سوريا بعد عام على مجازر الساحل: كيف أعادت التصفيات الانتقامية تشكيل المشهد السوري؟

بعد عامٍ كامل على المجازر التي شهدها الساحل السوري في آذار 2025، تبدو سوريا اليوم كبلد يعيش في منطقة رمادية بين نهاية حرب طويلة وبداية صراع آخر أقل صخبا لكنه أكثر تعقيدا، فالأرقام التي وثقتها العديد من المنظمات الدولية لا تعكس مجرد حصيلة ضحايا، بل ترسم خريطة عميقة لتفكك الدولة والمجتمع معا، وتكشف عن انتقال العنف من مستوى الحرب العسكرية إلى مستوى العنف الأهلي المتناثر الذي يتسم بأنه أكثر استدامة وأصعب احتواء.

بحسب التوثيق، بلغ عدد المدنيين الذين قتلوا نتيجة عمليات التصفية منذ اندلاع الهجمات على القوى الأمنية والعسكرية في السادس من آذار وحتى الرابع والعشرين من تشرين الثاني 1683 مدنيا (العدد ربما يفوق هذا الرقم)، وتوزعت هذه الحصيلة الثقيلة على 63 مجزرة موثقة في الساحل السوري والمناطق الجبلية، حيث سجلت محافظة اللاذقية 873 ضحية، وطرطوس 525، وحماة 272، فيما سجلت 13 حالة في حمص.

هذه الأرقام، بحد ذاتها، كافية لإظهار أن ما جرى لم يكن مجرد حوادث متفرقة، بل موجة عنف واسعة النطاق استهدفت مجتمعا كاملا يعيش على حدود انهيار الدولة، والقراءة التحليلية للأحداث تكشف أن مجازر الساحل لم تكن حدثا معزولا، بل لحظة مفصلية في مسار التحول السوري بعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول 2024.

من سقوط النظام إلى انهيار الاحتكار الأمني

عندما انهار النظام السوري في نهاية 2024، كان كثيرون يتوقعون أن يؤدي سقوطه إلى نهاية مرحلة طويلة من الحرب وبداية عملية انتقال سياسي معقدة لكنها قابلة للإدارة، غير أن ما حدث فعليا كان العكس، حيث أدى الانهيار المفاجئ للبنية الأمنية المركزية إلى تفكك منظومة الضبط الاجتماعي التي حافظت على توازن بين المجتمعات المحلية.

بين كانون الأول 2024 ونهاية ذلك العام، تم توثيق 160 ضحية لعمليات تصفية وانتقام، معظمهم من الرجال، بينهم سيدة واحدة فقط، وتوزعت هذه الحالات على معظم المحافظات السورية، مع تركز واضح في حمص وحماة، حيث ارتبطت غالبية الجرائم بدوافع طائفية.

هذه المرحلة المبكرة مما يمكن تسميته “الفراغ السيادي” كشفت عن ظاهرة معروفة في تاريخ الحروب الأهلية؛ حين تنهار السلطة المركزية فجأة، تتحول شبكات العنف الكامنة في المجتمع إلى أدوات لتصفية الحسابات القديمة، سواء كانت سياسية أو طائفية أو حتى شخصية.

لكن ما جعل مجازر الساحل مختلفة هو أنها لم تكن مجرد موجة انتقام عشوائي، بل كانت لحظة انفجار مكثفة لصراع الهويات الذي تراكم طوال سنوات الحرب.

الساحل السوري: جغرافيا الخوف

الساحل السوري، تاريخيا، كان أحد أكثر المناطق حساسية في المعادلة السورية، فهو ليس مجرد شريط جغرافي مطل على البحر المتوسط، بل يشكل مركز الثقل الاجتماعي للطائفة العلوية، التي يتركز حضورها الديمغرافي والتاريخي في هذه المنطقة الساحلية والمناطق الجبلية المحيطة بها، ولهذا السبب، عندما بدأت الأحداث كان بحجة كمين دبره ما سمونه “فلول النظام” على قوات الأمن في ريف طرطوس في السادس من آذار، تحولت المنطقة بسرعة بعده إلى مسرح لموجة عنف واسعة.

الرقم الأكثر دلالة هنا ليس فقط عدد الضحايا، بل توزيعهم الجغرافي:
873  قتيلاً في اللاذقية و525 في طرطوس، أي أن أكثر من 80 بالمئة من الضحايا سقطوا في هاتين المحافظتين.

هذا التركيز المكاني للعنف يشير إلى أن ما حدث لم يكن مجرد رد فعل أمني على هجمات مسلحة كما ادعوا، بل كان أقرب إلى انتقام داخل منطقة فقدت الحماية السياسية التي كانت توفرها الدولة.

بعبارة أخرى، كانت المجازر تعبيرا عن انهيار “عقد الحماية” غير المعلن الذي حكم العلاقة بين الدولة وهذه المجتمعات لعقود.

العنف بعد المجازر: تصفية بطيئة للمجتمع

خلال ذلك العام وحده، تم توثيق سقوط 1201 شخص في جرائم تصفية وانتقام، بينهم 23 طفلا و41 سيدة.

اللافت في هذه الأرقام ليس فقط حجمها، بل نمطها الزمني، فبدأ العام بمعدل مرتفع من عمليات القتل:
194 حالة في كانون الثاني، ثم 113 في شباط، و144 في آذار.

لكن ما يثير الانتباه أكثر هو أن العنف لم يتوقف حتى بعد مرور أشهر طويلة على المجازر، بل استمر بوتيرة منخفضة لكنها ثابتة، حيث سجلت الأشهر اللاحقة عشرات الحالات شهريا، وصولا إلى 31 حالة في كانون الأول.

هذا النمط يعكس تحول العنف من موجة انفجار جماعي إلى حالة مزمنة من التصفيات الفردية، وهو تحول مألوف في المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية، حيث يتحول السلاح من أداة صراع سياسي إلى وسيلة لتسوية النزاعات المحلية.

2026: انخفاض الأرقام أم ترسّخ الأزمة؟

في الأشهر الأولى من عام 2026، تم توثيق مقتل 52 شخصا، بينهم خمس نساء وطفل واحد.

ظاهريا، يبدو هذا الرقم مؤشرا على تراجع العنف مقارنة بعام 2025، لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن هذا الانخفاض استقرار نسبي للعنف، لا نهاية له.

ففي كانون الثاني قتل 22 شخصا، وفي شباط 27، وفي آذار ثلاثة رجال حتى الآن، وهذه الأرقام تعكس حالة “السلام العنيف”، وهو وضع لا توجد فيه حرب مفتوحة، لكن المجتمع يبقى غارقا في شبكة من التصفيات المحدودة التي تمنع الاستقرار الحقيقي.

الأزمة الأعمق: تفكك الدولة

المشكلة الأساسية في سوريا اليوم ليست فقط استمرار العنف، بل غياب الإطار المؤسسي القادر على احتوائه، فالدولة التي كانت تحتكر العنف، حتى لو استخدمته بشكل قمعي، لم تعد موجودة بالشكل الذي عرفه السوريون لعقود، وحل محلها خليط من السلطات المحلية، والفصائل المسلحة، وشبكات النفوذ الإقليمية.

في مثل هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية شبه مستحيلة، لأن أي محاولة لمحاسبة مجازر الساحل ستصطدم بواقع أن القوى المتورطة في تلك الجرائم ما تزال جزءا من ميزان القوة الحالي، ما يجعل سوريا عالقة في “حلقة العنف غير المكتمل” حيث لا حرب تنتهي، ولا سلام يبدأ.

بلد يعيش في ظل ذاكرة الدم

بعد عام على مجازر الساحل، يمكن القول إن سوريا لم تدخل بعد مرحلة ما بعد الحرب، وما حدث فعليا انتقال من حربٍ مركزية واسعة إلى عنف انتقامي متفرق.

الأرقام التي توثق آلاف الضحايا ليست مجرد إحصاءات باردة، بل مؤشر على مجتمع ما يزال يعيش في ظل ذاكرة الدم، حيث يصبح الماضي حاضرا دائما في شكل خوف متبادل وانعدام ثقة عميق بين المجتمعات المحلية.

السؤال الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم ليس كيف تنتهي الحرب، بل كيف يمكن إعادة بناء فكرة الدولة نفسها، فبدون دولة قادرة على احتكار العنف وإدارة العدالة، ستبقى المجازر، سواء كانت كبيرة مثل تلك التي شهدها الساحل، أو صغيرة مثل التصفيات اليومية، جزءا من الحياة السورية.

وفي بلدٍ أنهكته خمسة عشر عاما من الحرب، فإن أخطر ما في الأمر ليس العنف نفسه، بل اعتياد الناس عليه.

حصيلة ضحايا التصفية في سوريا – المرصد السوري لحقوق الإنسان

حصيلة ضحايا التصفية والانتقام

منذ 6 آذار 2026 حتى 24 تشرين الثاني 2026

1683
إجمالي الضحايا
63 مجزرة موثقة
1201
ضحية في 2025
بينهم 23 طفل و41 سيدة
160
ضحية في 2024
منذ 8 كانون الأول
52
ضحية في 2026
حتى 24 تشرين الثاني

توزيع الضحايا حسب المحافظات

التطور الشهري لعام 2025

توزيع 2025 (1201)

1137
رجل
41
سيدة
23
طفل

تفاصيل 2024 (160)

حماة 52
حمص 41
اللاذقية 19
حلب 16
دمشق وريفها 13
محافظات أخرى 19

101 حالة بسبب الانتماء الطائفي

تطور 2026 (52)

كانون الثاني 22

21 رجل، 1 امرأة

شباط 27

23 رجل، 4 سيدات

آذار 3

3 رجال

أبرز المعطيات

المنطقة الأكثر تضرراً

اللاذقية (873 ضحية) تليها طرطوس (525)

ذروة العنف

كانون الثاني 2025: 194 ضحية (أعلى رقم شهري)

الفئة الأكثر استهدافاً

الرجال يمثلون النسبة الأكبر (94.7% في 2025)

المصدر: المرصد السوري لحقوق الإنسان – توثيق حتى 24 تشرين الثاني 2026

يتضمن البيانات منذ اندلاع الهجمات ضد القوى الأمنية يوم الخميس 6 آذار 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *