في سوريا، تعد الكهرباء أكثر من مجرد خدمة تقنية؛ إنها مرآة للعقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع، وحين تختل هذه الخدمة، لا يقتصر الخلل على المصابيح والأجهزة، بل يمتد إلى الاقتصاد والسياسة والاستقرار الاجتماعي.
تكشف السياسات العامة السورية المتبعة في قطاع الكهرباء عن أزمة أعمق من مجرد نقص وقود أو دمار في البنية التحتية؛ ففي جوهرها، أزمة حوكمة واختيار سياسي.
منذ الإعلان عن التعرفة الجديدة، وما رافقها من فواتير صادمة تجاوزت في حالات كثيرة نصف مليون ليرة سورية، دخلت الكهرباء إلى صلب النقاش العام بوصفها عبئا معيشيا مركزيا، لا خدمة مدعومة كما درج الخطاب الرسمي لعقود، فلا نتحدث عن “تصحيح أسعار” بالمعنى التقني، بل عن إعادة تعريف غير معلنة لدور الدولة في واحد من أكثر القطاعات حساسية.
من الدعم الشامل إلى الجباية الصلبة
لطالما شكلت الكهرباء، قبل الحرب، أحد مرتكزات الخطاب الرسمي للدولة السورية حول الرعاية الاجتماعية، حيث قُدمت بوصفها خدمة شبه مجانية تعكس التزام الدولة بحماية مستويات المعيشة، وبعد عام 2011، ومع الدمار الواسع الذي طال محطات التوليد وشبكات النقل، تراجعت القدرة الإنتاجية بصورة حادة، غير أن السياسات العامة آنذاك حافظت على التعرفة المنخفضة، مع قبول ضمني بتراجع مستوى الخدمة إلى ساعات وصل محدودة، كخيار لإدارة الأزمة.
مثل نهاية 2024 نقطة انعطاف في طريقة إدارة قطاع الكهرباء مع سقوط النظام السابق، وتغيرت مقاربة الحكم تجاه الملفات الخدمية، فأعادت السلطة تعريف أولوياتها، منتقلة من منطق توزيع الخسائر عبر التقنين إلى منطق احتواء العجز عبر تعظيم الجباية، ولم تعد التعرفة الجديدة إجراء تقنيا معزولا، بل تعبيرا عن تحول أوسع في فلسفة السياسة العامة، حيث جرى نقل العبء المالي مباشرة إلى الأسر، من دون أن يترافق ذلك مع إعادة بناء منظومة الدعم، أو تحسين ملموس في استقرار الخدمة وجودتها.
فقدت الكهرباء بهذا التحول وظيفتها الرمزية كأداة للتماسك الاجتماعي، لتصبح واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك المباشر بين الدولة والمجتمع، فالمواطن لم يُطلب منه فقط التكيف مع خدمة شحيحة، ودفع مبالغ تتجاوز طاقته ودخله، بل أيضا تمويل إعادة تنظيم قطاع لم تكتمل إصلاحاته بعد، في غياب عقد اجتماعي محدث يوضح بجلاء حدود المسؤوليات المتبادلة بين الطرفين.
المنطق الاقتصادي… وحدوده السياسية
تستند الرواية الرسمية إلى منطق اقتصادي ظاهره متماسك:
- تكلفة إنتاج الكهرباء أعلى بكثير من سعر بيعها.
- الدولة عاجزة عن الاستمرار في دعم قطاع خاسر.
- رفع التعرفة ضرورة لإصلاح القطاع وجذب الاستثمار.
هذه الحجج، مقنعة في أي اقتصاد مستقر، لكن الإشكال السوري يكمن في سياق التطبيق، فالاقتصاد لا يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة دخل، وسوق عمل، وحماية اجتماعية، وحين يكون متوسط راتب الموظف أقل من قيمة فاتورة كهرباء واحدة، فإن الحديث عن “الجدوى الاقتصادية” يتحول من إصلاح إلى إعادة توزيع قسرية للفقر.
يظهر هنا الخلل البنيوي، فالسياسات العامة لا تقاس بصحتها النظرية، بل بقدرتها على العمل ضمن الواقع الاجتماعي، وفي سوريا فإن رفع التعرفة جرى من دون شبكة أمان، وتدرج زمني، وربط السعر بجودة الخدمة.
الدولة كجابي… لا كمنظم
في التجارب المقارنة، حين ترفع الدول تعرفة الكهرباء، تفعل ذلك ضمن عقد واضح؛ سعر أعلى مقابل خدمة مستقرة، أو دعم مباشر للفئات الأضعف، في الحالة السورية، تبدو الدولة اختارت دور “الجباية الصلبة”، مع ترك المواطن وحيدا أمام فاتورة لا يملك أدوات الاعتراض عليها.
تتجلى هذه المقاربة في ثلاثة مستويات:
- غياب الشفافية: فلا توجد بيانات منشورة بوضوح حول كلفة الإنتاج الفعلية، ولا حول كيفية احتساب الفواتير في ظل ساعات وصل محدودة.
- الخلط بين الدين والخدمة: فالحديث عن تراكم فواتير، وربطها بإجراءات إدارية وقانونية، يخلق مناخ خوف بدل شراكة.
- تحميل الفرد مسؤولية انهيار منظومة كاملة؛ وكأن المواطن هو من دمر المحطات، أو أدار الحرب، أو اتخذ قرارات الطاقة.
العدادات الجديدة: تحديث تقني أم أداة ضغط؟
يقدم مشروع العدادات الجديدة بوصفه خطوة نحو “ضبط الاستهلاك” و”العدالة في الجباية”، ولكن في بيئة يغيب فيها الدخل الكافي، تتحول العدادات من أداة تنظيم إلى وسيلة قسر مالي، والخشية ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في السياق الذي تستخدم فيه؛ وسط سياق تراكم ديون، وغموض قانوني، ومخاوف من قطع الخدمة.
الأخطر أن ملف العدادات يكشف هشاشة الملكية القانونية نفسها، فآلاف العدادات مسجلة بأسماء غير المالكين، ما يخلق شبكة معقدة من المسؤوليات، وتستخدم لاحقا كأداة ابتزاز إداري، بدل أن تكون مدخلا لتنظيم القطاع.
الاستثمار… الغائب الحاضر
تلوح الحكومة دوما بورقة “جذب الاستثمار” في الطاقة، بما في ذلك الطاقات المتجددة، لكن الاستثمار بطبيعته يبحث عن:
- استقرار تشريعي.
- شفافية تعاقدية.
- قدرة شرائية مستدامة.
رفع التعرفة في اقتصاد منهك لا يخلق سوقا جاذبة، بل يخلق طلبا مكبوتا، والأسوأ أن غياب المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام شائعات عن عقود خارجية وشركات أجنبية، ما يضعف الثقة العامة حتى في المشاريع الممكنة.
ما الذي تكشفه أزمة الكهرباء فعليا؟
أزمة الكهرباء ليست تقنية، بل سياسية-اقتصادية بامتياز فهي تكشف:
- غياب رؤية متكاملة للسياسات العامة.
- انقطاع الصلة بين القرار الاقتصادي والواقع الاجتماعي.
- انتقال الدولة من منطق الرعاية إلى منطق التحصيل، من دون إعلان صريح لذلك.
ضمن هذا الإطار فإن الكهرباء ليست سوى عرض لمرض أعمق؛ يتجلى بإدارة الأزمات عبر الأدوات الأسهل (رفع الأسعار)، لا عبر الإصلاحات الأصعب (إعادة هيكلة القطاع، مكافحة الفاقد، تحسين الإدارة، وربط السعر بالدخل).
سؤال العقد الاجتماعي
الدول لا تقاس بقوة قراراتها، بل بقدرتها على بناء شرعية مستدامة، والسياسات العامة، حين تنفصل عن العدالة الاجتماعية، تنجح محاسبيا وتفشل سياسيا.
السؤال الذي تطرحه أزمة الكهرباء في سوريا ليس كم يجب أن تكون التعرفة؟ بل ما الذي تلتزم به الدولة تجاه مواطنيها، مقابل ما تطلبه منهم؟
من دون إجابة صريحة على هذا السؤال، ستبقى الكهرباء رمزا لانقطاع أعمق؛ انقطاع الثقة بين الدولة والمجتمع.
الكهرباء في سوريا: من خدمة عامة إلى عبء اجتماعي
الملخص التحليلي
تكشف أزمة الكهرباء في سوريا عن تحول عميق في السياسة العامة، حيث تنتقل الدولة من دور الراعي الاجتماعي إلى دور الجابي المالي، في غياب عقد اجتماعي محدث. لم تعد الكهرباء مجرد خدمة تقنية، بل أصبحت مرآة لانقطاع الثقة بين الدولة والمجتمع، ورمزاً لإعادة توزيع الفقر في اقتصاد منهك.
تطور أسعار الكهرباء مقابل الدخل
توزيع عبء الكهرباء على ميزانية الأسرة
التحول في فلسفة السياسة العامة
- خدمة شبه مجانية كرمز للرعاية الاجتماعية
- تعرفة رمزية مع تقنين الخدمة
- دعم حكومي للقطاع الخاسر
- التماسك الاجتماعي كأولوية
- تقاسم العبء بين الدولة والمجتمع
- فاتورة كهرباء كعبء معيشي مركزي
- تعرفة عالية مع استمرار التقنين
- تحميل المواطن تكاليف القطاع
- الاستقرار المالي كأولوية
- نقل العبء كاملاً إلى المواطن

