سعر الصرف في سوريا: أرقام الاستقرار المُعلن وواقع الندرة المُدارة

في سوريا، لم يعد سعر الصرف مجرد مؤشر اقتصادي يُقاس بحركة السوق، بل تحول إلى أداة إدارة سياسية–اقتصادية تُستخدم لضبط إيقاع الأزمة ومنع انفلاتها، وهذا التحول لا يمكن فهمه بعيدا عن الأرقام نفسها، فالسعر الرسمي الذي يعلنه مصرف سورية المركزي، والمقدر بنحو 11,100 ليرة سورية للدولار الواحد مطلع شباط 2026، لا يُقدم بوفصه انعكاسا للتوازن الاقتصادي، بل كسقف إداري للاستقرار الممكن.

لكن خلف هذا الرقم، يعمل اقتصاد كامل ضمن شروط مختلفة، فالسوق غير الرسمية، التي باتت المرجع الفعلي للتسعير في قطاعات واسعة، تُقدر الدولار بنحو 12,500  ليرة في المتوسط خلال كانون الثاني 2026، فيما سجلت الليرة في نهاية 2024 مستويات قاربت14  ألف ليرة للدولار، وهو أعلى مستوى تاريخي لها، هذا الفارق بين السعر المُعلن والسعر المتداول لا يُعبر فقط عن فجوة سعرية، بل عن فجوة ثقة متراكمة.

نطاق مُدار بدل توازن مفقود

تُدار حركة سعر الصرف في سوريا ضمن هامش محسوب بعناية، فالسؤال الضمني ليس ما هو السعر العادل؟ بل ما هو السعر الذي يمكن تحمله اجتماعيا؟ فالانتقال من 11,100 إلى 12,500 ليرة ليس مجرد فارق رقمي، بل إشارة إلى أن الاستقرار الرسمي يقوم على تثبيت إداري أكثر مما يقوم على أساس اقتصادي.

النتيجة ليست انفلاتا كاملا ولا استقرارا فعليا، بل سعر معلق بين مستويين، الأول رسمي يُستخدم في البيانات والرواتب وبعض المعاملات، ومستوى سوقي يُستخدم فعليا في الاستيراد والتجارة والتسعير، والتعديلات التي تُجرى على السعر الرسمي تأتي متدرجة ومتباعدة، وتُقدم كتحديثات تقنية، لكنها في جوهرها أدوات لامتصاص ضغوط متراكمة، لا لمعالجة أسبابها.

التضخم: الرقم المُعلن والواقع المُعاش

يتجلى هذا التناقض بوضوح في ملف التضخم، فبين شباط 2024 وكانون الثاني 2025، سُجل تضخم سنوي رسمي بنحو 46.7%، وهو رقم مرتفع، غير أن بيانات أحدث، تعود إلى تشرين الثاني 2025، أشارت إلى تضخم بحدود 11.35%  وفق مؤشر أسعار المستهلكين.

هذا التباين لا يعني بالضرورة تحسنا فعليا بقدر ما يعكس اختلاف طرق القياس وتوقيتاتها، فالمواطن السوري لا يقيس التضخم بمؤشر إحصائي، بل بقدرته على شراء الغذاء والدواء والنقل، وعندما يبقى سعر الصرف مُصادرا إداريا بينما تستمر الأسعار في الارتفاع، يتكرس شعور بأن الأرقام الرسمية تُستخدم لتوصيف الاستقرار، لا لشرح الواقع.

مفارقة شح السيولة: الكتلة النقدية

من أكثر المفارقات وضوحا في الحالة السورية أن الاقتصاد يعاني شحا في السيولة يُقدر بنحو 40%  في الأسواق، في وقت تشير فيه البيانات إلى أن الكتلة النقدية توسعت من نحو تريليون ليرة في بدايات الأزمة إلى ما يقارب 42 تريليون ليرة مؤخرا.

هذا التناقض يفسر كثيرا من سلوك سعر الصرف، فالأموال موجودة على الورق، لكنها لا يتم تداولها في السوق، فالقيود على السحب والتحويل، والخوف من الاحتفاظ بالليرة، وفق الفئات الجديدة، كلها عوامل تُجمد الكتلة النقدية بدل أن تُنشط الاقتصاد، وتُستخدم القيود على السيولة كبديل عن إلاح نقدي شامل، مع نقل الكلفة إلى الاقتصاد الحقيقي.

استبدال العملة: محاولة ضبط لا حل جذري

جاءت عملية استبدال العملة، التي تمتد لنحو 90 يوما، كإجراء يهدف إلى إعادة تنظيم التداول النقدي. لكن التقارير الميدانية أشارت إلى شح واضح في الليرة الجديدة، ما أدى إلى تباطؤ عملية الاستبدال، وزيادة الاعتماد على الدولار كوسيلة ادخار وتبادل.

بدل أن تُخفف هذه العملية الضغط عن سعر الصرف، ساهمت — جزئيا — في رفع الطلب على العملات الأجنبية، لأن الثقة بالعملة لا تُبنى عبر الشكل أو الفئات، بل عبر القدرة على الحفاظ على القيمة،وتعود الأرقام لتفرض نفسها: الليرة السورية فقدت أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، وهو رقم كاف وحده لشرح سلوك الأفراد دون الحاجة إلى نظريات معقدة.

لماذا لا يُحرر السعر؟

نظريا، يُقدم تحرير سعر الصرف بوصفه خطوة نحو الشفافية، لكن في سوريا، حيث تراجعت الايرادات، وانكمشت مصادر القطع الأجنبي، وتآكل الاحتياطي، يصبح التحرير قفزة في المجهول، وأي تحرك حاد يدفع السعر فورا نحو مستويات أعلى، مع انعكاسات مباشرة على الأسعار والدخول.

لذلك، يبدو الإصرار على الإدارة الارمة خيارا دفاعي، فهو اعتراف ضمني بأن الاقتصاد لا يحتمل صدمة شاملة، وأن كلفة “التحرير”، في اللحظة الراهنة، أعلى من قدرة المجتمع على تحملها.

استقرار رقمي وأزمة مؤجلة

تُسوق السياسة الحالية تحت عنوان “الاستقرار”، لكن الأرقام تكشف هشاشته، فالفارق بين 11,100 و12,500 ليرة ليس تفصيلا تقنيا، بل مساحة يعيش فيها الاقتصاد السوري فعليا، وكلما اتسعت هذه المساحة، تآكلت الثقة أكثر.

الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بثبات رقم رسمي، بل بقدرة الناس على التخطيط والادخار دون خوف، وعندما يصبح سعر الصرف نتيجة قرار إداري، تتحول السياسة النقدية إلى إدارة يومية للأزمة، لا إلى مسار للخروج منها.

في المدى المنظور، سيبقى سعر الصرف في سوريا أسير نموذج الإدارة عبر سعر رسمي مُثبت، وسوق موازية ضاغطة، وتضخم متفاوت القياس، وسيولة شحيحة رغم كتلة نقدية ضخمة، والأرقام لا تشير إلى انفجار وشيك بقدر ما تشير إلى أزمة مؤجلة.

سعر الصرف في سوريا: بين الأرقام المُعلنة والواقع المُعاش

سعر الصرف في سوريا: بين أرقام الاستقرار المُعلن وواقع الندرة المُدارة

تحليل تفاعلي للسياسة النقدية في ظل أزمة الثقة والشفافية
“سعر الصرف في سوريا لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي يُقاس بحركة السوق، بل تحول إلى أداة إدارة سياسية–اقتصادية تُستخدم لضبط إيقاع الأزمة ومنع انفلاتها”

السعر الرسمي الذي يعلنه مصرف سورية المركزي (11,100 ليرة للدولار) لا يُقدم بوصفه انعكاساً للتوازن الاقتصادي، بل كسقف إداري للاستقرار الممكن. خلف هذا الرقم، يعمل اقتصاد كامل ضمن شروط مختلفة.

فجوة الثقة: السعر الرسمي مقابل السوق الموازية

الفارق بين الأرقام المعلنة والواقع المعاش

السعر الرسمي

11,100 ل.س
السعر المُعلن من مصرف سورية المركزي – مطلع شباط 2026

السوق الموازية

12,500 ل.س
متوسط السعر في السوق غير الرسمية – كانون الثاني 2026

الذروة التاريخية

14,000 ل.س
أعلى مستوى سجّلته الليرة – نهاية 2024

فقدان القيمة

99%+
نسبة فقدان قيمة الليرة منذ عام 2011

التضخم: الرقم المُعلن والواقع المُعاش

التباين بين المؤشرات الرسمية وتجربة المواطن اليومية

التضخم الرسمي (سنوي)

بين شباط 2024 وكانون الثاني 2025: 46.7%

مؤشر أسعار المستهلكين

تشرين الثاني 2025: 11.35%

التضخم المُحسوس

يقاس بقدرة المواطن على شراء الغذاء والدواء والنقل

  • المواطن السوري لا يقيس التضخم بمؤشر إحصائي، بل بقدرته على شراء الاحتياجات الأساسية
  • الأرقام الرسمية تُستخدم لتوهم الاستقرار، لا لشرح الواقع
  • التباين في الأرقام يعكس اختلاف طرق القياس وتوقيتاتها أكثر مما يعكس تحسناً فعلياً

مفارقة شح السيولة في ظل كتلة نقدية ضخمة

التناقض بين الأموال الورقية والواقع الاقتصادي

شح السيولة في الأسواق

يعاني الاقتصاد من شح في السيولة يُقدر بنحو 40% في الأسواق الفعلية

توسع الكتلة النقدية

توسعت الكتلة النقدية من نحو تريليون ليرة في بدايات الأزمة إلى 42 تريليون ليرة مؤخراً

الأموات المجمدة

الأموال موجودة على الورق لكنها لا تدور في السوق بسبب القيود على السحب والتحويل

  • القيود على السيولة تُستخدم كبديل عن إصلاح نقدي شامل
  • الخوف من الاحتفاظ بالليرة ونف الفئات الجديدة يُجمد الكتلة النقدية
  • يتم نقل كلفة هذا التجمد إلى الاقتصاد الحقيقي والمواطن العادي

استبدال العملة: محاولة ضبط لا حل جذري

عملية الإحلال وتأثيرها على الثقة بسعر الصرف

مدة الاستبدال

90 يوماً
المدة المخطط لها لعملية استبدال العملة

الواقع الميداني

شح واضح
التقارير تشير إلى شح في الليرة الجديدة وتباطؤ عملية الاستبدال

النتيجة غير المقصودة

زيادة الطلب
ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية كوسيلة ادخار وتبادل

مبدأ الثقة

القدرة على الحفاظ على القيمة
الثقة بالعملة لا تُبنى عبر الشكل أو الفئات، بل عبر الحفاظ على القيمة

لماذا لا يُحرر السعر؟ استراتيجية الإدارة الدفاعية

الخيارات المتاحة والسياسات المتبعة

حالة الاقتصاد

تراجعت الصادرات، وانكمشت موارد القطع الأجنبي، وتآكل الاحتياطي

خطر التحرير

أي تحرير سعري يدفع السعر فوراً نحو مستويات أعلى مع انعكاسات مباشرة على الأسعار والدخول

الخيار الدفاعي

الإدارة الضيقة للصرف اعتراف ضمني بأن الاقتصاد لا يحتمل ضربة شاملة، وكلفة التحرير أعلى من قدرة المجتمع على تحملها

  • الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بثبات رقم رسمي، بل بقدرة الناس على التخطيط والادخار دون خوف
  • السياسة النقدية تحولت إلى إدارة يومية للأزمة، لا إلى مسار للخروج منها
  • سعر الصرف أسير نموذج الإدارة عبر سعر رسمي مُثبت، وسوق موازية ضاغطة، وتضخم متفاوت القياس
الأسعار والمؤشرات الرسمية
الواقع السوقي والموازي
المؤشرات الاقتصادية
التحليل الاستراتيجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *