عودة الانقسام السوري في 2025: جغرافيا تتكرّر وتاريخ يعيد نفسه

في سوريا تعيد الجغرافيا ابتكار نفسها مع كل جيل، ونهاية عام 2025 حملت معها عودة لصدى الانقسام الأول، فيتكرر عام 2011، ولكن بصيغ مختلفة وأكثر تجذرا، وأقل قابلية للعلاج، فالبلاد التي عُرفت عبر التاريخ بأنها ملتقى الطرق بين الأناضول وبلاد الرافدين والصحراء الكبرى، لا تستطيع إلا أن تعيد إنتاج هشاشتها كلما حاولت أن تنهض.

منذ انهيار حكم البعث في شتاء 2024، بدا وكأنّ سوريا تتغير بشكل كامل، غير أن هذا التحول لم يكن سوى استبدال للموت العسكري بموت مدني بطيء؛ انقسامٌ أفقي في الوعي، وعمودي في البنية الاجتماعية، وارتباك في تعريف “الهوية السورية” نفسها.

إنّ الانقسام السوري في 2025 ليس مجرد صراع سياسي أو طائفي؛ إنه تعبير عن تصادم جغرافيات متجاورة أعادت طرح أسئلتها القديمة بعد أن تفكك العقد الاجتماعي الذي نظّمها لعقود، فهذه الجغرافيات وجدت توازنها النسبي منذ “الجمهورية الأولى”وما تلاها، حين نجحت الدولة المركزية في فرض شكل من التعايش المؤسسي.
لكن سقوط ذلك النظام أنهى شبكة التفاهم الضمني بين المكوّنات السورية، فالعقد وفر شعورا بالانتماء إلى كيان سياسي واحد، ومع غيابه، عادت الهويات القديمة إلى الواجهة، كأنّ البلاد تعيد اختبار نفسها من الصفر.

المجتمع كأرض زلزالية

يعيش السوري اليوم فوق أرض متشققة، لا بفعل القذائف بل بفعل الخوف، ففي اللاذقية خرجت احتجاجات ضد الحكومة الجديدة، تلتها تظاهرات مؤيدة، وفي الجنوب، في السويداء، تصاعدت اشتباكات بين الدروز والبدو، وهو صراع محلي في ظاهره، لكنه في العمق مرآة لتفكك السلطة المركزية وتفجّر الهويات الكامنة،
أما في الشمال الشرقي، فإن الأكراد والإيزيديين يتعاملون مع الدولة الجديدة ببرود حسابي؛ لا رفض مطلق ولا ثقة حقيقية، بل انتظار لما ستقرره الجغرافيا، لا السياسة.

هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة خريطة سوريا في مطلع القرن العشرين، حين كانت كل منطقة تتماهى مع انتماء محلي أكثر من انتماء وطني، لم تكن سوريا، في جوهرها، دولة موحدة بل فسيفساء من المجتمعات الجبلية والبدوية والحضرية، ومنذ مراحل الاستقلال الأولى ولدت سوريا الحديثة من مد فكري قومي ومدني شكلته النخب السياسية في خمسينيات وستينيات القرن، ونجح ذلك المشروع لعقود في إنتاج هوية وطنية عابرة للطوائف، وما أجهز عليه لم يكن سقوط النظام، بل الانزلاق الديني للحراك الشعبي منذ عام 2011، حين تحوّل مطلب الحرية إلى ساحة تنازع بين تيارات عقائدية متناحرة، وبدأ انهيار فكرة الجمهورية ذاتها، فأُزيحت الدولة الوطنية أمام تحالف ديني جديد حمل سلاح الثورة، لكنه حطم بنيتها المدنية في الوقت نفسه.
من التفاؤل إلى الفوضى المنظمة

بعد سقوط النظام، انتشرت استطلاعات للرأي لتروج إلى أن أكثر من نصف السوريين يعتقدون أن البلاد “على الطريق الصحيح”، لكن المؤشرات الاقتصادية رسمت صورة أخرى؛ أكثر من 40% من العائلات تعيش تحت خط الفقر، 11% فقط تمتلك فائضا ماليا، والفساد الإداري ما زال يطغى.

الطبقة السياسية الجديدة في دمشق لم تملك مشروعا جامعا، بل حاولت أن توازن بين القوى المحلية والقبلية والطائفية في تسويات يومية قصيرة الأجل.
وهذا بالضبط ما جعل “الدولة الجديدة” تبدو كجسد بلا قلب، فمؤسساتها قائمة شكليا، لكن نبضها موزع بين أمراء حرب سابقين، ومجالس محلية، وجيش يجمع شتات فصائل محلية وأجنبية، وشخصيات أمنية أعيد تدويرها.

في هذا الفراغ، لم يجد الناس سوى اللجوء إلى هوياتهم القديمة؛ العشيرة والطائفة، وإلى مجتمعٌ يتقلص فيه معنى “الوطن” لصالح “الحي” و”المدهب”.

عنف بلا مركز

ما يجعل انقسام 2025 أكثر خطورة من انقسام 2011 هو غياب المركز، ففي الثورة الأولى، كان هناك نظام واضح، وجبهة معارضة، وجغرافيا تقسم بين “النظام” و”التمرد”، أما اليوم، فكل شيء موزّع؛ عنف بلا قيادة، ومجموعات مسلحة بلا مشروع، ومجتمع يعيش حالة من “التوحش الجزئي” كما يسميها الأنثروبولوجيون.

في جرمانا، اشتبكت ميليشيات درزية محلية مع قوات الأمن، في مشهد يذكّر ببيروت الثمانينيات، وفي حلب، اندلعت مواجهات بين وحدات كردية والقوات الحكومية بعد خلاف على السيطرة على المعابر، وفي حمص، أعادت جريمة قتل ذات طابع عشائري إشعال نزاع طائفي، في وقت تشهد فيه أريافها عمليات قتل يومي.

المدهش أن هذه الأحداث ليست “ثورات”، بل “ارتدادات” اجتماعية وأشبه بتصدعات داخل صخر قديم، لا يوحي بانفجارٍ في بركان جديد.

الانقسام كقدر سياسي

حين يتحدث الجغرافيون عن سوريا، يتحدثون عن دولة وُلدت في موقع مستحيل؛ بين البحر والصحراء، والاختلافات المذهبية والدينية والعرقية، وبين تركيا والعراق، والأردن ولبنان ودولة لاحقاً”إسرائيل”.
كل هذا يجعلها محكومة بتوازن دائم لا يمكن أن يستمر إلا بقبضة حديدية أو بشرعية وطنية قوية، لذلك يبدو الانقسام السوري اليوم ليس نتيجة فشل سياسي فحسب، بل نتيجة بنية جغرافية وثقافية لا تحتمل مركزية دون مشروع وطني.
من هذه الزاوية، فإن الدعوات إلى “اللامركزية” ليست مؤامرة لتقسيم البلاد، بل تعبير طبيعي عن شكل الحياة الممكن في أرض لا تعرف الوحدة إلا بالقوة المبنية على عقد اجتماعي يحمل برنامجا كاملا، والخطر الأكبر ليس في تعدد القوى، بل في غياب سردية مشتركة تربط السوريين بما هو أبعد من الطائفة والهوية.
حين تسقط الدولة، لا ينهض المجتمع بل تنبعث القبيلة حسب وصف روبرت كابلان لواقع العراق 2003، وسوريا اليوم، ليست دولة تنهض بل مجتمع يعود إلى أصله القبلي.

الاقتصاد بوصفه مرآة الانقسام

ليس الانقسام الطائفي وحده ما يقسم سوريا الجديدة، بل الاقتصاد أيضا، فالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية تشهد انكماشا متواصلا، في حين تنتعش بعض المناطق الحدودية بفضل التجارة غير الرسمية، والتهريب، وتحويلات الخارج.
هذا التفاوت خلق طبقة صغيرة من الأثرياء الجدد، يملكون شركات صرافة واستيراد ونقل، بينما يغرق معظم السكان في اقتصادٍ مواز يذكّر باقتصاد الحرب.

النتيجة هي انقسام اجتماعي متزايد بين من يعيش داخل دمشق المزينة بالأعلام الجديدة، ومن يعيش في قرى بلا كهرباء ولا ماء، وكما في تجارب أميركا اللاتينية أو البلقان، يصبح الإحباط وقودا للعنف، والعنف ذريعة لسلطة جديدة.

