لم يكن الاشتباك الذي وقع فجر الجمعة في بيت جن بين “الجيش الإسرائيلي” ووحدات محلية سورية على تخوم الجولان مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر على ما تخشاه “تل أبيب” منذ سنوات بأن تبدأ الجغرافيا السورية باستعادة حيويتها خارج حدود “الرقابة الإسرائيلية”.
ففي لحظةٍ بدا فيها الجنوب السوري وكأنه خرج من دائرة الفعل، جاء الاشتباك ليذكر “المؤسسة الأمنية الإسرائيلية” بأن الهدوء في الجولان ليس قدرا، بل هشاشة مؤقتة يمكن أن تنقلب مع أول شرارة محلية لا يمكن ضبطها.
من هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة دراسة “الجيش السوري الجديد” الصادرة عن مركز “ألما الإسرائيلي“ في صيف 2025، لا كمجرد تقرير استخباراتي عن تشكيل عسكري ناشئ، بل كاعتراف غير معلن بخوف “إسرائيل” من أن تستيقظ الجغرافيا السورية من سباتها الطويل.
فاللغة التي يستخدمها معدّ التقرير، بواز شابيرا، تكشف عن تصور بنيوي يرى أن استقرار سوريا خطر في ذاته، لأن “استقرار الاضطراب” هو الحالة الوحيدة التي تضمن أمن “إسرائيل”.
يبدأ التقرير من فرضية لا يعلنها صراحة، مفادها أن سوريا، في وعي “المؤسسة الأمنية الإسرائيلية”، ليست دولة يمكن أن تتعافى، بل فراغ يجب أن يُدار لا أن يُترك ليستعيد توازنه.
ومن هذا المنطلق، تُقرأ أحداث الجنوب، ومنها اشتباك بيت جن، ليس بوصفها مواجهة محدودة، بل علامة إنذار مبكر على عودة الممكن السوري إلى حدوده الطبيعية، وهو ما تعتبره “تل أبيب” تطورا استراتيجيا مقلقا.
بين بقاء الدولة وانهيار المعنى
يصف التقرير “الجيش السوري الجديد” باعتباره مؤسسة تضم أكثر من 300 ألف جندي من خلفيات متنوعة؛ منشقون عن الجيش السابق، ومقاتلو فصائل إسلامية، ومرتزقة سابقون، فالجيش في مضمون التقرير ليس مشروع دولة، بل تطويع للفوضى ضمن نظام يمكن مراقبته.
الافتراض المركزي هنا هو أن النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع لا يمثل قطيعة مع الحرب، بل تحويلالها من فوضى غير مضبوطة إلى فوضى مدارة، و “الجيش السوري الجديد” ليس عودة للسيادة، بل إعادة تعريف لها بما يتوافق مع مصلحة الإقليم الأقوى؛ تركيا من الشمال، و “إسرائيل” من الجنوب، وواشنطن من الجو.
الحدود السورية هنا لا ترسم بشكل عادي، بل بمدى ما يمكن لجارك أن يراه ولا يستطيع أن يبلغه، وتقرير ألما يفترض ضمنا أن سوريا الجديدة ستبقى ضمن “مدى الرؤية الإسرائيلية”، فهي لن تستعيد استقلالية القرار العسكري أبدا.
التاريخ كقدر أمني
حين يصف التقرير بنية الجيش الجديد بأنها “فسيفساء من الميليشيات التي أعيدت تسميتها”، فهو يعيد إنتاج السردية القديمة ذاتها التي ترى في المجتمع السوري كيانا طائفيا غير قابل للوحدة.
إنه تحيّز معرفي إسرائيلي عميق، فكل كيان عربي قوي هو تهديد، وكل كيان عربي ممزق هو واقع يمكن التعايش معه.
لكنّ هذه القراءة تتغافل عن حقيقة أن الفسيفساء ليست ضعفا بالضرورة.
فكما أثبتت تجارب دول أخرى خرجت من الحروب الأهلية، فإن التعدد يمكن أن يكون “مفارقة لاستقرار طويل” إذا توفر عقد اجتماعي قوي وإرادة سياسية تنعكس على بنية الجيش، وتقرير ألما يرفض هذا الاحتمال مسبقا، أو يحذر ضمنيا من حدوثه، لأنه ينطلق من فرضية مفادها أن كلّ استقرار سوري هو تهديد “استراتيجي لإسرائيل”.
التحيّز التركي والعدو البديل
يُكثر التقرير من الإشارة إلى الدعم التركي للجيش السوري الجديد، ويصوّره كتهديد مستتر لـ”إسرائيل”، لكن ما يُخفيه هذا الخطاب هو افتراضٌ مزدوج أن النفوذ التركي في سوريا يجب أن يُوازن بـ”النفوذ الإسرائيلي”، وأن أي مشروع إقليمي لا تشارك فيه تل أبيب هو تهديد في حد ذاته.
من هنا، يتحول “الجيش السوري الجديد” في التحليل “الإسرائيلي” إلى رمزٍ لعودة الأتراك إلى المشهد العربي، وبغض النظر عن صحة هذا الافتراض، فهو يملك أدلة واضحة على الأرض، لكن الفكرة بذاتها تستبطن رهابا جيوسياسيا قديما يعود إلى زمن انهيار السلطنة العثمانية، وتستند إلى مقولة روبرت كابلان في كتابه انتقام الجغرافيا بأن “الإمبراطوريات القديمة لا تموت في الذاكرة، بل تنتظر اللحظة التي يخطئ فيها الآخرون لتمتدّ من جديد”.
من منظور تل أبيب، الخطأ الأكبر سيكون نجاح أنقرة في تكريس نفوذها داخل سوريا من دون إشراف أميركي أو إسرائيلي، ويقرأ كل في هذا الأمر “عودة للهيمنة العثمانية”، في حين يُرى الانهيار بوصفه “واقعية جيوسياسية”، ودون بديل ثالث يستند لتكريس السيادة السورية.
العقيدة الخفية: السيطرة عبر الفوضى
وراء الأرقام الدقيقة التي يسردها التقرير من عدد الفرق، ومواقع القواعد، ونسب المكونات تختبئ عقيدة أمنية أعمق بأن أفضل وضع لـ”إسرائيل” هو سوريا ضعيفة لكن قابلة للتنبؤ، وهو أمر يحدث الآن عبر مواقف سلطات دمشق، وهذه ليست معلومة بل إيمان سياسيّ متجذر في جهاز التفكير الأمني “الإسرائيلي” منذ حرب 1973.
إنّ شابيرا، من حيث لا يدري، يعيد إنتاج منطق “الحدود الدفاعية” الذي صاغه موشيه دايان قبل نصف قرن؛ كلما كانت الدولة المجاورة منقسمة، كلما كان الأمن “الإسرائيلي” أكثر استقرارا، والتحليل لا يقول هذا صراحة، لكنه يُبنى عليه بالكامل.
إنه تحيّز معرفي يتعامل مع “الاستقلال السوري” كتهديد وجودي، و”التفكك السوري” الحاصل حاليا كحالة مثالية يمكن إدارتها.
العدو الضروري
في حديثه عن المقاتلين الجهاديين داخل الجيش الجديد، يستحضر التقرير الخوف من أن يتحول هؤلاء إلى رأس حربة ضد “إسرائيل”، لكن ثمة ما هو أعمق من القلق التكتيكي، فهذا التحول لا يملك مؤشرات، والتقرير يحتاج “عدواً مفترضا” لتبرير استمرار الرؤية الأمنية “الإسرائيلية” لسوريا.
“إسرائيل” من دون عدو قريب تفقد توازنها الداخلي، كما فقدته بعد خروجها من لبنان عام 2000؛ إنها نظرية الأمن بالقلق، فحين يغيب التهديد، تُصطنع التهديدات من رحم الاحتمال، و “كابلان” وصف هذه الظاهرة بدقة حين قال: “القوة العظمى لا تخاف من خصومها، بل من أن تستيقظ يوما وتجد أن العالم صار مطمئنا أكثر مما ينبغي”.
صورة الإنسان الغائب
ما يغيب عن تقرير ألما ليس المعلومة، بل الإنسان، فلا وجود فيه سوى مجرد أرقام ووحدات، ولا ذكر لمجتمعٍ يريد النجاة، بل فقط خرائط ومسافات واتجاهات للمدفعية، وهنا يكمن التحيّز الأعمق؛ نزع الإنسانية عن “الآخر السوري”، وتحويله إلى معطى في معادلة أمنية.
حتى السوريون الدروز في الجنوب يُذكرون لا كضحايا محتملين، بل كـ”عامل ميداني يجب حمايته لضمان استقرار الحدود”.
إنه منطق استعمار ما بعد الحداثة عبر الحديث بلغة الإنسانية بينما ترى في الناس مجرد “مناطق تماس”.
الافتراض الأخير: أن التاريخ انتهى
تختتم الدراسة بتوصيات لـ”إسرائيل” والولايات المتحدة بالاستعداد لـ”اليوم التالي” في حال سقوط الشرع، لكنها لا تسأل أبدا ماذا لو لم يسقط؟ الافتراض الخفي هنا أن الفشل السوري محتوم، وأنّ كل نجاح مؤقت هو خطأ في الحساب سيُصحح تلقائيا بانفجار جديد.
إنه استنساخ لتفكير ما بعد العراق: “العرب لا يبنون، بل يعيدون تدوير الفوضى.
لكنّ الجغرافيا لا تؤمن بالحتمية، سوريا اليوم دولة مكسورة، لكنها ما تزال مركزا لثقل تاريخي لا يمكن شطبه من المعادلة الإقليمية، ولأن “إسرائيل” تعرف ذلك، فإن أكثر ما تخشاه ليس انهيار سوريا، بل أن تنجح يوما في النهوض من تحت الركام.
الجغرافيا تنتصر على الأمن
يكشف تقرير “ألما” من دون أن يقصد عن الحدود الفكرية للأمن “الإسرائيلي”، فحين تتحوّل الدولة المجاورة إلى مختبر دائم للتهديدات، يفقد العقل الأمني قدرته على رؤية البدائل، وبدلا من فهم سوريا بوصفها دولة ضمن النظام الإقليمي، فإنها تُفهم كساحة معركة دائمة، وبدلا من التفكير في السلام، يتم التفكير في “إدارة المخاطر”، وحين تُختزل الجغرافيا إلى أمن، يتحول الأمن نفسه إلى سجنٍ أبدي، وربما هذا هو قدر الشرق الأوسط الجديد، أن يبقى الجميع أسرى خرائطهم القديمة، حتى وهم يرسمون خرائط جديدة.
إسرائيل وسوريا بعد بيت جن: هواجس الجغرافيا المستيقظة
تحليل تفاعلي للهواجس الجيوسياسية الإسرائيلية من عودة الفعل السوري واستقرار سوريا
المنظور الأمني الإسرائيلي لسوريا
تقييم التهديدات المتصورة
العقيدة الأمنية الإسرائيلية
التحيزات المعرفية في التقرير الإسرائيلي
- سوريا المستقرة تشكل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية
- الافتراض بأن “استقرار الاضطراب” هو الحالة المثلى لضمان الأمن الإسرائيلي
- نزع الصفة الإنسانية عن السوريين وتحويلهم إلى معطيات في معادلة أمنية
- الخوف من عودة النفوذ التركي إلى المشهد العربي كبديل للنفوذ الإسرائيلي
- اعتبار “الجيش السوري الجديد” ليس مشروع دولة بل تطويعًا للفوضى
توزيع القوات السورية الجديدة
مصادر التمويل والتسليح
القدرات العسكرية المقدرة
خصائص الجيش السوري الجديد
- يتكون من أكثر من 300 ألف جندي من خلفيات متنوعة
- مزيج من منشقين عن الجيش السابق ومقاتلي فصائل إسلامية ومرتزقة سابقين
- يدعمه بشكل رئيسي النفوذ التركي من الشمال
- يخضع لرقابة إسرائيلية من الجنوب وأمريكية من الجو
- يمثل تحويل الحرب من فوضى غير مضبوطة إلى فوضى مدارة
النفوذ الإقليمي في سوريا
مستويات التفاعل الدبلوماسي
التوازن الاستراتيجي الإقليمي
ديناميكيات التوازن الإقليمي
- تركيا تسعى لتعزيز نفوذها في شمال سوريا كبديل للنفوذ الإسرائيلي
- إسرائيل تعتبر أي مشروع إقليمي لا تشارك فيه تهديدًا بحد ذاته
- الخوف الإسرائيلي من عودة النفوذ التركي إلى المشهد العربي
- سوريا تمثل مركزًا لثقل تاريخي لا يمكن شطبه من المعادلة الإقليمية
- التوازن القائم على “إدارة المخاطر” بدلاً من السعي للسلام
تطور الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا
الاستنتاج المركزي: الجغرافيا تنتصر على الأمن
“حين تُختزل الجغرافيا إلى أمن، يتحول الأمن نفسه إلى سجنٍ أبدي، وربما هذا هو قدر الشرق الأوسط الجديد، أن يبقى الجميع أسرى خرائطهم القديمة، حتى وهم يرسمون خرائط جديدة.”
يكشف التقرير عن حدود العقل الأمني الإسرائيلي الذي يفقد قدرته على رؤية البدائل حين تتحول الدولة المجاورة إلى مختبر دائم للتهديدات. بدلاً من فهم سوريا كدولة ضمن النظام الإقليمي، يتم فهمها كساحة معركة دائمة، وبدلاً من التفكير في السلام، يتم التفكير في “إدارة المخاطر”.

