في إحدى الزوايا الصامتة لأي سجن، ثمة رجل ينتظر قرارا لا يعرف إن كان سيعيده إلى عائلته أم يتركه حيث هو، وبالنسبة له العفو ليس مفهوما دستوريا؛ إنه باب يُفتح أو يُغلق، لكن بالنسبة للدولة الخارجة من نزاع طويل، العفو ليس بابا فحسب، بل اختباراً لمن يملك مفاتيحه؟
مرسوم العفو رقم (39) لعام 2026، الصادر في ظل الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، يطرح سؤالا يتجاوز حدود السياسة اليومية، فهل صدر عن جهة مختصة دستوريا؟ وهل يمكن للضرورة الوطنية أن تعلو على توزيع الصلاحيات المنصوص عليه بوضوح؟
في الكتابات القانونية التي تتأمل لحظات التحول لا يبدأ التحليل من النص وحده، بل من العلاقة بين النص والذاكرة، والإعلان الدستوري السوري جاء محملا بلغة القطع مع الاستبداد، وبالتعهد الصريح بالفصل بين السلطات، وبناء دولة القانون، غير أن قوة أي إعلان لا تُقاس ببلاغته، بل بمدى احترامه في أول اختبار عملي.
النص الحاسم
في الباب الثالث من الإعلان، حيث تُرسم هندسة السلطة، يرد نص واضح؛ مجلس الشعب يتولى “إقرار العفو العام”، وفي مادة أخرى، يُمنح رئيس الجمهورية حق “منح العفو الخاص ورد الاعتبار”، والفارق هنا ليس لغويا؛ إنه دستوري.
العفو الخاص قرار فردي يخفف عقوبة بعد صدور حكم مبرم، أما العفو العام فهو عمل تشريعي بطبيعته يمس فئات من الجرائم، ويوقف ملاحقات، ويعيد تعريف المراكز القانونية لعدد غير محدد من الأشخاص.
حين يوزع الإعلان الاختصاص بهذا الوضوح، فإنه يرسم حدا، وفي القانون الدستوري، الحدود ليست توصيات؛ إنها قواعد.
إذا كان مرسوم (39) صدر عن الرئيس منفردا، دون إقرار مجلس الشعب، فإن السؤال لا يعود متعلقا بحكمة العفو أو ضرورته، بل بشرعيته الشكلية، وهل يمكن لدولة تعلن التزامها بالفصل بين السلطات أن تبدأ مسيرتها بتجاوز أولي لهذا الفصل؟
الضرورة… حجة مألوفة
في المراحل الانتقالية، تُستدعى “الضرورة” كثيرا، من الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويُقال إن الظروف الاستثنائية تبرر إجراءات استثنائية، لكن الإعلان الدستوري نفسه لم يمنح الرئيس سلطة تشريعية مطلقة في غياب البرلمان؛ بل نص على وجود مجلس شعب يمارس السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
لا يوجد في النص ما يجيز للرئيس إصدار مراسيم لها قوة القانون خارج هذا الإطار، بل إن المادة المتعلقة بإصدار القوانين تُظهر بوضوح أن الرئيس يقترح ويصدر بعد الإقرار، لا أنه يشرع منفردا.
الضرورة، في الأنظمة الدستورية، تعمل ضمن النص، لا خارجه.
العدالة الانتقالية والحدود الأخلاقية
يجادل مؤيدو المرسوم بأن العفو يخدم أهدافا إنسانية مثل تخفيف الاكتظاظ، وإعادة دمج وطي صفحة، وربما يشيرون إلى استثناء الجرائم الجسيمة ، كجرائم الحرب والتعذيب، من نطاق العفو، لكن حتى لو كان المضمون متوازنا، يبقى السؤال: هل يمكن تحقيق العدالة الانتقالية عبر إجراء يثير شبهة تجاوز دستوري؟
في التجارب المقارنة، من أميركا اللاتينية إلى جنوب أفريقيا، كان العفو العام جزءا من تسويات سياسية أوسع، أُقرت غالبا عبر هيئات تشريعية أو استفتاءات، وبمرافقة آليات كشف حقيقة ومساءلة، أما حين يصدر بقرار تنفيذي منفرد، فإنه يُعرض نفسه لاتهام مزدوج: تركيز السلطة، وتهميش التمثيل.
الإعلان الدستوري السوري يؤكد في مقدمته على منع عودة الاستبداد، وعلى احترام الفصل بين السلطات، والمفارقة أن أول اختبار كبير يدور حول مدى الالتزام بهذه القاعدة الأساسية.
ماذا يعني الخلل الشكلي؟
في القانون، الشكل ليس زينة إجرائية فهو الضمانة، وإذا صدر نص عن جهة غير مختصة، يصبح قابلا للطعن أمام المحكمة الدستورية العليا، في حال تشكيلها، استنادا إلى مخالفة توزيع الاختصاص.
لكن الخطر لا يقف عند الطعن، بل يمتد إلى حالة عدم يقين قانوني، فماذا لو اعتُبر المرسوم لاحقا غير دستوري؟
هل يُعاد النظر في الإفراجات؟
هل تتعرض حقوق المستفيدين أنفسهم للاهتزاز؟
الدول الخارجة من نزاع تحتاج إلى اليقين القانوني أكثر من أي وقت مضى، ويبدأ باحترام النص.
بين الشرعية السياسية والشرعية الدستورية
يتمتع الرئيس الانتقالي بشرعية سياسية نابعة من “لحظة التحرير” أو “توافق وطني واسع” إن وجد ، لكن الشرعية السياسية لا تُغني عن الشرعية الدستورية، والإعلان الدستوري نفسه هو الذي حدد إطار السلطة، وهو الذي قيدها.
في لحظات التحول، يغري الاعتقاد بأن الغاية النبيلة تبرر الوسيلة السريعة، غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن تجاوز القيود في البداية، ولو بنية حسنة، يخلق سوابق يصعب ضبطها لاحقا.
إذا كان الهدف هو بناء دولة قانون، فإن احترام الاختصاصات أول لبنة في هذا البناء.
المسار الذي كان ممكنا
لم يكن الطريق معقدا فكان بإمكان الرئيس اقتراح مشروع قانون عفو عام، وإحالته إلى مجلس الشعب، ومناقشته علنا، ثم إقراره وفق الأصول.
بهذا، يصبح العفو قرارا تشريعيا جماعيا، لا فعلا تنفيذيا منفرد، والفرق بين المسارين ليس تقنيا، إنه الفرق بين ممارسة السلطة ومشاركة السلطة.
اختبار مبكر للثقة
في نهاية المطاف، لا يُقاس مرسوم العفو فقط بعدد من سيغادرون الزنازين، بل بمدى تعزيز الثقة في النظام الدستوري الجديد.
إذا كان الإعلان الدستوري وُضع ليقطع مع إرث احتكار القرار، فإن احترام نصوصه في أول استحقاق كبير هو الامتحان الحقيقي.
العفو فعل قوة، ولكنه أيضا فعل تواضع أمام القانون، ومن يملك أن يغفر، عليه أولا أن يسأل: هل يملك أن يقرر وحده؟
في سوريا التي تعلن بداية مرحلة جديدة، هذا السؤال البسيط في ظاهره هو الأكثر عمقا في رسم حدود المستقبل.
من يملك أن يغفر؟ | مرسوم العفو (39) 2026
قراءة في دستورية العفو العام بين صلاحيات مجلس الشعب ورئيس الجمهورية
| جنوب أفريقيا | عفو عبر البرلمان + مصالحة |
| كولومبيا | تشريعي في إطار سلام |
| أوروغواي | استفتاء شعبي |
| المرسوم 39 (سيناريو) | قرار تنفيذي منفرد • غير مسبوق |