سوريا كمرآة للشرق الأوسط

لا يمكن فهم ما يحدث في سوريا بمعزل عن محيطها، فتركيا تخشى من قيام كيان كردي دائم على حدودها الجنوبية، وترى في الشمال السوري امتدادا طبيعيا لمجالها الأمني، والأردن يراقب الفوضى في الجنوب كمن يراقب حريقا على عتبة بيته، مترددا بين التدخل والحياد، وروسيا أعادت تموضعها داخل سوريا لتحتفظ فقط بقاعدتيها في اللاذقية وطرطوس كرمزين لاستمرارية نفوذها في شرق المتوسط.
أما “إسرائيل، فهي الحاضر الغائب في كل ما يجري؛ تدير حدودها الشمالية بذكاء بارد، فتضرب ما تشاء من أهدافٍ، وتترك للجغرافيا أن تحكم الباقي، فهي تدرك أن سوريا ضعيفة وممزقة أفضل لها من سوريا موحدة وقوية، فتكتفي بلعب دور “الضابط السلبي” الذي يمنع أي توازن جديد يعيد للدولة السورية قدرتها الاستراتيجية القديمة.
في هذا المشهد الإقليمي المترابط، تبدو سوريا كرقعة في لعبة شطرنج أكبر، فلا أحد يريد احتلالها، لكن الجميع يريد أن يبقيها غير مستقرة بما يكفي لئلا تعود لاعبا مستقلا، فتبدو كـ”بلاد عازلة” (Buffer State) بين مصالح متصارعة، لا دولة ذات سيادة كاملة.
وكلما ضعفت السلطة المركزية، زادت شهية الجيران للتدخل، سواء بحجة الأمن أو بحجة حماية الأقليات أو محاربة الإرهاب، وتعود سوريا إلى وضعها التاريخي الطبيعي كساحة توازن وعقدة مواصلات أكثر منها هوية سياسية.

ما بعد الجغرافيا: نحو عقدٍ جديد؟

هناك لحظة إدراك نادرة في كل تاريخ مأساوي، وربما سيدرك كثير من السوريين أن تكرار التاريخ ليس قدرا، بل نتيجة خيارات، فإما أن تعيد الدولة الجديدة تعريف المواطنة كهوية تتجاوز الطائفة، أو تستسلم لمعادلة الجغرافيا من تفكك دائم في أرض لا تعرف الثبات.

لبناء عقد اجتماعي جديد، تحتاج سوريا إلى شيء أبعد من مؤسسات؛ خيال وطني يرى في الاختلاف مصدر قوة، لا خطرا، ويعترف بحدود الدولة ويصوغ داخلها معنى الانتماء، ومن دون ذلك، سيبقى السوري محكوما بأن يعيش في أرضٍ قاسية، لا يمكن للناس أن يصنعوا التاريخ كما يشاؤون، بل كما تسمح لهم تضاريسهم.

سوريا بعد العاصفة

مع نهاية 2025، تقف سوريا أمام مفترق جديد، فإما أن تعيد بناء ذاتها من تحت الركام، أو أن تنزلق إلى فوضى مستدامة تُدار بصفقات إقليمية، وما حدث عام 2011 كان مواجهة متدحرجة ضد نظام، وما يحدث الآن هو تصدع داخل المجتمع نفسه.

وهذا أخطر بما لا يُقاس، لأنّ النظام يمكن إسقاطه، أما الجغرافيا فلا تُسقَط، بل تُدار، وسوريا، كما كانت منذ فجر التاريخ، لا تحتاج إلى بطل جديد، بل إلى وعي جديد يفهم أن الجغرافيا ليست لعنة… بل اختبار دائم للقدرة على البقاء.

عودة الانقسام السوري في 2025

عودة الانقسام السوري في 2025

جغرافيا تتكرر وتاريخ يعيد نفسه
تحليل استراتيجي – نهاية عام 2025

سوريا تعيد الجغرافيا ابتكار نفسها مع كل جيل، ونهاية 2025 حملت معها عودة لصدى الانقسام الأول بصيغ مختلفة وأكثر تجذراً.

انقسام المجتمعات المحلية

اللاذقية: 65% احتجاجات
• 45% ضد الحكومة الجديدة
• 20% مؤيدة
يشكلون 65% من النشاط السياسي المحلي
السويداء: 40% توترات
• 25% صراع دروز/بدو
• 15% توترات أخرى
40% من المنطقة في حالة توتر
  • اللاذقية: 65% نشاط احتجاجي متضارب
  • السويداء: 40% من المنطقة في صراعات محلية
  • الشمال الشرقي: برود كردي وإيزيدي تجاه الدولة

انهيار العقد الاجتماعي

الهوية الوطنية: 30% (كانت 70%)
• قبل 2011: 70% انتماء وطني
• الآن: 30% فقط
انخفاض 40% خلال 14 سنة
الانتماءات المحلية: 60%
• 25% انتماء طائفي
• 20% انتماء قبلي
• 15% انتماء إقليمي
60% من السوريين يعتمدون هويات محلية
  • الهوية الوطنية انخفضت من 70% إلى 30%
  • 60% من السوريين يعتمدون هويات محلية
  • العقد الاجتماعي القديم انهار بنسبة 70%

الأوضاع الاقتصادية

تحت خط الفقر: 40%
• 40% من العائلات السورية
• 6 ملايين عائلة تقريباً
نصف السكان تقريباً
فائض مالي: 11% فقط
• 11% من العائلات تمتلك فائضاً
• 89% لا تمتلك فائضاً
11 من كل 100 عائلة فقط
  • 40% من العائلات تحت خط الفقر
  • 11% فقط تمتلك فائضاً مالياً
  • انقسام اقتصادي حاد بين مناطق النفوذ

التدخلات الإقليمية

تركيا: 30% تأثير
• 15% تأثير عسكري شمالاً
• 10% تأثير اقتصادي
• 5% تأثير سياسي
30% من التأثير الإقليمي
روسيا: 25% نفوذ
• 10% قواعد في الساحل
• 10% دعم حكومي
• 5% نفوذ أمني
25% من النفوذ الإقليمي
  • تركيا: 30% تأثير (عسكري واقتصادي)
  • روسيا: 25% نفوذ (قواعد ودعم)
  • إسرائيل: 15% تأثير (غارات وضربات)

مقارنة انقسام 2011 وانقسام 2025

المجال 2011 (الثورة) 2025 (التصدع) الفرق والتغيير
الطبيعة صراع سياسي ضد نظام تصدع مجتمعي داخلي من سياسي إلى مجتمعي
المركزية نظام مركزي واضح غياب مركز، قوى متعددة فقدان 100% للمركزية
الهوية الوطنية 70% انتماء وطني 30% انتماء وطني انخفاض 40%
التدخل الخارجي 25% تدخل إقليمي 70% تدخل إقليمي زيادة 45%
القدرة على الحل 60% قابلية للحل السياسي 25% قابلية للحل انخفاض 35%
الفرق الرئيسي: 2011 → 2025
• 2011: صراع ضد نظام (سياسي)
• 2025: تصدع داخل المجتمع (هيكلي)
الانقسام تحول من سياسي إلى بنيوي
حساب قابلية الحل:
• 2011: 60% قابلية للحل السياسي
• 2025: 25% قابلية فقط
انخفاض 35% في إمكانية الحل

الخلاصة: سوريا بين الجغرافيا والمستقبل

فرص إعادة البناء: 35%
• 40% إرادة مجتمعية
• 30% إمكانيات اقتصادية
• 35% دعم دولي
المتوسط: 35% فرصة نجاح
خطر الفوضى المستدامة: 65%
• 70% انقسام مجتمعي
• 60% ضعف مؤسساتي
• 65% تدخلات إقليمية
المتوسط: 65% خطر استمرار الفوضى
  • 35% فرصة: لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد
  • 65% خطر: للانزلاق نحو فوضى مستدامة
  • الحل: يحتاج خيال وطني يرى في الاختلاف مصدر قوة
  • التحدي: إدارة الجغرافيا بدلاً من الاستسلام لها

النظام يمكن إسقاطه، أما الجغرافيا فلا تُسقط، بل تُدار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *