطر تحويل سوريا إلى ساحة تنافس بالوكالة، أو فشل محتمل للانخراط.
اللامركزية كخيار
الفيدرالية أو الحكم الذاتي غائبان؛ ثنائية وحدة/تفكك تحصر النقاش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *