الأمن الإقليمي في زمن السحابة: كيف تعيد البيانات رسم خرائط القوة حول إسرائيل؟

لم تعد خرائط الشرق الأوسط تُرسم فقط بالجبال والأنهار وخطوط الهدنة، بل باتت تُرسم أيضا بطبقات غير مرئية من الشيفرات والخوادم ومراكز البيانات، والجغرافيا ما زالت قدرا، كما أحب أن يكرر مؤرخو الاستراتيجية، لكنها لم تعد وحدها المحدد لمسارات القوة، ففوق اليابسة، وتحت البحر، وفي الفضاء الكهرومغناطيسي، تتشكل طبقة جديدة من النفوذ؛ إنها السحابة الرقمية.

في هذا الإقليم الذي تعاقبت عليه الإمبراطوريات، من العثمانيين إلى القوى الأوروبية، وصولا إلى الحرب الباردة، يدخل عامل جديد يعيد ترتيب موازين الردع: من يملك البيئة التشغيلية التي تعمل عليها الدولة؟ من يملك مفاتيح التشفير؟ ومن يستطيع إبقاء النظام قائما حين تتعطل البنية المادية تحت القصف أو الانهيار؟

الجغرافيا لا تموت… لكنها تُستكمل بالبيانات

كانت الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، وبشكل متكرر، مسرحا لتوازن ردع هش، تحكمه تضاريس الجنوب اللبناني، وعمق الجليل، وحسابات الصواريخ والأنفاق، لكن العقد الأخير أضاف طبقة أخرى؛ تتلخص بالاستشعار والمعالجة اللحظية للبيانات.

تطور المفهوم العسكري “الإسرائيلي” من مجرد جمع معلومات إلى ما يُعرف بـ”الاستهداف القائم على الشبكات”، حيث تتحول الاتصالات، وحركة الهواتف، وكثافة الإشارات، وصور الأقمار الصناعية، إلى صورة عملياتية متكاملة تُنتج الهدف في دقائق، وهذا النموذج يستند إلى بنى حوسبية متقدمة، لا تعمل في غرف عمليات تقليدية، بل داخل بيئات سحابية قادرة على معالجة تدفقات هائلة من البيانات في الزمن الحقيقي.

في هذا السياق، لم يكن مشروع السحابة الحكومية “الاإسرائيلي” الذي أُطلق عام 2021 “Project Nimbus ” مجرد عقد تجاري لنقل خدمات حكومية إلى شركات خاصة، بل جزءا من عقيدة “الاستمرارية تحت النار”، وضمان أن تبقى الدولة قادرة على اتخاذ القرار حتى لو تعطلت منشآتها المادية.

هنا تتلاقى التكنولوجيا مع الجغرافيا، فكما منحت الهضاب والمرتفعات ميزة عسكرية في الحروب التقليدية، تمنح القدرة الحاسوبية ميزة حاسمة في الحروب الهجينة.

من يملك المنصة يملك الإيقاع

تُهيمن على سوق الحوسبة السحابية شركات أميركية كبرى:

  • Amazon Web Services
  • Microsoft Azure
  • Google Cloud
  • Oracle

هذه الشركات لا توفر مساحة تخزين فحسب؛ إنها تضع “البنية التشغيلية” التي تقوم عليها أنظمة الضرائب والجمارك والدفاع والمالية، ومع مرور الوقت، تتحول هذه البنية إلى لغة الدولة ذاتها، والخروج منها يصبح مكلفا إلى حد يُعرف في أدبيات الحوكمة الرقمية بـ”الاحتجاز البنيوي”.

في الشرق الأوسط، حيث تتداخل التحالفات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، يصبح اختيار المنصة السحابية قرارا استراتيجيا، لا يقل حساسية عن اختيار نظام تسليح أو اتفاقية دفاع مشترك، فالدولة التي تبني مؤسساتها على بيئة تشغيل خاضعة لقوانين دولة أخرى، تُدخل عنصرا خارجيا في صميم سيادتها الرقمية.

القانون كسلاح غير مرئي

عام 2018، أقر الكونغرس الأميركي CLOUD Act، الذي يسمح للسلطات الأميركية بطلب بيانات من شركات خاضعة لولايتها القضائية، حتى لو كانت الخوادم خارج الأراضي الأميركية.

المسألة هنا ليست اتهاما أو نوايا، بل بنية قانونية، فلم يعد موقع الخادم هو الذي يحدد السيادة، بل جنسية الشركة المالكة للمنصة، وعندما يُقرأ هذا القانون في ضوء تحالف Five Eyes كشبكة استخبارية تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا لتبادل المعلومات الإلكترونية واعتراض الاتصالات، تتضح شبكة تبادل المعلومات التي تحكم البيئة الرقمية العالمية.

في الإقليم، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية في مجالات الأمن والتكنولوجيا، يصبح هذا الإطار القانوني جزءا من معادلة القوة، فالوصول النظري إلى البيانات، حتى ضمن إجراءات قانونية، يضيف طبقة ضغط في لحظات الأزمات.

الحرب كاختبار للقدرة الحاسوبية

في الولايات المتحدة، لم يكن الانتقال من مشروع JEDI Joint Enterprise Defense Infrastructure (البنية الدفاعية الموحدة المشتركة)، الذي هدف إلى إنشاء سحابة عسكرية موحدة لوزارة الدفاع إلى مشروع JWCC Joint Warfighting Cloud Capability  (القدرة السحابية المشتركة للقتال)، الذي اعتمد نموذجا متعدد المزودين، مجرد إعادة توزيع لعقود تكنولوجيا المعلومات، بل إقرارا بأن التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين يقوم على القدرة الحاسوبية ومعالجة البيانات اللحظية بقدر ما يقوم على السيطرة الجوية أو البحرية.

طورت الصين أيضا نموذجا يدمج السحابة الوطنية بالمجمع الصناعي الدفاعي لتغذية أنظمة القيادة والسيطرة بالذكاء الاصطناعي، بينما ربطت “إسرائيل” بنيتها السحابية مباشرة بزمن اتخاذ القرار العملياتي، بحيث يصبح تسريع إنتاج “الهدف” عنصرا حاسما في ميزان الردع.

يتحول الأمن الإقليمي إلى معادلة ثلاثية:

  1. الجغرافيا.
  2. الإرادة السياسية.
  3. القدرة الحاسوبية.

الدول المحيطة بـ”إسرائيل” في قلب التحول الرقمي

ليست دولة واحدة فقط من تقف في قلب هذا التحول، بل مجمل الدول المحيطة بـ”إسرائيل”، من لبنان وسوريا والأردن إلى مصر، وصولا إلى الفضاء الفلسطيني، فتجد نفسها في بيئة إقليمية تتزايد فيها أهمية التفوق المعلوماتي كركيزة للأمن القومي، معظم هذه الدول تعاني بدرجات متفاوتة من اختلالات بنيوية: اقتصادات مثقلة بالديون أو الضغوط الاجتماعية، بنى تحتية رقمية غير مكتملة، وتحديات سياسية أو مؤسساتية تحد من القدرة على صياغة استراتيجية سيادية متكاملة في المجال الرقمي، وهي تواجه دولة جعلت من التفوق التكنولوجي، خصوصا في مجالات البيانات والاستخبارات السيبرانية، عنصرا مركزيا في عقيدتها الأمنية.

السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الدول ستدخل الاقتصاد الرقمي، فهي دخلته بالفعل بحكم الترابط المالي والتجاري والتقني العالمي، بل كيف ستتموضع داخله؛ هل بوصفها مستخدما لمنصات خارجية تدار وفق بيئات قانونية واستراتيجية لا تتحكم بها، أم بوصفها كيانات سيادية تملك مفاتيح تشغيل أنظمتها الحساسة وتتحكم بطبقة التشفير وإدارة البيانات؟

إن غياب أطر حديثة لحوكمة البيانات، وعدم وجود تصنيف وطني واضح للمعلومات الحساسة، وافتقار العديد من هذه الدول إلى إدارة سيادية لمفاتيح التشفير، يجعل بيئاتها الرقمية أكثر عرضة للاعتماد الخارجي البنيوي، ففي زمن السلم، يبدو الأمر تحديثا إداريا طبيعيا أو انخراطا في العولمة التقنية؛ أما في زمن الأزمات أو الحروب، فإنه يتحول إلى مسألة تتعلق باستمرارية الدولة نفسها، وقدرتها على إبقاء أنظمتها تعمل بمعزل عن الضغوط أو الاختراقات أو القيود المفروضة من خارج حدودها.

