شهدت قمة “كونكورديا” السنوية في نيويورك عام 2025 مشاركة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في حوار مع الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بتريوس.
الحوار لم يكن عاديا، حيث تناول قضايا محورية تتعلق بماضي الشرع المثير للجدل، ورؤيته لمستقبل سوريا بعد سقوط النظام السابق، إلى جانب ملفات حساسة مثل العلاقة مع الغرب، والقضية الكردية، والأفق المحتمل للعلاقة مع “إسرائيل”.
أهمية هذا اللقاء لا تكمن في ظهوره كمنصة دولية جديدة للشرع، بل في طبيعة الأسئلة المطروحة والإجابات التي قدمها، حيث تكشف عن محاولة لتأسيس سردية سياسية جديدة تواجه تحديات عميقة تتعلق بمدى واقعيتها، وقدرتها على تجاوز الماضي الدموي والانقسامات الداخلية التي أنهكت المجتمع السوري.
أحمد الشرع من ماضي العنف إلى خطاب الحوار
حين واجهه بتريوس بماضيه المرتبط بالقاعدة والاعتقال في العراق، فلجأ الشرع إلى استراتيجية إعادة التأطير السياقي(Recontextualization) أي محاولة تفسير خيارات الماضي من خلال ظروف المرحلة لا من خلال المسؤولية الفردية.
هذا الأسلوب الخطابي يتيح له تقديم نفسه كنتاج لزمن مضطرب، لا كفاعل مستقل يتحمل كامل تبعات أفعاله، وهذه الاستراتيجية تحمل بعدا مزدوجا، فهي من جهة تفتح مجالا لإعادة صياغة الهوية السياسية عبر نقلها من خانة “المقاتل المتشدد” إلى خانة “رجل الدولة البراغماتي”، لكنها من جانب آخر تُبقي الباب مفتوحا أمام تساؤلات لم يُجب عنها بعد، فهل يمكن تبرير اللجوء إلى العنف بمجرد الاستناد إلى ضغط السياق؟ وهل يكفي عامل الزمن ليمحو الذاكرة الجمعية المثقلة بالدماء؟
اعتمد الشرع على ثنائية الزمن كآلية دفاعية، فـ”الماضي له قوانينه الخاصة”، في مقابل الحاضر الذي يتطلب لغة جديدة، وهذه الثنائية، وإن بدت براغماتية، تُضعف في العمق الثقة بخطاب المصالحة، إذ تفترض إمكانية فصل الماضي عن الحاضر بشكل تعسفي.
خطاب الشرع يبقى عالقا بين طموح إعادة إنتاج الذات وبين ثقل الذاكرة السياسية، فهو يريد أن يُنظر إليه كرجل دولة نضج عبر التجربة، لكن شبح العنف القديم ما زال يطارده في مخيلة الآخرين، كقيد يصعب تجاوزه بخطاب بلاغي مهما كان محكماً.
الشرعية السياسية عبر سردية الضحية والجاني
إبراز الانتصار العسكري على النظام بصفته حربا “أقل كلفة” وأخلاقية ليس مجرد توصيف عسكري، بل محاولة لإعادة صياغة الشرعية الأخلاقية للثورة في خطاب أحمد الشرع، فهو يريد أن يُقدَّم جيشه كقوة منضبطة، حامية للمدنيين، على النقيض من وحشية النظام، غير أن هذا الخطاب يواجه إشكالية جوهرية عبر فهم الحرب ضمن ثنائية الخير والشر، وكأنها كانت صراعا نقيا خاليا من الانتهاكات من جانب المعارضة، بينما الواقع أكثر التباساً؛ آلاف الضحايا سقطوا، وجرائم وانتهاكات ارتكبتها أطراف متعددة، بعضها محسوب على الفصائل التي تحالف معها الشرع نفسه.
الخطر في هذه المقاربة أنها تُنتج ذاكرة انتقائية، تتجاهل حقائق مؤلمة لا يمكن طيّها بمجرد خطاب بلاغي. فحين يُعاد توزيع الأدوار بين ضحية وجاني بهذه الحدة، يُختزل تاريخ دموي طويل في سردية تبسيطية، تعيق إمكان بناء مصالحة وطنية شاملة.
الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على الانتصار أو على نسب الأخطاء للآخر، بل على الاعتراف المتوازن بالمسؤوليات المشتركة، وإلا فإن خطاب “الحرب الأخلاقية” يتحول من أداة لإعادة بناء الثقة إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام، عبر إنكار الجانب المظلم من مسار المعارضة نفسها.
رؤية أحمد الشرع للوحدة الوطنية ومخاطر الطائفية
قدّم الشرع نفسه في المقابلة كمهندس لوحدة وطنية تقوم على القانون لا على المحاصصة الطائفية أو العرقية، ينطوي هذا الطرح على قدر من المثالية السياسية يتجاوز قدرة الواقع السوري الراهن على احتماله، فالوحدة الوطنية لا تُبنى بمجرد إعلان النوايا أو التأكيد على سيادة القانون؛ بل تحتاج إلى معالجة عميقة، فخطاب الشرع يختزل مسألة معقدة في إطار قانوني بارد، متجاهلاً أن الانقسامات السورية لم تعد مجرد أدوات سياسية بيد النظام السابق، بل تحولت إلى تجارب معاشة، فهناك عائلات فقدت أبناءها بسبب الانتماء الطائفي، وقرى هجرت على خلفية الانقسام المذهبي، ومناطق بأكملها أعيد رسم هويتها السكانية بالقوة، وهذه الجروح لا يمكن أن تُعالج بمجرد لجان تقصي حقائق أو شعارات عن المصالحة، بل تحتاج إلى مسار طويل من العدالة الانتقالية، والاعتراف المتبادل بالمسؤوليات، وتوزيع عادل للسلطة والثروة يُطمئن كل المكونات.
خطاب “الوحدة الوطنية” كما يطرحه الشرع أقرب إلى أمنية سياسية، فقوته تكمن في استحضار الحاجة إلى تجاوز الانقسامات، لكن ضعفه يكمن في تجاهله أن هذه الانقسامات باتت جزءاً من البنية العميقة للمجتمع السوري، وأن تجاوزها يحتاج إلى أدوات أكثر تعقيدا من القانون وحده، فهناك ضرورة لأدوات العدالة، والتعويض، والاعتراف بالآخر المختلف.
العلاقات السورية الغربية: شراكة لا وصاية
في حديثه عن العقوبات، حاول الشرع أن يقلب المعادلة، فسوريا ليست متسولة في النظام الدولي بل شريك له مصالح متطابقة مع الغرب، وهذا الطرح يمنحه زخما رمزيا، ويحرره من صورة الدولة التابعة التي تنتظر المساعدات، ويضعها في موقع الندّية، لكنه أقرب إلى مناورة بلاغية منه إلى رؤية اقتصادية متماسكة، فالاقتصاد السوري اليوم منهك إلى درجة لا تسمح له بالتموضع كشريك متكافئ.
يرفع الشرع سقف التطلعات، مقدما وعودا عن استقلالية اقتصادية لا تستند إلى قاعدة واقعية، فلا يطرح خطة واضحة لكيفية الخروج من التبعية البنيوية للمساعدات الدولية والاستثمارات الخارجية، فكيف يمكن لسوريا أن تقدم نفسها كشريك متساوٍ وهي لا تزال محاصرة بالعقوبات، ومكبّلة بضعف مؤسسات الدولة، ومعرّضة لضغوط إقليمية ودولية متشابكة؟
الخطاب لم يقدّم ضمانات للمستثمرين أو للمانحين الدوليين بأن البيئة السياسية في سوريا ستكون مستقرة وآمنة بما يكفي لجذب رؤوس الأموال، فالحديث عن شراكة اقتصادية أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى سياسة عملية، فالخطاب يصر على الشراكة، بينما الواقع يشي باستمرار الحاجة إلى الدعم، لا باعتباره خيارا تكتيكيا بل ضرورة وجودية لمرحلة إعادة الإعمار.
القضية الكردية في خطاب أحمد الشرع
خطاب الشرع الموجّه للأكراد اتسم بازدواجية لافتة؛ فمن جهة، تعهّد بالاعتراف بمعاناتهم التاريخية وضمان حقوقهم عبر الدستور، ومن جهة أخرى لوّح بمخاطر اللامركزية واعتبرها تهديدا لوحدة الدولة، وهذه الصياغة تعكس استراتيجية الاحتواء المشروط، حيث يُفتح الباب أمام المشاركة الكردية في مؤسسات الدولة، لكن بشروط يحددها المركز، ما يجعل الإدماج أقرب إلى استيعاب سياسي مؤقت منه إلى شراكة حقيقية طويلة الأمد.
هذا الطرح يكشف عن ذهنية الدولة المركزية التي تريد التعامل مع الأقليات باعتبارها “ملفا أمنيا” أكثر من كونها شريكا سياسيا واجتماعيا كاملا، فغياب الالتزام الصريح بآليات دستورية واضحة تكفل الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، يضعهم في موقع “الآخر” المراقَب، لا في خانة “النحن” الوطني الجامع، فالمقاربة المطروحة بدل أن تُطمئن الأكراد وتفتح الطريق أمام مصالحة تاريخية، تعيد إنتاج دائرة التهميش نفسها التي اشتكوا منها لعقود، وإن بصياغة جديدة أكثر بلاغة وأقل التزاماً عملياً.
موقف الشرع من إسرائيل واتفاقيات السلام
الجواب الذي قدّمه الشرع حول الاتفاقيات الإبراهيمية بدا متماسكا في ظاهره، وقائماً على منطق شرطي، فلا سلام بلا انسحاب ولا تفاوض بلا عدالة، وهذه الصيغة تمنحه غطاء وطنيا يحفظ رصيده الداخلي ويمنع اتهامه بالتساهل في قضية الجولان، وهو خطاب التأجيل السياسي الذي تغافل هشاشة الموقف السوري في ظل التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي، حيث القدرة على فرض الشروط محدودة للغاية.
إن تحويل ملف العلاقات مع “إسرائيل” إلى ورقة مؤجلة يمنحه وقتا في المرحلة الانتقالية، لكنه لا يقدّم رؤية استراتيجية حول كيفية إدارة التوازن بين الضغوط الإقليمية والتطلعات الداخلية، ويجعل الاتفاقيات الأمنية التي تتفاوض دمشق و “تل أبيب” حولها وكأنها حدثا عابرا، في المقابل فإن شرعية التفاوض هي الجانب الذي تم تجاهله لأنه يحتاج إلى مرجعية عبر البرلمان، فالحكومة الانتقالية لا تملك هذا الحق في التعامل مع ملفات سيادية.
تُظهر مقابلة أحمد الشرع مع ديفيد بتريوس قدرة بلاغية واضحة على إعادة تشكيل الهوية الوطنية وإعادة تأطير الماضي والمستقبل، لكنه خطاب يواجه قيودا كبيرة: ماض دموي لم يُحسم بعد في الذاكرة الجماعية، وواقع اجتماعي هش، واقتصاد منهك.
الشرع ينجح في إنتاج رواية جديدة يُراد لها أن تؤسس لوعي جمعي جديد، لكنه لم يتجاوز بعد الفجوة بين القول والفعل، بين الاستراتيجية الخطابية والتحديات الواقعية.

