الطاقة المفقودة: قراءة نقدية في سياسة تسعير الكهرباء في سوريا لعام 2025

في الاقتصاد، لا تُقاس السياسات بالنيات بل بالنتائج، وبينما تبرّر الحكومات عادةً قراراتها الاقتصادية بعبارات مثل “الإصلاح” و”الاستدامة المالية”، فإن التجربة السورية في رفع أسعار الكهرباء خلال عام 2025 تقدم نموذجا مكثفاً للكيفية التي يمكن أن تتحوّل بها سياسات “إعادة التوازن المالي” إلى أداة لإعادة توزيع الخسائر لا الأرباح على الشرائح الأضعف في المجتمع.

منذ مطلع عام 2025، أخذ مسار الكهرباء في سوريا منحى تصاعديا حادا، ولم يكن الأمر مجرد تعديل في التعرفة، بل تحولا هيكليا في فلسفة الدعم نفسها، فبينما كانت الدولة لعقود تعتبر الكهرباء خدمة اجتماعية تُقدم بسعر رمزي لضمان “الاستقرار الاجتماعي”، أصبحت اليوم سلعة تُسعر بمنطق السوق، ولكن من دون سوق ولا منافسة أو حوافز كفاءة.

بداية التحول – من الدعم إلى التحميل

في النصف الأول من عام 2025، كانت التعرفة السائدة للأسر السورية تُراوح بين 135 و260 ليرة سوريةلكل كيلوواط/ساعة بحسب الشريحة، أي ما يعادل نحو 0.02 دولار أمريكي فقط وفق سعر الصرف الرسمي حينها. ومع أن هذا السعر كان بعيداً جداً عن تكلفة الإنتاج المقدَّرة رسميا بما يتجاوز1500  ليرة سوريةلكل كيلوواط/ساعة، فإن رفع التعرفة كان في حكم المؤجل سياسياً.

لكن مع اتساع العجز في موازنة الكهرباء الذي تجاوز 3 تريليونات ليرة سورية سنويا بحسب تقديرات وزارة الطاقة؛ باتت الحكومة أمام خيارين: إما زيادة الدعم عبر التمويل النقدي (وبالتالي توسيع الكتلة التضخمية)، أو رفع الأسعار لتخفيف العبء المالي.

اختارت الحكومة المسار الثاني، وبدأت منذ منتصف العام بتسريبات تمهيدية، ثم أعلنت في30  تشرينالأول2025 قرارها برفع تعرفة مبيع الكيلوواط/ساعة إلى 600 ليرة للشريحة المنزلية الأولى (1-300 ك.و.س) و1400  ليرة لكل ما يزيد عنها، مع توحيد تسعيرة التوترات الصناعية (230، 66، 20/0.4 ك.ف) عند 1400 ليرة سورية للكيلوواط، “ولكامل الكمية المستهلكة”.

هذه الأرقام لم تكن مجرد تصحيح حسابي، إنما إعلان رسمي لانتهاء مرحلة “الكهرباء المدعومة” وبدء مرحلة “الكهرباء المسعّرة” وفق مقاربة مالية بحتة.

المنطق الاقتصادي الرسمي – بين التكلفة والسوق

تُبرّر وزارة الطاقة القرار بعبارات مألوفة في أدبيات صندوق النقد الدولي مثل “تصحيح التشوّهات السعرية”، و”تحقيق العدالة في توزيع الدعم”، و”تأمين استمرارية الخدمة”، وتبين أن خسائر القطاع وصلت إلى حوالي مليار دولار سنويا نتيجة بيع الكهرباء بأقل من تكلفتها، من هذا المنطلق، تبدو الزيادة منطقية ظاهرياً.

لكن الاقتصاد لا يُبنى على المنطق الحسابي وحده، بل على عدالة توزيع الأعباء، فالمفارقة أن “تصحيح الأسعار” في اقتصاد مختل البنية الإنتاجية لا يؤدي إلى الكفاءة، بل إلى مزيد من الاختلال، فحين ترفع الحكومة الأسعار في بيئة تتسم بانعدام المنافسة، وغياب العدالة في الدخل، وانقطاع الخدمة في أغلب المناطق، فإنها لا تُصحّح الأسعار بل تُضاعف الظلم.

الواقع أن الكهرباء في سوريا ليست سلعة يمكن تسعيرها بمرونة، فهي خدمة شبه احتكارية، تُنتجها وتوزعها الدولة نفسها، ولا بديل لها سوى المولدات الخاصة التي تبيع الكيلوواط الواحد بأضعاف مضاعفة (تتجاوز أحيانا6000  ليرة سورية/ك.و.س في بعض المدن)، فالمواطن السوري لم يُخَيّر يوماً بين “سوق حرّة” و”خدمة حكومية”، بل فُرض عليه واقع مزدوج فيدفع أكثر، ليحصل على الأقل.

من الموازنة إلى المعاناة – قراءة في الأثر الاجتماعي

لنأخذ أسرة سورية متوسطة تستهلك400  ك.و.س في الدورة (أي قرابة شهرين)، فوفق التسعيرة الجديدة، ستدفع:

  • عن أول 300 ك.و.س × 600 ل.س = 180,000 ل.س
  • عن 100 ك.و.س × 1400 ل.س = 140,000 ل.س
    المجموع: 320,000 ليرة سورية للدورة الواحدة.

بافتراض أن متوسط الدخل الشهري للموظف العام يبلغ نحو 850,000 ليرة سورية، فإن كلفة الكهرباء وفق التسعيرة الجديدة لأسرة تستهلك 400 ك.و.س في الدورة ستبلغ قرابة 320,000 ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 37% من الدخل الشهري تقريباً.

الكهرباء غدت بندا ثقيلا في موازنة الأسرة السورية، يفوق بكثير ما يُنفق عادة على الغذاء أو النقل في الاقتصادات المتوسطة، ويترك هامشا ضئيلا لتغطية الاحتياجات الأساسية الأخرى كالماء والغاز والوقود والاتصالات.

يمكن وصف هذا الواقع بلغة الاقتصاد بـ”ضريبة الظل”، فهناك ارتفاع الأسعار من دون زيادة في الدخل، وتم نقل العبء المالي من الدولة إلى المواطن مباشرة، بلا إطار تعويضي أو حماية اجتماعية.

اللافت أن الزيادة جاءت في وقت ما تزال فيه ساعات التقنين تتجاوز18  ساعة يوميا في معظم المحافظات، ما يعني أن المواطن يدفع أكثر، ليحصل على خدمة أقل، فيظهر التناقض الجوهري بين المنطق المالي ولاقتصادي، فلا يمكن لأي إصلاح للأسعار أن يُعتبر ناجحا ما لم يترافق بتحسن في الكفاءة الإنتاجية وجودة الخدمة.

الاقتصاد السياسي للطاقة – من يدفع ثمن العجز؟

من منظور الاقتصاد السياسي، يكشف تحرير أسعار الكهرباء في سوريا عن مقاربة يغلب عليها المنطق المالي المحض على حساب البعد الاجتماعي، فالقرار الأخير، وإن صيغ بعبارات مثل “إصلاح التعرفة” و”تحقيق التوازن المالي”، يعكس في جوهره رؤية تعتبر المواطن وحدة استهلاك لا شريكا اقتصاديا، وتتعامل مع قطاع الكهرباء كمصدر إيراد لا كخدمة عامة.

إن تحرير الأسعار بغياب آليات حماية اجتماعية فعّالة يحوّل الطاقة إلى عبء معيشي، لا إلى محفز إنتاجي، فحين يُسعَّر الكيلوواط وفق التكلفة دون أن “تُسعر” معه العدالة أو الكفاءة، يصبح الإصلاح “جبايةمقنّعة”، ومع أن الحكومة تبرر الزيادة بالحاجة إلى تغطية العجز وضمان الاستدامة، فإن السؤال الأعمق لمن تُوجَّه الاستدامة؟ أهي استدامة مالية للمؤسسة فقط، أم معيشية للمجتمع أيضا؟

ما يحتاجه الاقتصاد السوري ليس تحرير السعر بقدر ما يحتاج تحرير الرؤية، والانتقال من سياسة توازن الدفاتر إلى سياسة توازن المصالح، بحيث يُعاد تعريف الكهرباء لا كسوق مغلقة أو مصدر دخل، بل كبنية أساسية للتنمية والإنتاج والكرامة الإنسانية.

وبينما تُعلن السلطات أن الإعفاء من التقنين يُمنح اليوم على أساس “الأولويات الإنتاجية” لا السياسية، فإن التجربة الميدانية تشير إلى أن شبكة المصالح الاقتصادية القديمة لم تُحل بالكامل بعد، وأن الانتقال نحو نظام طاقي عادل لا يزال في منتصف الطريق بين منطق “السلطة كخدمة عامة” و”السلطة كملكية مشتركة”.

بهذا المعنى، فإن رفع الأسعار لا يُطال الجميع بالدرجة نفسها، فتتحمل الطبقات الوسطى والفقيرة العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، وتبقى المؤسسات الكبرى التي تملك مولدات مستقلة أو خطوط معفاة أقل تأثرا، فهي إنها إعادة توزيع معكوسة تنقل الدعم من القاعدة إلى القمة، تحت شعار “الإصلاح المالي”.

السياسات الاقتصادية تصبح غير عادلة عندما تُطبَّق بمعزل عن واقع القوة الاجتماعية، وهذا ما يحدث في الحالة السورية، فتسعيرة موحّدة تُطبّق في واقع غير موحّد بين مواطن لا يحصل على الكهرباء إلا لساعتين، وآخر في منطقة صناعية مضاءة على مدار اليوم.

المقارنة الإقليمية – كهرباء باهظة في بلد معتم

حين نقارن الأسعار الجديدة إقليميا، نجد أن سعر الكيلوواط المنزلي في سوريا (0.12 دولار تقريبا) بات الأعلى في الشرق الأوسط بعد لبنان:

  • في مصر السعر الرسمي حوالي 0.04 دولار/ك.و.س.
  • في الأردن نحو0.08  دولار.
  • في تركيا حوالي0.10  دولار.
  • في العراق لا يتجاوز0.02  دولار.

لكن الفارق الجوهري أن هذه الدول تُقدّم بالمقابل تغذية شبه مستمرة وخدمة مستقرة، فيما يدفع السوري ثمن الندرة لا الوفرة، فالكهرباء تحوّلت إلى سلعة نادرة تُسعّر كأنها رفاهية.

الكفاءة الغائبة والإصلاح المؤجل

كان يمكن لرفع الأسعار أن يُعد خطوة إصلاحية لو جاءت ضمن برنامج متكامل لتحسين الكفاءة وتقليل الفاقد الفني والتجاري الذي يقدَّر بأكثر من 35% من الإنتاج ما يعادل مليارات الليرات شهريا، غير أن غياب الاستثمار في البنية التحتية، وتراجع الصيانة، واستمرار الاعتماد على محطات فيول قديمة، يجعل أي زيادة في الإيرادات مهددة بالتآكل أمام الفساد والهدر وسوء الإدارة.

بدلاً من أن يكون المواطن شريكاً في «تحمّل التكلفة» مقابل تحسين الخدمة، يجد نفسه ممولاً لقطاع غير منتج. إنها صيغة لا تُنتج إلا مزيداً من فقدان الثقة بين المواطن والدولة.

نحو بديل عادل ومستدام

من منظور اقتصادي كلي، الحل لا يكمن في رفع الأسعار فقط، بل في إعادة تعريف دور الدولة في الطاقة، وينبغي في إطار “الاقتصاد ما بعد النيوليبرالي” أن تُدار المرافق العامة على أساس الكفاءة الاجتماعية لا الربحية البحتة، فالهدف هو تحقيق كلفة عادلة وعدالة في الكلفة.

يمكن للحكومة السورية أن تعتمد نموذجا تدريجيا أكثر توازنا:

  1. ربط التعرفة بالدخل لا بالاستهلاك فقط.
  2. تحسين التحصيل وتقليل الفاقد الفني قبل تحميل الأسر التكلفة.
  3. تحفيز الطاقة المتجددة اللامركزية، خصوصا في الأرياف، لتخفيف الضغط على الشبكة.
  4. تخصيص جزء من الإيرادات لتحسين الخدمة وليس فقط لتمويل الموازنة.

الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الليرات التي تمت جبايتها، بل بمدى شعور المواطن بأن ما يدفعه يعود عليه بقيمة مضافة.

رفع أسعار الكهرباء في سوريا عام 2025 ليس مجرد حدث اقتصادي، بل مرآة لأزمة أعمق مرتبطة بالثقة بين الدولة والمجتمع، ففي غياب الشفافية والمساءلة، تصبح كل زيادة في الأسعار نوعاً من “الجباية غير المعلنة”، وكل وعد بتحسين الخدمة مجرّد انتظار آخر في الظلام.

ليس الإصلاح أن تجعل الفقير يدفع أكثر، بل أن تجعل النظام يعمل أفضل، وفي بلدٍ أنهكته الحرب والعتمة، ما يحتاجه السوريون ليس كهرباء أغلى، بل “ضوء أعدل.”

الطاقة المفقودة: تسعير الكهرباء في سوريا 2025

الطاقة المفقودة: قراءة نقدية في سياسة تسعير الكهرباء في سوريا لعام 2025

في الاقتصاد، لا تُقاس السياسات بالنيات بل بالنتائج. بينما تبرّر الحكومات قراراتها الاقتصادية بعبارات مثل “الإصلاح” و”الاستدامة المالية”، فإن تجربة رفع أسعار الكهرباء في سوريا عام 2025 تقدم نموذجاً للكيفية التي تتحوّل بها سياسات “إعادة التوازن المالي” إلى أداة لإعادة توزيع الخسائر على الشرائح الأضعف في المجتمع.

تطور أسعار الكهرباء في سوريا

تأثير الأسعار الجديدة على ميزانية الأسرة

أسرة سورية متوسطة تستهلك 400 ك.و.س في الدورة ستدفع 320,000 ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 37% من دخل الموظف العام الشهري (850,000 ليرة). الكهرباء غدت بنداً ثقيلاً في موازنة الأسرة يفوق بكثير ما يُنفق على الغذاء أو النقل.

مقارنة أسعار الكهرباء إقليمياً (دولار/ك.و.س)

سوريا قبل 2025

الشريحة الأولى (1-300 ك.و.س): 135-260 ل.س (0.02$)
ما فوق الشريحة الأولى: 260 ل.س (0.02$)
ساعات التقنين: 18+ ساعة/يوم

سوريا بعد 2025

الشريحة الأولى (1-300 ك.و.س): 600 ل.س (0.12$)
ما فوق الشريحة الأولى: 1400 ل.س (0.28$)
ساعات التقنين: 18+ ساعة/يوم

النتائج الرئيسية

  • ارتفاع تكلفة الكهرباء إلى 37% من دخل الأسرة للموظف العام
  • سوريا أصبحت ثاني أعلى سعر للكهرباء في المنطقة بعد لبنان
  • المواطن يدفع أكثر ليحصل على خدمة أقل (18+ ساعة تقنين يومي)
  • الفساد والهدر والفاقد الفني (35%) لم تتم معالجته قبل رفع الأسعار
  • الزيادة تفتقر إلى آليات حماية اجتماعية للفئات الضعيفة

البدائل المقترحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *