تكشف محاضرة مفتي سوريا أسامة الرفاعي (6 آذار 2026) عن تناقض سياسي عميق، فهي تبدأ من حدث يفترض قراءة موازين القوة الإقليمية، لكنها تنتهي إلى اختزاله في سردية مذهبية؛ وتعلن رفض التعميم، ثم تبني أحكامها على تعميمات واسعة؛ وتدعو إلى عدم الظلم في التصنيف، فيما تُنتج لغة تدفع إليه.
تنبع خطورتها الفعلية لا بوصفها موقفا من إيران أو من الحرب الجارية فحسب، بل بوصفها مرآة لمأزق السياسة السورية حين تفقد لغتها الحديثة، وتستعير من الدين جهازا تفسيريا شاملا لتصنيف البشر، وفهم التاريخ، وتعيين العدو، وتوزيع البراءة واللعن، إضافة الى صدورها من جهة دينية من المفترض أن لا تقترب من السياسة و لأي سبب.
لا تبدو المحاضرة مجرد مداخلة وعظية في حدث إقليمي، بل فعلا لإنتاج المعنى السياسي، فالرفاعي لا يقدم رأياً في حرب بين الولايات المتحدة – “إسرائيل” وإيران (لم يذكر الولايات المتحدة أبدا) بقدر ما يعيد بناء المشهد كله عبر مفردات الإيمان والكفر، والنفاق والولاء، والاستباحة والمكفرات، فينقل النزاع من مستوى المصالح والاستراتيجيات إلى مستوى الطبيعة الأخلاقية والجوهرية للخصوم، وهنا تحديدا يصبح الدين ليس مرافقا للسياسة، بل بديلا منها.
حين يحل التصنيف العقدي محل التحليل السياسي
ما يلفت في المحاضرة أنها تنطلق من الاعتراف بالفوضى السياسية، لكنها لا تسعى إلى تبديدها بأدوات التحليل السياسي، بل تستبدلها بما تسميه “فوضى دينية”، ثم تجعل علاج هذه الفوضى في التصنيف العقدي، وبهذه الحركة المزدوجة، يجري إزاحة السياسة وإعادة صياغتها داخل منطق لاهوتي، فالولايات المتحدة التي لم يذكرها الرفاعي، و”إسرائيل” وإيران، والوظائف الإقليمية، وتوازنات الردع، والتحولات بعد 2011، كلها لا تعود مركزية في ذاتها، بل تصير شواهد على حقيقة أسبق؛ الانحراف الديني والمؤامرة المذهبية.
هذه ليست مجرد أفكار متناثرة، بل جزء من “مخيال اجتماعي” يعيد للناس تصورهم عن أنفسهم وعن العالم المحيط بهم، والمحاضرة تشتغل بدقة على هذا المستوى، فلا تقدم معلومات بقدر ما تبني تصورا للعالم السوري بعد الكارثة، وفي هذا التصور، لا تعود سوريا ساحة صراع بين استبداد محلي وتدخلات إقليمية ودولية، بل تصبح ميدانا لمعركة طويلة بين “أهل السنة” من جهة، وكيان متخف وممتد تاريخيا من جهة أخرى، فيجري منح الألم السوري شكلا ميتافيزيقيا، وتحويل المأساة من حدث سياسي إلى سردية هوية.
من كفتارو إلى حسون إلى الرفاعي: ثلاثة أنماط لتدخل الدين في السياسة
لفهم موقع الرفاعي اليوم، لا يكفي أن نقرأ نص المحاضرة وحده؛ بل ينبغي أن نضعه في سياق تطور وظيفة منصب المفتي نفسه في سوريا، فموقع الإفتاء لم يكن ثابتا عبر العقود، بل تغيّر بتغيّر علاقة الدولة بالدين، فأحمد كفتارو، الذي تولّى الإفتاء من عام 1964 حتى وفاته عام 2004، كان في كثير من القراءات البحثية شخصية رمزية أكثر من كونه صاحب سلطة مؤسسية فعلية؛ نفوذه جاء من شبكته وعلاقاته ومكانته الدينية، لا من استقلال مؤسسة الإفتاء، وانسجم مع صيغة هدفت إلى إعادة تشكيل الحقل الديني من دون إدماجه الكامل في بيروقراطية الدولة، مع تقديم إسلام متصالح مع الحداثة والحوار بين الأديان.
أما أحمد بدر الدين حسون، فقد ارتبط اسمه خلال سنوات المنصب بالمشهد الديني الرسمي في عهد بشار الأسد، وخلال احتجاجات 2011 أوردت تقارير لوكالة رويترز أنه كان من بين رجال الدين الذين بقوا مؤيدين للسلطة، وكان موقفه من منطق رفض التشدد الديني، وفي تشرين الثاني 2021 ألغي منصب المفتي بمرسوم رئاسي نقل قدرا أكبر من الصلاحية الدينية المؤسسية إلى مجلس الفقه في وزارة الأوقاف.
جاء أسامة الرفاعي في سياق سياسي مختلف جذريا عن سابقيه، ليس فقط بسبب التحول الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام، بل أيضا بسبب طبيعة الدور الذي يمنحه لمنصب الإفتاء في المجال العام، ففي عهد أحمد كفتارو ثم أحمد بدر الدين حسون لم يكن المفتي، في الغالب، طرفا في تحليل الصراعات السياسية أو في إنتاج قراءات تفصيلية للأحداث الإقليمية، بل بقي دوره أقرب إلى وظيفة دينية رمزية أو خطاب أخلاقي عام يتقاطع مع خطاب الدولة.
أما في خطاب الرفاعي، فيبدو أن المنبر الديني يتحول إلى أداة تفسير مباشر للسياسة الإقليمية، حيث تقرأ التحالفات والحروب من خلال إطار ديني وتاريخي واسع، وهنا يظهر التحول الحقيقي؛ ليس في تغير الموقف السياسي فحسب، بل في انتقال الإفتاء من موقع التعليق الديني العام إلى موقع إنتاج تفسير سياسي للعالم عبر اللغة الدينية.
هنا تكمن المفارقة الأهم فالرفاعي يختلف عن حسون في الموقع السياسي، ويختلف عن كفتارو في البنية الرمزية للخطاب، فهو يستخدم الدين أداة لتشكيل المجال السياسي وتأطير السياسة السورية ما بعد الأسد ضمن سردية هوية سنية.
بين المرجعية الأخلاقية والهيمنة التفسيرية
ليست المشكلة في حضور الدين داخل المجال العام من حيث المبدأ، ولكن الدين ملزم بالانسحاب من السياسة كي تكون السياسة عقلانية، فالمشكلة تبدأ حين يفشل الخطاب الديني في ترجمة نفسه إلى لغة مشتركة قابلة للتداول العام، ويصر بدلا من ذلك على فرض منطقه الداخلي بوصفه التفسير الوحيد للتاريخ والمجتمع، وهذا هو المنزلق الذي تقترب منه المحاضرة بوضوح، فهي لا تناقش السياسة فقط بل تنهي النقاش السياسي عبر الإحالة إلى يقين عقدي.
هنا يفارق الرفاعي كفتارو، فالأخير قدّم إسلاما مهادنا للدولة، دون الحدة السياسية المباشرة، ومؤهلا للتعايش مع صورة النظام عن نفسه بوصفه حاميا للتعددية، أما الرفاعي، فإنه يقدم إسلاما تعبويا أخلاقي النبرة، لكنه شديد الميل إلى بناء العالم عبر ثنائية الفرقة الناجية والعدو المتخفي، يذيب السياسة في خطاب الهوية، فتضييق المساحة التي يمكن أن تنشأ فيها لغة عامة مشتركة بين السوريين.
تطييف المأساة السورية وإعادة بناء العدو
أخطر ما في المحاضرة أنها تستدعي المجازر والقتل والتهجير لا لتأسيس خطاب عدالة سياسية أو مساءلة قانونية، بل لتبرير فرز ديني يتدرج من الوصف إلى التكفير، فهي تستخدم المعاناة بوصفها برهانا عقديا، وهذا أحد أكثر أشكال تديين السياسة خطورة حين لا تعود الذاكرة الجماعية أفقا للمواطنة والإنصاف، بل مادة لإعادة ترسيم الحدود الطائفية.
صحيح أن الرفاعي يحاول نظريا وضع حدود للتعميم، فيكرر أن “الشيعة ليسوا كلهم كفارا” وأن “الفرس ليسوا جميعا كذلك”، لكن البنية العامة للمحاضرة تجعل هذا التحفظ أقرب إلى فرملة لفظية داخل مسار يتجه أصلا نحو التعميم، فاللغة لا تعمل هنا بحكمها النهائي فقط، بل بمناخها التأويلي الكامل، وحين يربط التاريخ الإيراني، والعنف الأهلي السوري، والاختلاف العقدي، في سردية واحدة، يصبح الاستثناء النظري شبه بلا أثر عملي.
أزمة المجال العام السوري
هذه المسألة لا تخص الرفاعي وحده، بل تخص المجال السوري كله، حيث تتآكل اللغة الوطنية الجامعة، وتضعف القدرة على تفسير العنف بلغة المؤسسات والمصالح والسيادة والقانون، وفي هذا الفراغ المتعمد، عاد الدين لا باعتباره إيمانا شخصيا أو مرجعية قيمية، بل باعتباره البديل الأسرع عن السياسة، حيث يقدّم قاموسا كثيفا ومتماسكا وعاطفيا قادرا على إشباع الحاجة إلى المعنى، وإلى تسمية الألم، وإلى تعيين العدو.
لكن ما يبدو قوة تفسيرية هو في الحقيقة تعطيل للفهم، فالدول لا تتحرك بدوافع مذهبية، والتحالفات ليست استمرارا مباشاً لكتب الفرق، والفاعلون الإقليميون لا يُختزلون في عقائدهم المعلنة، فيقدم الدور الإيراني الإقليمي كحالة طائفية عبر التسييس الطائفي بتطييف أشد إحكاما للوعي العام.
الحاجة إلى لغة وطنية تتجاوز الفتوى
سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الهويات الجريحة التي تبحث عن خلاصها في نفي الآخر، بل إلى لغة عامة تفهم الإقليم كما هو: شبكة مصالح وصراعات وقوى، لا أسطورة واحدة عن الشر.
في هذا المعنى، تكشف محاضرة أسامة الرفاعي عن أكثر مما تعلن، إنها لا تقول فقط كيف ينظر رجل دين إلى إيران والحرب، بل تقول كيف يعاد تشكيل السياسة السورية نفسها حين تعجز عن إنتاج مفاهيمها الخاصة، والسؤال هل يكون الدين ضميرا، أم يصبح لغة تستولي على السياسة وتعيد صياغتها؟ ما تقترحه هذه المحاضرة، هو الاحتمال الثاني. وذلك ليس انتصارا للدين، بل علامة على هشاشة المجال العام السوري، وعلى حاجته الملحة إلى عقل سياسي لا يختزل الوطن في مذهب، ولا التاريخ في خصومة، ولا العدالة في فتوى.
أسامة الرفاعي وتديين السياسة السورية
تحليل نقدي لمحاضرته حول إيران والحرب الإقليمية · 6 آذار 2026
| المفتي | الفترة | نمط الخطاب | العلاقة بالسياسة |
|---|---|---|---|
| أحمد كفتارو | 1964–2004 | رمزي، شبكات شخصية، حوار أديان | منسجم مع الدولة، دون اندماج كامل |
| أحمد بدر الدين حسون | 2005–2021 | رسمي، داعم للسلطة، رفض التشدد | خطاب أخلاقي يتقاطع مع الدولة |
| أسامة الرفاعي | 2025– | تفسير سياسي عبر اللغة الدينية، ثنائيات عقدية | إنتاج سياسي بديل، تديين الصراع |
تبدأ بقراءة موازين القوة الإقليمية، لكنها تنتهي إلى اختزاله في سردية مذهبية. تفقد السياسي وتستبدله باللاهوتي.
تعلن رفض التعميم (الشيعة ليسوا كلهم كفاراً، الفرس ليسوا جميعاً كذلك)، ثم تبني أحكامها على تعميمات واسعة في البنية العامة.
تستخدم المجازر والقتل والتهجير لا لتأسيس خطاب عدالة سياسية، بل لتبرير فرز ديني يتدرج من الوصف إلى التكفير.
تستبدل “الفوضى السياسية” بما تسميه “فوضى دينية”، وتجعل علاجها في التصنيف العقدي، فتغلق باب التحليل السياسي.
🔍 الخلاصة التحليلية: تكشف محاضرة الرفاعي عن مأزق السياسة السورية حين تفقد لغتها الحديثة، وتستعير من الدين جهازاً تفسيرياً شاملاً لتصنيف البشر وفهم التاريخ وتعيين العدو. ليست المشكلة في حضور الدين بالمجال العام، بل في فرض منطقه الداخلي بوصفه التفسير الوحيد للتاريخ والمجتمع. سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الهويات الجريحة، بل إلى لغة عامة تفهم الإقليم كشبكة مصالح وصراعات، لا أسطورة واحدة عن الشر.