التكنولوجيا كقطب جيوسياسي

وصف الباحث الأميركي Ian Bremmer  النظام الدولي الراهن بأنه “Technopolar” عالم تصبح فيه شركات التكنولوجيا مراكز قوة تتجاوز دولا من حيث الإنفاق والقدرة الحاسوبية.

في الشرق الأوسط، حيث الدول ضعيفة نسبيا أمام القوى الكبرى، يُضاعف هذا الواقع من هشاشة السيادة. فالشركات تعمل ضمن أطر قانونية واستراتيجية لدولها الأم، مهما حاولت إظهار الحياد التجاري.

الأمن الإقليمي، إذا، لم يعد يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بعدد مراكز البيانات، وقدرة الدولة على إدارة مفاتيحها الرقمية، وتعدد منصاتها التشغيلية.

خرائط جديدة للصراع

إذا كانت الحروب العربية–الإسرائيلية في القرن الماضي تدور حول خطوط الهدنة والمياه والمرتفعات، فإن صراعات العقد المقبل ستدور حول الخوادم ومفاتيح التشفير وطبقات البرمجيات.

السيادة في هذا السياق لا تعني الانعزال عن المنصات العالمية، بل بناء طبقة سيادية فوقها:

  • إدارة وطنية لمفاتيح التشفير.
  • استراتيجية تعددية للمنصات.
  • تصنيف وطني للبيانات الحساسة.
  • إطار قانوني حديث يوازن بين الانفتاح والحماية.

بين البحر والسحابة

الشرق الأوسط منطقة بحرية – برية بامتياز، تملك مضائق وسواحل وجبال، واليوم تُضاف إليها طبقة رابعة: السحابة.

من يسيطر على البحر يسيطر على التجارة.
ومن يسيطر على الجو يسيطر على الحرب.
ومن يسيطر على البيانات يسيطر على الإيقاع.

الأمن الإقليمي في ظل المعطيات الرقمية ليس مسألة تقنية، بل مسألة بقاء، فهو اختبار لقدرة الدول على التكيف مع عالم تُدار فيه السلطة عبر خوارزميات بقدر ما تُدار عبر الجيوش.

وفي عالم تتداخل فيه الجغرافيا بالبيانات، لا تكفي الخرائط الورقية، فالخرائط الجديدة تُكتب بالشيفرة، ومن لا يدرك منطقها، يُعاد تشكيل موقعه داخلها.

السيطرة الرقمية – تصميم متوافق مع الجوال

📊 التحكم بالبنية التشغيلية

مصفوفة القوى الرقمية
تقني · قانوني · عسكري
البعد التقني
البعد القانوني
البعد العسكري

توزيع الهيمنة السحابية

الحصة السوقية للشركات الكبرى (نسب تقديرية 2023)

تسريع القرار العسكري

زمن إنتاج الهدف: من ساعات إلى دقائق

الهيمنة التقنية

بنية تحتية
حجم السوق العالمي $600B+
قيمة سوق الحوسبة السحابية 2023. السحابة = “نظام تشغيل” للاقتصاد والأمن.
الشركات المهيمنة
AWS · Azure · Google · Oracle — النفوذ الرقمي مركّز.
4 شركات أميركية
حادثة الاتصالات
اضطراب مسارات بيانات في سنترال حدودي لثوانٍ دون ضغط تقني واضح.
هشاشة البنية أمام اختبارات غير تقليدية
مفاتيح التشفير
امتلاك مفاتيح التشفير يمنع الوصول القانوني بموجب قوانين مثل CLOUD Act.
مفاتيح التشفير = جوهر السيادة الرقمية

العقيدة العسكرية

استهداف · حروب
Network Centric Targeting
دمج الاتصالات، الحركة، الصور، والبيانات لبناء هدف استخباري.
زمن الإنتاج: من ساعات إلى دقائق
Project Nimbus (إسرائيل)
نقل البنية الحكومية إلى سحابة خاصة لضمان “الاستمرارية تحت النار”.
الاستمرارية في الحرب تعتمد على السحابة
النموذج الصيني
دمج السحابة بالمجمع الصناعي الدفاعي. تشغيل القيادة بالذكاء الاصطناعي.
مركزية البيانات في العقيدة العسكرية
JEDI ← JWCC
الانتقال من مزود واحد إلى نموذج متعدد (AWS, Azure, Google, Oracle).
التفوق العسكري قائم على الحوسبة
*مرر/المس البطاقات لعرض التفاصيل | تصنيف ثلاثي: تقني · قانوني · عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *