اجتماعات باريس بين سوريا و”إسرائيل”: قراءة نقدية في حدود التفاوض وسيناريوهات الفشل

بعيدا عن صخب الميدان في الجولان أو دمشق، التقى وفدان من دولتين لم تعودا موجودتين كما كانتا، وفد سوري يمثل دولة فقدت سيادتها على الجغرافيا قبل أن تفقدها على المعنى، ووفد “إسرائيلي” يمثل دولة تتوهم أن الأمن الدائم يمكن أن يبنى فوق هشيم الحروب الدائمة، وبينهما، يجلس الأمريكيون والفرنسيون، شهودا على تكرار التاريخ لا على صناعته.
اجتماعات باريس بين الوفدين السوري و”الإسرائيلي” التي انعقدت في مطلع عام 2026 ليست مجرد مفاوضات حول حدود أو خطوط فض اشتباك، بل مرآة لتحولات ما بعد انهيار النظام السوري، ولبدايات نظام شرق أوسطي جديد، يدار من الخارج ويطبخ ببطء تحت أنقاض القديم.

جغرافيا تفاوض فوق خرائط ميتة

كل جولة هي إعادة ترتيب للخرائط بالدم، وباريس ليست صدفة، فالعواصم الأوروبية الكبرى كانت المسارح التي تكتب فيها نصوص المشرق، قبل أن تنفذ فصولها في الصحراء والجبال، وفي قلب أوروبا القديمة، تجتمع أطراف حرب لم تعلن رسميا، لكنها لم تتوقف يوما منذ 1974.

“إسرائيل” تأتي إلى الطاولة محملة بثقة المنتصر وبخوفه في آن واحد، أما سوريا الجديدة فتأتي بلا أوراق تفاوض حقيقية سوى الرغبة في البقاء ككيان سياسي، وبينهما يقف الوسيط الأمريكي ليس بزي العسكري أو بوجه المحافظين الجدد، بل ببراغماتية باردة ترى في التهدئة المؤقتة أداة لإدارة الفراغ، لا لملئه.

باريس كرمز لانتهاء “العقيدة القديمة”

منذ اتفاق فض الاشتباك عام 1974، تشكل بين سلطة دمشق و”تل أبيب” نظام توازن حذر أكثر منه عقد إذعان أو هدنة مؤقتة، وكان الطرفان يدركان حدود قوتهما وإمكاناتهما، فحافظ كل منهما على معادلة دقيقة؛ “هدوء مضبوط مقابل استقرار متبادل”.
“إسرائيل” وجدت في وجود سلطة مركزية في دمشق ضمانة لعدم انزلاق الحدود إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها، فيما رأت سوريا في ضبط الإيقاع الميداني عند الجولان وسيلة لحماية عمقها الاستراتيجي وتكريس حضورها كفاعل إقليمي يحسب حسابه، لا كطرف تابع.

غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيا مع التحولات التي أصابت البنية السورية منذ عام 2011، قبل أن ينهار تماما مع سقوط النظام في ديسمبر 2024، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة فقدت فيها الحدود القديمة معناها، وتبدلت معها معادلات الردع التقليدية التي صمدت نصف قرن تقريبا.

اليوم، لم تعد إسرائيل تواجه دولة ذات قرار مركزي، بل فسيفساء من القوى المحلية المدعومة دوليا؛ بعضها موال لإيران، وبعضها لروسيا، وبعضها يعيش تحت حماية فرنسية أو أمريكية.
تدرك إسرائيل أن العودة إلى اتفاق 1974 لم تعد ممكنة، وأن عليها هندسة “نظام حدودي جديد” قائم على أمن وظيفي لا سياسي، فهناك خطوط مراقبة، ومناطق منزوعة السلاح، واتصالات مباشرة مع سلطات محلية، لا مع دمشق الرسمية فقط.

في المقابل، يحاول الوفد السوري في باريس إعادة تعريف “السيادة” في زمن التعدد، والسيادة اليوم ليست بالجيش أو العلم، بل بالقدرة على التفاوض باسم خريطة لم تعد موحدة.
ولهذا، يبدو أن المفاوض السوري يتحدث لغة ما قبل التاريخ، بينما يتحدث “الإسرائيلي” لغة ما بعد الجغرافيا.

التفاوض بين الخوف والوهم

ما يميز جولة باريس ليس مضمونها الأمني، بل الطبيعة الوجودية التي تحيط بها، فـ”إسرائيل” تخشى من أن يتحول الجنوب السوري إلى فضاء مفتوح أمام احتمالات مختلفة، وهو ما تعتبره تهديدا استراتيجيا غير محتمل.
لكنها في الوقت نفسه تدرك أن انهيار سوريا الكامل سيجعل حدودها الشمالية بلا سقف، وأن الفوضى الدائمة أسوأ من الخصم الثابت.

أما السوريون أو بالأحرى ممثلو الكيانات السورية الجديدة فيخشون من أن تتحول هذه الاجتماعات إلى شرعنة لتقسيم الأمر الواقع، وأن يكون “الاتفاق الأمني” مقدمة لتكريس الحدود داخل الدولة الواحدة، لا بين دولتين.
إنهم يتفاوضون تحت سقف الإكراه الجغرافي؛ إما قبول الحماية الدولية المشروطة، أو مواجهة التفكك الداخلي بلا غطاء.

هكذا، يتحول التفاوض من بحث عن تسوية إلى محاولة لتأجيل الانهيار، وإدارة الانحدار بدلا من منعه.

ما وراء اللغة الدبلوماسية: اتفاق بلا اتفاق

المعلومات الواردة من باريس تؤكد أن الجولة الأخيرة انتهت بتفاهمات اقتصادية دون نتائج سياسية حاسمة، لكن بعض التفاصيل الصغيرة تحمل دلالات كبرى:

  1. الاتفاق على إنشاء خط تواصل مباشر بين الجانبين وهو إجراء تقني يبدو بسيطا، لكنه يعني الاعتراف المتبادل بوجود “طرف” يمكن الحديث معه.
  2. اقتراح أمريكي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح ذات طابع اقتصادي وهو مصطلح جديد في قاموس الصراع السوري – “الإسرائيلي”، يوحي بأن الأمن بات مرتبطا بالاقتصاد لا بالسياسة.
  3. رفض سوري لأي صيغة تمس السيادة الرمزية، مقابل إصرار “إسرائيلي” على بقاء بعض نقاط المراقبة العسكرية في الجولان.

هذه التفاصيل تكشف أن المفاوضات ليست حول السلام، بل حول تنظيم إدارة الحرب، وهي ليست مشروع مصالحة بقدر ما هي هندسة دائمة للاحتمالات.

سيناريوهات الفشل: الطريق إلى الهاوية

وراء الهدوء الدبلوماسي الذي لف اجتماعات باريس، تختبئ هشاشة البنى التي تستند إليها العملية التفاوضية ذاتها، فالفشل هنا لا يتجلى في غياب الاتفاق فحسب، بل في الأسس المتصدعة التي يقوم عليها مفهوم الدولة والحدود والضامن الدولي.

  1. الفشل البنيوي

أول أسباب الفشل كامنة في البنية نفسها حيث لا يوجد كيان سوري موحد قادر على الالتزام بأي اتفاق،
فالوفد السوري في باريس لا يمثل سوى جزء من السلطة المعترف بها دوليا، فيما تبقى مناطق أخرى خارج سيطرته، فحتى لو تم توقيع اتفاق، سيظل تطبيقه مستحيلا في الميدان.

  • الازدواج الأمريكي–الإسرائيلي

رغم أن الولايات المتحدة هي الراعي الرئيسي للمحادثات، إلا أن أولوياتها تختلف جذريا عن أولويات “إسرائيل”، فواشنطن تريد الاستقرار وإبقاء إيران محصورة ضمن حدودها، بينما تسعى “تل أبيب” إلى هندسة واقع أمني طويل الأمد يمنحها حرية الضرب داخل سوريا متى شاءت.
هذا التناقض في الأهداف يجعل الوساطة الأمريكية جزءا من المشكلة لا من الحل.

  • غياب العمق العربي

منذ اتفاقات أبراهام، تراجع الدور العربي في الصراعات المركزية، فغياب القاهرة والرياض وعمان عن طاولة باريس يجعل الاتفاق، إن تم، منزوع الغطاء الإقليمي، محكوما بالفشل عند أول اختبار ميداني، فالمعادلات الأمنية في المشرق لا يمكن أن تحسم دون محيطها العربي، مهما بلغ الدعم الدولي.

  • الاقتصاد كبديل هش للأمن

الحديث عن “منطقة اقتصادية منزوعة السلاح” هو إشارة إلى انهيار مفهوم الدولة السيادية في الإقليم، ولكن الاقتصاد لا يمكنه أن يحل محل الجغرافيا أو التاريخ، ففي بلد مثل سوريا، حيث تدار المناطق بالولاءات والسلاح، لن تصمد أي ترتيبات اقتصادية أمام ديناميات الانقسام.

  • الزمن ضد التسوية

كل يوم يمر دون اتفاق يجعل العودة إلى نقطة التوازن أصعب، فالفاعلون الميدانيون يتغيرون، والمصالح تتبلور في غياب الدولة، وما يناقش اليوم في باريس يصبح بلا معنى غدا حين تتبدل خرائط السيطرة على الأرض.

باريس كمرثية لا كأمل

في ضوء هذه المعطيات، تبدو اجتماعات باريس أقرب إلى مرثية دبلوماسية لشرق أوسط ما بعد الدول، فليست هناك إرادة سياسية حقيقية لصنع سلام، بل إرادة لإدارة الركام بأقل خسائر ممكنة، وكل طرف يفاوض من موقع هش، وكل ضمانة تبدو مشروطة بانهيار جديد قادم.

الخرائط الحقيقية ترسم لا بالحدود، بل بموازين الخوف، وباريس اليوم تجسد تلك المقولة تماما؛ خريطة خوف متبادل، ترسم على الطاولة بأقلام ناعمة، لكنها ستختبر على الأرض بالنار.

ما بعد باريس

لن تغير اجتماعات باريس ميزان القوى في المدى المنظور، لكنها ستؤسس لمنطق جديد في إدارة الشرق الأوسط عبر الهدوء المشروط مقابل التفكك المنظم.
“إسرائيل” ستحتفظ بمناطق نفوذها تحت ذرائع أمنية، وسوريا ستمنح “سيادة رمزية” على ما تبقى من أراضيها، بينما تبقي القوى الغربية يدها على مفاتيح الاستقرار الهش، ويتحول التفاوض إلى مسرح رمزي لـ”جغرافيا القدر” حيث لا تمنح الدول خيارا سوى أن تتأقلم مع حدودها المفروضة، أو تمحى منها.

باريس، في هذا المعنى، ليست بداية جديدة، بل نقطة فاصلة في مسار الانحدار، فهي المكان الذي يكتب فيه التاريخ بلغة دبلوماسية باردة، بينما تصرخ الجغرافيا من تحت الطاولة؛ لا سلام فوق الخرائط الميتة.

باريس.. حيث يلتقي الرماد بالرماد – تحليل المفاوضات السورية الإسرائيلية

باريس.. حيث يلتقي الرماد بالرماد

قراءة نقدية في المفاوضات السورية–الإسرائيلية 2026
الموقع: باريس، فرنسا
التاريخ: مطلع 2026
الوسطاء: أمريكا، فرنسا

تحليل مرئي للمفاوضات والمواقف

موازين القوى التفاوضية

الوفد الإسرائيلي
الوفد السوري

دوافع وأهداف الأطراف

إسرائيل
سوريا
الوسطاء الدوليين

سيناريوهات الفشل المحتملة

التوزيع الجغرافي للنفوذ في سوريا

أبرز النتائج والمقترحات التفاوضية

1. خط التواصل المباشر
إنشاء خط تواصل مباشر بين الجانبين كإجراء تقني يعني الاعتراف المتبادل بوجود “طرف” يمكن الحديث معه.
2. المنطقة الاقتصادية المنزوعة السلاح
مصطلح جديد في قاموس الصراع يوحي بأن الأمن بات مرتبطاً بالاقتصاد لا بالسياسة.
3. الحفاظ على السيادة الرمزية
رفض سوري لأي صيغة تمس السيادة الرمزية مقابل إصرار إسرائيلي على بقاء نقاط المراقبة في الجولان.

مسار العلاقات السورية الإسرائيلية

1974
اتفاق فض الاشتباك وإنشاء نظام توازن حذر بين الطرفين استمر لعقود
2011
بداية التحولات في البنية السورية وتآكل التوازن التقليدي
2024
سقوط النظام السوري التقليدي وانهيار معادلات الردع
2026
اجتماعات باريس لمفاوضات في ظل واقع جديد بعد انهيار الدولة التقليدية
ملاحظة تفاعلية: يمكنك النقر على عناصر المفتاح (Legends) لإظهار/إخفاء البيانات، وتحريك المؤشر على الرسوم البيانية لعرض التفاصيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *