في الأسبوع الثالث من كانون الثاني 2026 شهدت الأسواق السورية انخفاضا لافتا في سعر صرف الدولار من 12,200 إلى 11,350 ليرة سورية خلال يومين فقط وبنسبة تقارب 7%.
في اقتصادات مستقرة يفسر مثل هذا التراجع عادة بزيادة في العرض الدولاري أو تحسن مفاجئ في الحساب الجاري، لكن في سوريا، لا صادرات ارتفعت، ولا تحويلات تضاعفت، ولا سياسة نقدية تغيرت، ورغم ذلك تحرك السعر بهذه السرعة، وكأن السوق خاضعة لإشارات خفية لا لقوانين الاقتصاد،فالعملة تتأرجح بلا بوصلة، وسوق تدار لا بالثقة والمؤشرات، بل بالتخمين والمضاربة والمعلومات الموجهة.
كتلة نقدية خارج النظام: الليرة بلا وطن
تشير تقديرات عام 2025 إلى أن نحو68% من الكتلة النقدية المتداولة في سوريا توجد خارج الجهاز المصرفي الرسمي، أي في السوق الموازية أو في أيدي التجار والمضاربين أو في مناطق خارج سوريا، بهذا المعنى، لم يعد المصرف المركزي صانعا للسياسة النقدية بقدر ما صار متلقيا لنتائجها.
إن أي اقتصاد لا يستطيع أن يتحكم بكتلته النقدية يفقد القدرة على إدارة سعر الصرف، فالمركزي السوري، رغم محاولاته المتكررة لضبط السوق عبر حملات رقابية أو نشرات يومية، أصبح يتفاعل مع السوق بدل أن يقودها.
وبينما تتقلص أدوات التدخل الفعلي، تزداد المضاربة النفسية التي تجعل من الليرة أداة ربح سريع لا وسيلة تبادل مستقرة، وحين تصبح العملة أداة خوف لا ثقة، تفقد الدولة قدرتها على التوجيه الاقتصادي.
اقتصاد بلا مرآة: غياب المنصة الرسمية للسعر الحقيقي
حتى اليوم، لا تملك سوريا منصة تداول شفافة للعملة الأجنبية على غرار ما اعتمدته مصر أو نيجيريا أو حتى لبنان مؤخرا، وفي غيابها، يصبح سعر الصرف الرسمي رقما إداريا أكثر منه اقتصاديا، فيما يترك السعر الواقعي ليحدد في السوق السوداء أو عبر تطبيقات وصفحات فيسبوك مجهولة المصدر.
تتحول الصفحة الإلكترونية في إسطنبول أو أعزاز إلى بوصلة للاقتصاد السوري، فيما تفقد دمشق دورها المركزي في تحديد اتجاه السوق، فتغريدة واحدة، أو إشاعة عن تدخل خارجي، كافية لتحريك الأسعار بنسبة تفوق ما قد تفعله شهور من السياسات الرسمية، في سوريا اليوم، تدار السياسة النقدية من الإنترنت لا من المصرف المركزي.
هل يشارك المركزي في لعبة السوق؟
تثير تقارير اقتصادية عديدة احتمال أن جزءا من السيولة الدولارية أو حتى الليرة، التي يفترض أن تكون في احتياط المصرف المركزي، وتستخدم في عمليات تدخل غير معلنة في السوق، سواء عبر وسطاء أو مؤسسات رديفة، بهدف تخفيض السعر مؤقتا أو امتصاص الطلب في فترات معينة.
هذه العمليات تؤدي عمليا إلى تغذية ظاهرة التقلبات الحادة (Volatility Clustering):
- انخفاض سريع في السعر.
- يعقبه ارتفاع أعنف.
- ثم موجة مضاربة جديدة.
بمعنى آخر، السياسة النقدية نفسها تغذي الاضطراب الذي تحاول احتواءه.
الاقتصاد الحقيقي خارج المعادلة
التحسن المؤقت في سعر الصرف لم يأتِ من تحسن في المؤشرات الأساسية، فبيانات 2025 تظهر أن:
- الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 23 مليار دولار بأسعار السوق، أي أقل من نصف مستواه قبل 2011.
- القطاع الصناعي انكمش بنسبة 8% في النصف الأول من العام.
- التحويلات الخارجية تراجعت بنسبة 12% بعد تشديد الرقابة المالية في بلدان المهجر.
- العجز التجاري تجاوز 5 مليارات دولار، مع اعتماد شبه مطلق على الواردات في المواد الأساسية.
في ضوء ذلك، لا يمكن تفسير أي تحسن في سعر الليرة إلا كحركة مضاربية قصيرة المدى، لا كإشارة على تعاف اقتصادي حقيقي، فالليرة ترتفع إذن بـ”التفاؤل اللحظي”، لا بالإنتاج أو الصادرات.
هيمنة المالية العامة: الليرة كأداة تمويل
تظهر قراءة السياسات النقدية السورية في 2025 نمطا واضحا من هيمنة المالية العامة على السياسة النقدية (Fiscal Dominance)، فالمصرف المركزي يستخدم عمليا لتمويل العجز الحكومي عبر الإصدار النقدي، بدل أن يترك لتحديد السيولة وفق أهداف استقرار الأسعار وسعر الصرف.
لا تعمل أدوات السياسة النقدية بمعناها العلمي (الفائدة، السوق المفتوحة، التعقيم النقدي)، بل تتحول إلى آليات تكيف سياسي قصير الأمد.
هذا الخلل البنيوي في العلاقة بين المالية والنقدية هو ما يجعل أي تحسن مؤقت قابلا للانفجار مجددا، فحين تدار العملة بوصفها وسيلة لشراء الوقت، يصبح الوقت نفسه عملة مهدورة.
مضاربة عابرة للحدود: حرب المعلومات المالية
عام 2025 شهد أيضا اتساع ظاهرة المضاربة العابرة للحدود، فالصفحات التي يديرها صرافون في تركيا أو الشمال السوري، تروج أخبارا عن “انخفاضات قادمة” أو “انفراجات مفاجئة” في سعر الصرف.
هذه الحملات الإعلامية لا تهدف فقط إلى التأثير في التوقعات، بل إلى خلق موجات شراء أو بيع تؤمن أرباحا للمضاربين.
وفي غياب شفافية رسمية وسعر مرجعي موثوق، يجد المواطن السوري نفسه مضاربا غير مباشر في لعبة لا يملك قواعدها.
الطريق نحو التعافي: الشفافية أولا
الخروج من هذا النفق النقدي يتطلب أكثر من إجراءات طارئة، حيث ينبغي على السلطات النقدية السورية أن تنشئ منصة إلكترونية رسمية لتداول العملات؛ تربط البنوك وشركات الصرافة وتظهر السعر في الزمن الحقيقي وفق توازن العرض والطلب الفعلي.
هذه الخطوة ستعيد بناء الثقة المعلوماتية وتضع حدا للهيمنة الإعلامية الخارجية على سوق الصرف، كما يجب تحفيز إعادة توطين السيولة داخل المصارف عبر أدوات ادخار واقعية بعائد مقبول، مع التزام واضح بعدم المساس بودائع المواطنين.
الثقة النقدية لا تبنى بقرارات فوقية، بل بالتجربة اليومية للمواطن مع مؤسسته المالية.
الليرة كمرآة للسيادة
ما يجري في سوق الصرف السوري اليوم ليس مجرد اضطراب نقدي، بل تعبير عن فقدان مركز الثقل في الاقتصاد الوطني، فحين يصبح سعر العملة مرهونا بإشاعة، ويدار من خارج حدود الدولة، فإننا أمام انكشاف نقدي كامل.
العملة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل عقد اجتماعي بين الدولة ومواطنيها، وما لم يستعد هذا العقد على أساس الشفافية والمسؤولية، ستبقى الليرة السورية مهما تبدل سعرها رمزالأزمة ثقة قبل أن تكون أزمة اقتصاد.
سوريا 2025: من يملك الليرة؟
النقدية
بالليرة؟

