ليست الأرقام محايدة، ففي السياقات السياسية المعقدة، لا تعمل المعطيات فقط على وصف الواقع، بل تساهم في إعادة إنتاجه، وفي الحالة السورية عام 2025، تكشف بيانات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واتجاهات الرأي العام عن تحول نوعي في كيفية مقاربة الشأن السوري؛ من قضية سياسية مركبة إلى سرديات رقمية متنافسة، تحكمها الخوارزميات بقدر ما تحكمها الوقائع.
لا تنطلق قراءة الأرقام بوصفها خلاصات جاهزة أو إجابات نهائية، بل يتعامل مادة أولية تكشف ما هو أبعد من ظاهرها، فالمعطيات ليست هدفا بحد ذاتها، وإنما مدخل لفهم البنية التي يُصاغ من خلالها الخطاب العام، ومعرفة كيف يُختزل التعقيد وأي الأنماط تُكافأ بالانتشار، ومن يمتلك القدرة الفعلية على تحويل الوقائع إلى سرديات مهيمنة، فالأرقام لا تُقرأ الأرقام كقياس للرأي فقط، بل كأثر مباشر لعلاقات القوة داخل الفضاء الرقمي، حيث لا تُدار المعركة على الحقيقة بقدر ما تُدار على قابلية الخطاب للتداول والتأثير.
حين تصبح المنصة هي المجال العام
تشير معطيات 2025 إلى أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيط، بل تحول إلى المجال العام السوري الفعلي، فحين يمتلك ما يقارب جميع مستخدمي الإنترنت حسابات على منصات التواصل، وحين يستخدم سبعة من كل عشرة هذه المنصات للتعبير عن مواقف سياسية، فإن السياسة نفسها تنتقل من المؤسسات إلى الشاشات.
من زاوية تحليل المعطيات، لا يمثل هذا التحول مجرد تغير في أسلوب التعبير، بل انقلابا في معايير القيمة داخل الفضاء العام، فالخطاب لم يعد يُختبر على أساس اتساقه الداخلي، أو قدرته على تفسير الواقع، أو تماسك منطقه، بل على أساس قابلية انتشاره وسرعة تداوله، فتنتقل الشرعية من المعنى إلى التداول، ومن الحجة إلى الخوارزمية، هنا يبدأ الخلل البنيوي، حيث تُكافأ السرديات المبسطة والمشحونة عاطفيا، بينما يُهمش الخطاب المركب لأنه أبطأ وأثقل وأقل قابلية للاستهلاك السريع، فما يحدث ليست مجرد تضارب في الآراء، بل تحول بطيء في معايير النقاش نفسه، حيث يُعاد تعريف ما يُعد مقبولا أو معقولا بناء على قابليته للانتشار، لا على اتساقه أو دقته.
مفارقة الحرية الرقمية
تبدو معطيات 2025 متناقضة ظاهريا، فهناك نسبة مرتفعة من السوريين تقول إنها تشعر بإمكانية نقد الحكومة على وسائل التواصل، وفي الوقت نفسه ترى الغالبية الساحقة أن هذه المنصات تعج بالأخبار المضللة.
وهذه ليست مفارقة، بل نتيجة منطقية، فحين تتراجع كلفة التعبير، ولا تُبنى في المقابل بنية تحقق أو مساءلة معرفية، تتحول الحرية إلى ضجيج معلوماتي، في هذه البيئة، لا تنتصر المعلومة الأدق إنما:
- الأسرع انتشارا.
- الأشد عاطفية.
- الأكثر توافقا مع هوية الجمهور.
الأرقام هنا لا تقول إن السوريين “يضللون”، بل تقول إنهم يدركون هشاشة المعرفة التي يتداولونها، ومع ذلك يستمرون في استخدامها لأنها باتت اللغة المشتركة الوحيدة.
الخطاب الطائفي: عندما يصبح الإدراك معطى
أخطر ما تكشفه معطيات 2025 ليس فقط انتشار الخطاب الطائفي، بل الإجماع على وجوده، فحين يرى معظم المستخدمين أن وسائل التواصل فضاء طائفي، فهذا يعني أن الطائفية لم تعد خطابا هامشيا، بل إطارا تفسيريا يقرأ الناس من خلاله أي حدث.
في تحليل البيانات الاجتماعية، يُعد هذا التحول بالغ الخطورة، لأن:
- الخطاب الطائفي لا يحتاج أن يكون دقيقا.
- يكفي أن يكون متوقعا.
- ومتوافقا مع الشكوك المسبقة.
المعطيات لا تترك مجالا للالتباس، فهناك إدراك من الغالبية لوسائل التواصل بأنها مساحة طائفية ومضللة، ما يعني أن التفاعل مع الشأن السوري يجري داخل بيئة مشبعة بالشك والاستقطاب، وضمن هذه الواقع لا تعمل الخوارزميات على تفكيك التعقيد، بل على تضخيم الخطاب القابل للانقسام، فيتحول النقاش من محاولة للفهم إلى آلية لإعادة إنتاج الاصطفاف، ويغدو الشأن السوري وقودا للتباعد الرمزي لا موضوعا للتفكير العام.
| المعطى (2025) | النسبة | الدلالة التحليلية المرتبطة بالفقرة |
| يرون وسائل التواصل فضاء لخطاب طائفي | 78% | يدل على أن النقاش حول الشأن السوري يجري ضمن إطار استقطابي مُدرك جماعيا، ما يجعل أي محتوى جديد يُقرأ مسبقا من زاوية الانقسام لا من زاوية الفهم. |
| يعتقدون أن المنصات بيئة خصبة للأخبار المضللة | 80% | يعني أن تداول الشأن السوري يتم في بيئة معرفية هشة، تُكافئ السرديات المبسطة والاصطفافية بدل التحليل المركب. |
| يستخدمون الإنترنت للتعبير عن آراء سياسية | 70% | يشير إلى أن إعادة إنتاج الانقسام ليست هامشية، بل تتم عبر مشاركة واسعة ونشطة، ما يضاعف أثر الخطاب الانقسامي. |
| يتفاعلون مع قضايا سياسية عبر المنصات | 67% | يوضح أن الشأن السوري لا يُستهلك كمعلومة، بل كأداة تفاعل هوياتي، حيث يصبح الانحياز جزءا من المشاركة نفسها. |
| يشعرون بإمكانية نقد السلطة دون خوف كبير | 76% | يعكس أن الانقسام لا ينتج عن القمع فقط، بل عن طبيعة البيئة الرقمية التي تسمح بالتعبير دون ضبط معرفي، فتتحول الحرية إلى ساحة تصادم سردي. |
من يربح في اقتصاد الانتباه؟
تكشف بيانات التفاعل أن المحتوى الأعلى تداولا في 2025 ليس بالضرورة:
- الأكثر عمقا.
- ولا الأكثر توثيقا.
- ولا حتى الأكثر صلة بالواقع الميداني.
بل هو المحتوى الذي ينجح في اختزال الأزمة إلى ثنائية واضحة؛ خيانة/وطنية، مؤامرة/صمود، فوضى/استقرار.
من منظور تحليل المعطيات، هذه ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد الانتباه الذي تكافئ فيه الخوارزميات:
- الوضوح الزائف.
- اللغة القطعية.
- السرديات المغلقة.
أما الخطاب التحليلي المركب، فيخسر لأنه لا يُترجم بسهولة إلى تفاعل سريع.
تطبيع الأزمة كنتاج رقمي
من المعطيات اللافتة في 2025 وجود شريحة معتبرة ترى أن الأوضاع “تسير في الاتجاه الصحيح”،
وهذا الرقم، بعيدا عن تأويله السياسي المباشر، يعكس ما يسميه محللو البيانات إعادة معايرة التوقعات.
حين يتعرض المجتمع طويلا لأزمة بلا أفق حل، يبدأ بخفض سقف المطالب، ويُعاد تعريف “التحسن” على أساس، غياب الأسوأ وليس تحقق الأفضل، وفي الخطاب الرقمي، يترجم هذا التكيف إلى:
- قبول خطاب “الأمر الواقع”.
- تراجع الاهتمام بالحلول الجذرية.
- تفضيل السرديات التي تمنح إحساسا زائفا بالثبات.
ما الذي تخبرنا به المعطيات فعلا؟
إذا قرأنا معطيات 2025 ككتلة واحدة، لا كأرقام منفصلة، تظهر صورة واضحة، فالشأن السوري لم يُختزل لأن الناس لا تفهمه، بل لأن البيئة الرقمية تعاقب التعقيد.
- الحرية موجودة، لكن بلا بوصلة معرفية.
- التفاعل عال، لكن بلا تراكم فهم.
- النقاش واسع، لكن بلا أرضية مشتركة.
لا يعود جوهر النقاش مرتبطا بامتلاك الحقيقة أو دقتها بقدر ما يرتبط بالقدرة على تحويلها إلى سردية قابلة للتداول، فالمجال العام الرقمي لا يكافئ من يقدم التفسير الأعمق، بل من يصوغ رواية أبسط، وأسرع انتشارا، وأكثر انسجاما مع توقعات الجمهور المسبقة، فتنتقل المنافسة من مستوى البرهان إلى مستوى التأثير، ومن البحث عن الفهم إلى السعي للهيمنة الرمزية، وفي هذه البيئة لا تُقاس قوة الخطاب بمدى اقترابه من الواقع، بل بمدى حضوره في التداول اليومي، ما يجعل السردية المتكررة أكثر نفوذا من الحقيقة المعقدة، ويعيد تشكيل النقاش العام وفق منطق الانتشار لا منطق المعرفة.
المعطيات ليست محايدة
في 2025، لا يمكن التعامل مع الأرقام بوصفها مادة تقنية، والمعطيات نفسها أصبحت جزءا من المعركة على المعنى، ومن لا يقرأ الشأن السوري اليوم بعين تحليل المعطيات، سيخطئ مرتين:
- مرة حين يفسر الخطاب بوصفه رأيا حرا فقط.
- حين يتجاهل كيف تُصنع هذه الآراء رقميا.
البيانات لا تخبرنا فقط بما يفكر به السوريون، بل تكشف القيود الخفية التي تُشكل هذا التفكير، ويصبح التحليل واجبا أخلاقيا، لا تمرينا تقنيا.
سوريا في 2025: تشريح الخطاب الرقمي
المعطيات الرقمية الرئيسية 2025
إدراك البيئة الرقمية: الطائفية والتضليل
حين تصبح المنصة هي المجال العام
النشاط السياسي في الفضاء الرقمي
مفارقة الحرية الرقمية
اقتصاد الانتباه: ما الذي ينتشر؟
من يربح في اقتصاد الانتباه؟
الجدول الإحصائي: معطيات 2025
| المعطى | النسبة | الدلالة التحليلية |
|---|---|---|
| يرون وسائل التواصل فضاء لخطاب طائفي | 78% | النقاش يجري ضمن إطار استقطابي مُدرك جماعياً |
| يعتقدون أن المنصات بيئة خصبة للأخبار المضللة | 80% | تداول الشأن في بيئة معرفية هشة تُكافئ السرديات المبسطة |
| يستخدمون الإنترنت للتعبير عن آراء سياسية | 70% | إعادة إنتاج الانقسام تتم عبر مشاركة واسعة ونشطة |
| يتفاعلون مع قضايا سياسية عبر المنصات | 67% | الشأن السوري يُستهلك كأداة تفاعل هوياتي |
| يشعرون بإمكانية نقد السلطة دون خوف كبير | 76% | الانقسام ينتج عن طبيعة البيئة الرقمية التي تسمح بالتعبير دون ضبط معرفي |

