السماء التي قاومت: معركة السلطان يعقوب ودور الجيش السوري في لبنان

في حزيران من عام 1982، كانت سماء البقاع تعجّ بالحديد واللهب، عند تقاطع الجغرافيا السورية – اللبنانية – الإسرائيلية، وُلدت لحظة من تلك اللحظات التي تختصر روح حقبة بأكملها؛ الحرب التي أطلق عليها “الإسرائيليون” اسم “سلامة الجليل” لم تكن في جوهرها سوى اختبار جديد لقدرة سوريا على تثبيت توازن إقليمي في زمن كانت فيه المنطقة تنزلق نحو إعادة رسم الخرائط.

ولفهم سوريا في تلك المرحلة، لا بد من النظر إلى الجيش السوري ليس فقط كقوة عسكرية، بل كأداة جيوسياسية تصوغ هوية الدولة ودورها في المشرق، كانت الجغرافيا رسمت لسوريا موقعا في قلب العواصف، من الجولان إلى البقاع، ومن حدود العراق إلى المتوسط، وكانت دمشق تعيش في حالة استنفار وجودي، ولم يكن لبنان سوى امتداد طبيعي لتلك الجغرافيا، فهو ساحة مفتوحة تتقاطع فيها خطوط النار والسياسة.

جيش في مرآة التاريخ

في مطلع الثمانينيات، كان الجيش السوري يعيش حالة نضج عسكري وتنظيمي لم يعرفها منذ حرب تشرين، خبرات 1973 تحوّلت إلى عقيدة دفاعية هجينة تجمع بين المركزية السياسية والانفتاح الميداني على تكتيكات مرنة، فالتجربة القاسية في الجولان جعلت دمشق تؤمن بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحماية المجال الحيوي السوري، بل يجب أن تُدار ضمن هندسة جغرافية – سياسية تشمل لبنان كعمق استراتيجي.

لم يكن الدخول السوري إلى لبنان في منتصف السبعينيات مجرد تدخل أمني في حرب أهلية، بل خطوة لتثبيت توازن إقليمي، فدمشق أدركت أن انهيار لبنان يعني اختراق خاصرتها الغربية، فأخذ الوجود العسكري السوري بعدا يتجاوز السياسة اللبنانية إلى معادلة الردع الإقليمي في مواجهة “إسرائيل”.

حين بدأ الاحتلال “الإسرائيلي” للبنان عام 1982 لم يكن الجيش السوري يخوض حربا دفاعية بالمعنى الكلاسيكي، بل كان يحاول الحفاظ على هندسة الردع التي بناها على مدى عقد كامل، ومع أن الميدان اللبناني لم يكن متكافئا، حيث واجهت وحدات سورية تفوقا جويا وتقنيا “إسرائيليا”، فإن البقاع تحول إلى مساحة اختبار للحدود القصوى للقوة والإرادة.

السماء التي حملت الصمت والجرأة

الرواية السورية تبدأ من الحوامات من طراز Mi-8  التي انطلقت باتجاه سهل البقاع في الأيام الأولى من الحرب، كان الهدف نقل وحدة إلى منطقة الاشتباك القريبة من السلطان يعقوب، حيث كانت القوات الإسرائيلية تتوغل بسرعة في محور حاصبيا – مرجعيون – جب جنين.

كانت الطلعة محفوفة بالمخاطر، فالمجال الجوي اللبناني مغطى بالكامل “إسرائيليا، وكل حركة في السماء تلتقط وتُلاحق، لكن الطيارين السوريين كانوا يعرفون أن المعركة في تلك اللحظة لا تقاس بعدد الطلعات، بل بقدرتهم على تنفيذ اختراق تكتيكي داخل فضاء حرب يخضع لهيمنة إلكترونية إسرائيلية شبه كاملة.

حلق السرب على علو منخفض جدا، بمحاذاة خطوط الجبال الشرقية، لتفادي الرصد الراداري، لم يكن الهدف إنزالا واسعا، بل نقل مجموعة من الكوماندوس لنصب كمين مضاد للهجوم “الإسرائيلي”، بالتنسيق مع وحدات سورية برية في المنطقة، كانت الخطة بسيطة ولكن جريئة في آن؛ ضرب العمق الإسرائيلي بمباغتة تكتيكية تقلب المعادلة أو على الأقل تبطئ الاندفاع.

ربما لم تغيّر تلك العملية مجرى الحرب، لكنها في رمزيتها مثّلت اللحظة التي التقت فيها الإرادة بالمستحيل، ففي زمن التفوق “الإسرائيلي” المطلق، أن تحلق مروحية سورية داخل فضاء الحرب وتعود سالمة، هو بحد ذاته بيان عن طبيعة الصراع؛ حرب الإرادات، لا فقط الأسلحة.

السلطان يعقوب: المعركة التي عرّت الغطرسة

بعد يومين، اندلعت معركة السلطان يعقوب، واحدة من أكثر المعارك تعقيدا في الحرب، فتحركت الفرقة الإسرائيلية 90 بسرعة مفرطة في محاولة لتسجيل نصر ميداني قبل سريان وقف إطلاق النار، لكنها وجدت نفسها في كمين سوري كثيف.
تكتيك التأخير الذي نفذته وحدات سورية، مدعومة بغطاء من مروحيات “غازيل” مزوّدة بصواريخ HOT، حوّل السهل إلى مصيدة.
الإسرائيليون تقدّموا أكثر مما ينبغي، وتحوّل اندفاعهم إلى فخّ محكم.

في تلك الساعات الستّ من النار، انهار جزء من أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”.
فقدت إسرائيل نحو ثلاثين جنديا وعدة دبابات، بعضها ترك في الميدان ليصبح لاحقا رموزا في دمشق.
أما بالنسبة لسوريا، فكانت السلطان يعقوب نقطة ضوء في ليلٍ طويل من الهزائم المحتملة.
أثبتت أن البقاع ليس ممرا سهلا، وأن جيشا يعرف أرضه ويمكنه أن يفرض كلفا باهظة على من يتجاهل قوانين الجغرافيا.

اكتسبت المعركة بعدا نفسيا واستراتيجيا يفوق وزنها الميداني، فبينما انشغل العالم بإحصاء الخسائر “الإسرائيلية”، كانت دمشق تنظر إليها كإشارة بأن الدفاع السوري، رغم التراجع، ما زال قادرا على ردع تكتيكي ذي طابع رمزي.

سوريا بين السماء والأرض: المعنى الأعمق للوجود العسكري

منذ ذلك الصيف، أخذت سوريا تنظر إلى لبنان ليس كساحة مواجهة فقط، بل كمختبر استراتيجي لفهم حدودها الجديدة، فالجيش السوري في لبنان كان في آن واحد جيشا نظاميا وقوة سياسية، يتفاعل مع بيئة معقدة من الميليشيات والمقاومات والتحالفات.
وبينما كانت “إسرائيل” تسعى إلى هندسة شرق أوسط جديد يضمن أمنها عبر الاجتياحات، كانت دمشق تدرك أن دورها التاريخي لا يختزل في صد هجوم، بل في حفظ التوازن داخل الفوضى.

الطيارون الذي عادوا من المعركة كانوا دون أن يدرهون، شهودا على نقطة التحول في العقيدة السورية؛ الانتقال من الدفاع الثابت إلى المرونة الجغرافية عبر الدفاع في العمق، والسيطرة على خطوط الميدان اللبنانية كامتداد عضوي للحدود السورية.

تحول البقاع إلى “جدار استراتيجي” يحمي دمشق من الغرب، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لصدام طويل بين الوجود السوري والإسرائيلي في لبنان، صدامٍ لم يُحسم عسكريا بقدر ما جرى ترسيخه سياسيا حتى عام 2005.

الكمين كرمز: من الحدث إلى الذاكرة

حين يتحدث طيار عن تلك الرحلة، لم يكن يروي مغامرة بطولية، بل يستحضر فلسفة الحرب السورية في تلك المرحلة؛ أن تُقاتل في الظل، وتُبقي خصمك تحت ضغط الخوف من المجهول، وتُحول حتى هزائمك إلى مساحات مقاومة رمزية.

الكمين الذي نُصِب في تلك الليلة لم يكن فقط مناورة عسكرية، بل بيانا سياسيا عن طبيعة الدولة السورية في الثمانينيات، دولة محاصرة لكنها مصمّمة على أن تبقى في قلب اللعبة الإقليمية.
التحالف مع موسكو، وشبكة الدفاع الجوي الممتدة، وتمركز القوات في لبنان، واستخدام حوامات Mi-8  لنقل الكوماندوس تحت السيطرة الإلكترونية الإسرائيلية — كلّها مؤشرات على ثقافة عسكرية متمردة على حدود الواقع.

وفي التحليل الجيوسياسي الأعمق، كان ذلك السلوك امتدادا لنظرية سورية ضمنية بأنّ الأمن الوطني لا يتحقق داخل الحدود، بل عبر امتدادها الدفاعي إلى ساحات الجوار، ولبنان، بموقعه، كان الامتداد الطبيعي، الجغرافي، والسياسي لهذا المفهوم.

حين تصبح الجغرافيا هوية

معركة السلطان يعقوب، ورحلة الحوامات التي سبقتها، ليستا فصلين منفصلين في التاريخ العسكري السوري، بل وجهان لجغرافيا واحدة؛ البقاع، بوعوره وامتداداته، جسد تلك المسافة الرمزية بين سوريا كدولة وسوريا كفكرة.
ففي كل مواجهة هناك، كان الجيش السوري يدافع عن أكثر من أرض؛ عن مفهوم الاستمرارية في محيط يسعى إلى تفكيكه، فالجغرافيا ليست قدر الشعوب فقط، بل هي ذاكرتها الأخلاقية.
وفي ذلك الصيف من عام 1982، حين انطلقت الحوامات نحو سهل غارق في الحرب، كانت سوريا تعيد تعريف نفسها لا كدولة منهكة، بل كأمة تعرف أن بقاءها مرهون بقدرتها على التحليق ولو في سماء معادية.

سوريا في البقاع: الجغرافيا كقدر – تحليل جيوسياسي 1982
تحليل جيوسياسي | سوريا الغد

سوريا في البقاع: الجغرافيا كقدر، ومعركة السلطان يعقوب كمرآة للعصر

قراءة في الجغرافيا السياسية للصراع السوري الإسرائيلي في لبنان 1982
تحليل يدمج التاريخ الميداني مع الجغرافيا السياسية في رؤية تحليلية معمقة

توازن القوى العسكري 1982

عناصر الاستراتيجية السورية

تسلسل الأحداث: حزيران 1982

تحليل المفصل الجيوسياسي

اختر أحد أزرار العرض لرؤية التحليل التفصيلي.

الجغرافيا كقدر استراتيجي

كان موقع سوريا الجغرافي في قلب المشرق يفرض عليها دور الحارس لتوازن إقليمي في زمن كانت فيه المنطقة تنزلق نحو إعادة رسم الخرائط. لبنان كان الامتداد الطبيعي للجغرافيا السورية والحلقة الأضعف في الدفاع الغربي.

1975
بدء الوجود العسكري
700 كم
حدود مشتركة

عملية نقل الكوماندوس

طلعة حوامات Mi-8 السورية كانت محفوفة بالمخاطر في سماء البقاع التي كانت أشبه ببحر من الرادارات الإسرائيلية. الطيران على علو منخفض بمحاذاة الجبال كان اختراقاً تكتيكياً داخل فضاء حرب يخضع لهيمنة إلكترونية إسرائيلية شبه كاملة.

Mi-8
نوع الحوامات
منخفض
مستوى التحليق

معركة السلطان يعقوب

كمين سوري كثيف تحوّل السهل إلى مصيدة للفرقة الإسرائيلية 90. تكتيك التأخير المدعوم بمروحيات غزال مزودة بصواريخ HOT حوّل اندفاع القوات الإسرائيلية إلى فخ محكم خلال 6 ساعات من القتال العنيف.

6 ساعات
مدة المعركة
30+
خسائر إسرائيلية

الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة

سهل البقاع
ساحة المواجهة الرئيسية، عمق استراتيجي لسوريا، ممر إجباري بين سوريا وإسرائيل
السلطان يعقوب
موقع المعركة الحاسمة، نقطة اختراق محتملة نحو الداخل السوري
مطار المزة
نقطة انطلاق الحوامات السورية، قاعدة عمليات في ضواحي دمشق

الخلاصة: الجغرافيا كذاكرة أخلاقية

معركة السلطان يعقوب، ورحلة الحوامات التي سبقتها، ليستا فصلين منفصلين في التاريخ العسكري السوري، بل وجهان لجغرافيا واحدة. البقاع جسّد تلك المسافة الرمزية بين سوريا كدولة وسوريا كفكرة. في كل مواجهة هناك، كان الجيش السوري يدافع عن أكثر من أرض: كان يدافع عن مفهوم الاستمرارية في محيطٍ يسعى إلى تفكيكه. حين انطلقت الحوامات من المزة نحو سهلٍ غارق في الحرب، كانت سوريا تعيد تعريف نفسها — لا كدولة منهكة، بل كأمة تعرف أن بقاءها مرهونٌ بقدرتها على التحليق ولو في سماءٍ معادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *