في مساء من كانون الأول 2025، نشرت وزارة الخارجية السورية على حسابها في منصة “إكس” خريطة لسوريا بدت للوهلة الأولى رتيبة المظهر، مألوفة الألوان، لولا أن المتابعين لاحظوا ما غاب عنها؛ هضبة الجولان.
منطقة محذوفة يبتلعها ظل رمادي كما لو أنها لم تكن يوما جزءا من الأرض السورية، ومنشور رسمي صغير أشعل موجة من التساؤلات لا عن الجغرافيا وحدها، بل عن هوية الدولة ذاتها.
الخرائط ليست أدوات جغرافية فحسب، بل نصوص سياسية مكتوبة بلغة التضاريس، فهي الصورة التي ترسم بها الدول ذواتها في مخيلة شعوبها وفي وعي العالم، وعندما تغيب منطقة عن خريطة دولة ما، فإن الغياب لا يعني الأرض بقدر ما يعني اختلال المعنى الذي قامت عليه فكرة الدولة ذاتها.
الخريطة بوصفها اعترافا غير معلن
أن تنشر وزارة الخارجية السورية خريطة بلا الجولان في عام 2025 ليس تفصيلا بسيطا، بل حدث رمزي كثيف الدلالة، فبعد خمسة عقود من الخطاب الرسمي الذي جعل من “تحرير الجولان” شعارا ثابتا في كل خطاب سياسي ودبلوماسي، يظهر اليوم هذا الغياب البارد كعلامة على تبدل الوعي الجغرافي والسياسي للسلطة الجديدة.
انكمشت سوريا في عام 2025 من دولة مركزية إلى فسيفساء من مناطق النفوذ المتنازع عليها؛ ولم تعد الجغرافيا الوطنية متصلة كما كانت، بل أصبحت رقعة متقطعة تتداخل فيها خطوط السيطرة مع خطوط الولاء، وباتت السلطة في دمشق تنظر إلى الأرض بمنطق إداري لا وطني، وتقدر فيها مواقع النفوذ ومناطق الاستقرار أكثر مما تعنى بحدود الوطن ومعناه.
الخريطة التي نشرتها الخارجية ليست “خطأ” بالمعنى التقني، بل اعتراف ضمني بواقع جديد تتحاشى الدولة تسميته، فهيلم تعد قادرة حتى على تخيل سيادتها كاملة على الورق.
2025 الجغرافيا كقدر متبدل
في عام 2025 لم تعد سوريا ساحة حرب مفتوحة كما كانت قبل أعوام، لكنها بقيت خارج، والقوات الروسية ما تزال متمركزة في الساحل، حضورها محدود لكنه ثابت، فيما غاب الإيرانيون تماما عن المشهد بعد انحسار نفوذهم العسكري والسياسي.
في الجنوب، يفرض الإسرائيليون إيقاعهم عبر شبكة من الترتيبات الأمنية غير المعلنة، وفي الشمال يمتد الشريط التركي كجدار من النفوذ الواقعي تحت مسميات محلية، أما الأميركيون، فيواصلون حضورهم عبر مناطق متفرقة، موزعون بين قواعد ونقاط مراقبة، بما يكفي للحفاظ على توازن هش لا حرب فيه ولا سيادة كاملة.
في هذا المشهد، تبدو الجغرافيا التي كانت في زمن مضى ركيزة الهوية الوطنية؛ تحولت إلى شبكة من خطوط النفوذ المتحركة، وكل خريطة تصدر عن جهة رسمية تحمل بالضرورة معنى سياسيا؛ أين ترى السلطة “سوريا الممكنة” ضمن سوريا التاريخية؟
حذف الجولان ليس مجرد تجاهل لاحتلال عمره نصف قرن، بل إقرار بأن سوريا لم تعد ترى نفسها قادرة على تمثيل ما لا تملكه فعلا، فهي في لحظة مواجهة بين الجغرافيا كقدر لا يغير، والسياسة كفن للمراوغة ضمن حدود هذا القدر.
رمزية الغياب: الدولة تتصالح مع نقصانها
بعض التسريبات غير الرسمية تحدثت عن خطأ في التصميم يقف وراء حذف الهضبة، لكن “الخطأ” في اللغة السياسية ليس بريئا، حين تغيب منطقة عن الخريطة الرسمية لدولة ما، فإنها تغيب عن سرديتها أيضا، ففي المخيال السوري لعقود، كان الجولان رمزا للكرامة الوطنية المعلقة، والحد الأخير للمقاومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي، أما اليوم، فيتحول إلى فراغ بصري في وثيقة رسمية.
تمارس سوريا تطبيعا رمزيا مع غيابها؛ ليس مع إسرائيل بالمعنى الدبلوماسي، بل مع واقع جديد تسكت فيه الرموز، وتختزل الوطنية في حدود النفوذ الإداري.
باتت الدولة، كما يكتب كابلان، “تتصالح مع نقصانها كي تستمر”.
الخرائط بعد الدولة
منذ سقوط مفهوم “السيادة المطلقة” في المشرق العربي، لم تعد الخرائط تمثل ما تملكه الدول بل ما يسمح لها بتمثيله.
في سوريا 2025، يمكن قراءة خريطة النفوذ الفعلي على الشكل الآتي:
- شمال البلاد يخضع لنفوذ تركي مباشر من خلال المجالس المحلية الممولة والمراقبة.
- الشرق تحت المظلة الأميركية وشبكات “قسد”.
- الجنوب مراقب إسرائيلي – أردني بتنسيق أمريكي.
- الساحل في قلب الحضور الروسي العسكري والاقتصادي.
هذه ليست تفاصيل ميدانية فحسب، بل جوهر السياسة السورية المعاصرة، فكل رقعة على الأرض باتت تعني قوة خارجية، وكل خريطة رسمية هي إعادة تفاوض على مفهوم الوطن ذاته.
لهذا فإن حذف الجولان من خريطة الخارجية لم يكن استثناء، بل استمرارا لهذا المسار، وتحولت الخريطة من وثيقة سيادة إلى وثيقة إدارة واقع متشظ ترعاه قوى متعددة.
من الوطن إلى الجهاز
رد الفعل الرسمي على الجدل كان أبلغ من الخريطة نفسها، فلا بيان اعتذار، ولا تصحيح، بل تجاهل متعمد،
وهذا الصمت هو، في جوهره، سياسة: سياسة “إدارة الانقباض”، كما يسميها بعض المحللين، فهي الإقرار بما تبقى من السلطة دون تحدي أحد.
هكذا يعاد تعريف مفهوم “الدولة” في سوريا الحديثة، ومن كيان وطني جامع إلى جهاز إداري يدير ما هو متاح، ولم تعد الخريطة تمثل السيادة، بل “النطاق التشغيلي” للمؤسسات، ولم تعد الجغرافيا ذاكرة جمعية، بل حسابات يومية للبقاء.
الخريطة كمرآة الانحدار الرمزي
الخرائط ليست حيادية لإنها تكشف وعي الأمم بذاتها، وما نشرتها وزارة الخارجية في 2025 هي مرآة دقيقة لوعي سوريا الراهن، فهي دولة أنهكتها الحروب والعقوبات والانقسامات، فلم تعد ترى في الجغرافيا مشروعا، بل عبئا.
إن حذف الجولان، وهو رمز السيادة المؤجلة، من خريطة الدولة، يشير إلى انقطاع بين التاريخ والمستقبل.
فالدولة التي لا تتذكر كل أرضها، تفقد القدرة على تخيل مستقبلها كاملا.
في فلسفة الخرائط
الدول تموت حين تفقد خرائطها الداخلية، لا الخارجية، والمقصود بالخرائط الداخلية هو وعي الأمة بحدودها ومعناها وموقعها في الزمن.
سوريا تواجه هذا السؤال بالذات، فهل ما زالت قادرة على رسم خريطتها في المخيلة الجمعية، قبل أن ترسمها على الورق؟
حادثة الخريطة ليست سوى عرض من أعراض أعمق؛ تفكك العلاقة بين الأرض والهوية، فحين تمحى الهضبة من الصورة، فإنها لا تختفي من الجغرافيا، بل من الذاكرة الوطنية، وهذا أخطر أشكال الاحتلال.
في عام 2025، بعد كل ما مرت به سوريا، تبدو الدولة وكأنها تعيد تعريف ذاتها كإدارة لجغرافيا ناقصة، لا كمشروع لاستعادتها، ولكن التاريخ يعلمنا أن الخرائط، مهما تغيرت، تظل تعبيرا عن إرادة كامنة في الشعوب أكثر منها في الحكومات.
وربما، كما كتب كابلان ذات مرة، إن الجغرافيا قد تهزم سياسيا، لكنها لا تهزم نفسيا”.
الجغرافيا كاختبار للذاكرة
ما حدث في تلك الخريطة الرقمية الصغيرة ليس صدفة، بل خلاصة مرحلة، وسوريا في 2025 ليست ما كانت عليه قبل عقدين، فهي بلد يعيش بين خرائط كثيرة رسمية ودولية وميدانية، وكل منها يقول رواية مختلفة عن المكان والسلطة والمعنى.
تظل الجغرافيا امتحانا للذاكرة أكثر من كونها اختبارا للسيادة، وإذا كان حذف الجولان من خريطة وزارة الخارجية هو مرآة الحاضر، فإن تذكر الجولان في وعي السوريين هو ما سيحسم إن كانت الدولة فقدت نفسها حقا أم لا.
فحين تعود الخريطة، لا بوصفها وثيقة بل رؤية، يمكن عندها أن تبدأ سوريا باستعادة ما فقدته؛ ليس الأرض أولا، بل قدرتها على تخيل الأرض.
سوريا خارج خريطتها: تحول مفهوم الدولة في 2025
الخرائط ليست أدوات جغرافية فحسب، بل نصوص سياسية تكشف وعي الأمم بذواتها. حذف الجولان من الخريطة الرسمية السورية عام 2025 يمثل تحولاً جوهرياً في مفهوم الدولة من كيان وطني إلى جهاز إداري يدير “سوريا الممكنة” ضمن سوريا التاريخية.
تطور مفهوم الدولة السورية: من السيادة إلى الإدارة
سوريا كدولة مركزية ذات سيادة نظرية على كامل أراضيها. الجولان يحتل مكانة رمزية كـ “رمز للكرامة الوطنية المعلقة”.
تفكك مفهوم الدولة المركزية. تعدد خرائط النفوذ وتشظي الجغرافيا الوطنية. ظهور “سوريا المتعددة”.
النشر الرسمي لخريطة بدون الجولان. الدولة تتحول من مشروع وطني إلى جهاز إداري. “التصالح مع النقصان” كاستراتيجية بقاء.
حذف الجولان ليس خطأً تقنياً بل اعتراف ضمني بأن سوريا لم تعد قادرة حتى على تخيل سيادتها كاملة على الورق. تحول الخريطة من وثيقة سيادة إلى وثيقة إدارة واقع متشظ.
الجغرافيا الوطنية تحولت إلى شبكة من خطوط النفوذ المتحركة. كل رقعة على الأرض باتت تعني قوة خارجية، وكل خريطة رسمية هي إعادة تفاوض على مفهوم الوطن ذاته.
الدولة لم تعد كياناً وطنياً جامعاً بل تحولت إلى جهاز إداري يدير ما هو متاح. الخريطة لم تعد تمثل السيادة بل “النطاق التشغيلي” للمؤسسات.
الدول تموت حين تفقد خرائطها الداخلية – وعي الأمة بحدودها ومعناها وموقعها في الزمن. حذف الجولان من الخريطة الرسمية يشير إلى انقطاع بين التاريخ والمستقبل، لكن الجغرافيا قد تهزم سياسياً، لكنها لا تهزم نفسياً في وعي الشعوب.


همهم السلطة والمال وبس آخر همهم الوطن والإنسان ياحيف
همهم السلطة والمال وبس آخر همهم الوطن والإنسان ياحيف أول مرة انشر هذا الكلام كفا طبطبة راحت سورية