في مقابلة تلفزيونية بثت في 16 شباط 2026، قدم نائب وزير الاقتصاد والتجارة لشؤون التجارة الداخلية، ماهر خليل الحسن، رواية رسمية لموجة الغلاء التي تسبق شهر رمضان، محددا الارتفاع السعري في حدود 20–30%، ومصنفا الظاهرة ضمن إطارها الموسمي الطبيعي بوصفها نتاجا لديناميكيات العرض والطلب.
واستعرض ما اعتبره حزمة أدوات حكومية لمواجهة الضغوط المعيشية من رقابة تموينية مشددة، وتوسيع قنوات الاستيراد، وإحياء صالات بيع بالشراكة مع شركات خارجية، مع إقرار بوجود ضعف في القدرة الشرائية.
هذا الطرح يختزل الأزمة في حدود النسبة المئوية ويغفل السياق البنيوي الذي يجعل من كل نقطة تضخم إضافية عبئا اجتماعيا مضاعفا، فحين يقاس الغلاء بالمتوسطات، بينما تقاس الحياة اليومية بالدخل المتآكل، يتحول الرقم من أداة تفسير إلى أداة تهدئة، وحين يقدم الطلب الموسمي بوصفه التفسير المركزي، تتوارى خلفه أسئلة أعمق تتعلق ببنية السوق، وكلفة الطاقة، وتوازن القوى بين المنتج والمستهلك.
إن مثل هذه التصريحات لا تقتصر على عرض قراءة رقمية لحركة الأسعار، بل تضع إطارا تفسيريا كاملا للأزمة؛ فما حدود مسؤولية الدولة في ضبط السوق؟ وكيف توازن بين تحرير الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي؟ وأين تقف الرقابة التموينية حين تتسع الفجوة بين الكلفة والدخل؟ كما تطرح مسألة إدارة العبء التضخمي في ظل ركود الأجور وارتفاع مدخلات الإنتاج، فالمقابلة أكثر من مجرد عرض بيانات؛ فهي تقدم تصورا عمليا لكيفية إدارة المرحلة، وتفتح المجال لنقاش يتجاوز الأرقام إلى آليات القرار وتوزيع الأعباء.
التضخم بوصفه فجوة دخل لا مجرد نسبة مئوية
تحديد نسبة الارتفاع بين 20 و30% يضع النقاش في إطار حسابي، لكنه لا يجيب على السؤال الجوهري: ما أثر هذه النسبة على أسرة دخلها شبه ثابت؟
في الاقتصاد الكلي، تقاس العدالة السعرية بقدرة الأجور على مواكبة الكلف، وعندما تبقى الرواتب عند مستويات منخفضة، فإن أي ارتفاع ولو كان محدودا نسبيا يعني تآكلا مباشرا في الاستهلاك الأساسي، وهنا يتجلى مفهوم “إعادة التوزيع الصامت”، حيث ينتقل العبء من المنتج أو التاجر إلى المستهلك النهائي، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.
المشكلة لا تكمن في سقف النسبة، بل في غياب آلية توازن بين الأجور والأسعار، من دون هذه الآلية، يصبح التضخم عاملا مراكما للفقر، حتى لو وصف بأنه “موسمي”.
الموسمية كمرآة لهشاشة البنية
أشار نائب الوزير إلى أن الغلاء الرمضاني ظاهرة موجودة في دول عدة، غير أن المقارنة تفترض شروطا متكافئة لا تتوافر في الحالة السورية، ففي الاقتصادات المستقرة:
- العرض مرن وسلاسل التوريد مستقرة.
- التمويل الإنتاجي متاح.
- الطاقة متوفرة بكلفة يمكن التنبؤ بها.
أما حين تكون الطاقة مرتفعة الكلفة، والتمويل المصرفي محدودا، والإنتاج المحلي ضعيف التنافسية، فإن زيادة الطلب تتحول إلى ضغط تضخمي مضاعف.
الموسمية هنا تكشف عن هشاشة هيكلية؛ ضعف المخزون الاستراتيجي، وضيق قاعدة الإنتاج، وارتفاع الكلف الوسيطة، إنها ليست مجرد دورة طلب، بل اختبار لقدرة السوق على الامتصاص.
الرقابة التموينية وحدودها البنيوية
عرض المسؤول أرقاما حول آلاف الضبوط التموينية، وتشديد العقوبات، وتركيب كاميرات لضمان النزاهة، هذه الإجراءات تعزز الانضباط، لكنها لا تعالج جذور المشكلة.
في نظرية التنظيم الاقتصادي، فاعلية الرقابة تعتمد على مقارنة كلفة المخالفة بالعائد المتوقع منها، فإذا ظل هامش الربح مرتفعا بسبب نقص المنافسة أو ارتفاع الكلف، فإن الردع يبقى محدود الأثر.
التضخم في هذه الحالة ليس نتيجة سلوك فردي فقط، بل انعكاس لبنية سوق غير متوازنة. وعندها تتحول الرقابة إلى أداة إدارة ظرفية، لا سياسة إصلاح هيكلي.
تحرير الاستيراد بين المنافسة والإزاحة
أكد نائب الوزير أن باب الاستيراد مفتوح لأي تاجر يحمل سجلا تجاريا، نافيا وجود احتكار، وهذا التوجه يعزز المنافسة من حيث المبدأ، لكنه يطرح سؤالا استراتيجيا:
هل يملك المنتج المحلي القدرة على المنافسة في بيئة طاقة مرتفعة وتمويل محدود؟
التحرير غير المشروط يؤدي إلى توسيع النشاط التجاري على حساب النشاط الإنتاجي، ما يكرس اقتصادا ريعيا قائما على الوساطة لا التصنيع، وتجارب عديدة أظهرت أن الانفتاح الناجح يتطلب حماية ذكية مرحلية، وسياسات دعم إنتاجي، لا مجرد إزالة القيود.
المعادلة الدقيقة تكمن في تحقيق توازن بين الانفتاح ومنع الإزاحة الكاملة للمنتج المحلي.
الطاقة بوصفها متغيرا سياسيا
ملف الكهرباء والغاز، كما ظهر في المقابلة، يكشف حساسية خاصة، فرفع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على كل حلقات الإنتاج والتوزيع، وفي اقتصاد منخفض الدخل، تصبح الطاقة محور التضخم الكلفي.
عندما ترتفع فاتورة الكهرباء، لا تتأثر الأسرة فقط، بل يتأثر الحلاق والخباز والمزارع، فتنتقل الكلفة إلى المستهلك النهائي، وهذا ما يسميه الاقتصاد “انتقال العبء”، حيث تتحول السياسة السعرية إلى آلية تضخم غير مباشرة.
الاعتراف بارتفاع الفواتير يسلط الضوء على التحدي الأكبر: كيف تدار سياسة الطاقة دون أن تتحول إلى صدمة معيشية؟ الجواب لا يكمن في التسعير وحده، بل في تزامنه مع زيادة الدخول أو تقديم دعم موجه للفئات الأضعف.
صالات البيع والشراكات — اختبار التطبيق
أعلن المسؤول عن مفاوضات مع شركات تركية وقطرية وسعودية لتفعيل مئات الصالات، مع أولوية للمنتج المحلي، هذه المبادرة تحمل بعدا اجتماعيا واضحا، إذ تسعى إلى خلق قناة توزيع مستقرة بأسعار تنافسية.
غير أن نجاحها يتوقف على ثلاثة عناصر:
- ضمان شراء مباشر من المنتج المحلي.
- تحديد هوامش ربح منخفضة وشفافة.
- توفير مخزون احتياطي يمتص الصدمات.
من دون هذه العناصر، تتحول الصالات إلى لاعب إضافي في السوق، لا إلى أداة توازن سعري.
الثقة كمتغير اقتصادي
أقر نائب الوزير بوجود “حاجز ثقة” بين المواطن والجهاز الرقابي، والثقة ليست مسألة رمزية؛ إنها رأس مال اقتصادي. انخفاض الثقة يزيد الميل إلى التخزين، ويوسع الاقتصاد غير الرسمي، ويضعف فعالية أي سياسة.
في الدول الخارجة من أزمات عميقة، تعد استعادة الثقة شرطا لازما لأي إصلاح اقتصادي، ويتحقق ذلك عبر سياسات شفافة، وتواصل صريح، وربط القرارات بتحسين ملموس في مستوى المعيشة.
الاقتصاد كاختبار عقد اجتماعي
المقابلة لم تكن نقاشا تقنيا فحسب، بل حملت أبعادا سياسية واضحة، فالتضخم، في سياق ما بعد الصراعات، يتحول إلى مؤشر على قدرة الدولة على إعادة بناء العقد الاجتماعي.
حين يشعر المواطن أن الأسعار ترتفع أسرع من دخله، تتآكل الثقة في الوعود الإصلاحية، وحين تدار الأزمة بمنطق “الظرف المؤقت”، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.
الرهان الحقيقي لا يكمن في ضبط سلعة أو إطلاق مبادرة آنية، بل في بلورة نموذج اقتصادي يربط بين:
- تحرير السوق وحماية الفئات الأضعف.
- الانفتاح ودعم الإنتاج المحلي.
- إصلاح الطاقة وزيادة الدخول.
تكشف المقابلة عن رؤية رسمية ترى الغلاء ضمن حدود يمكن إدارتها، وتراهن على الرقابة والانفتاح والشراكات لتصحيح المسار، غير أن التحليل الهيكلي يظهر أن المسألة أعمق من نسب مئوية موسمية؛ إنها تتعلق ببنية إنتاجية تحتاج تعزيزا، وسياسة طاقة تحتاج تدرجا وعدالة، ونظام تمويل يحتاج إعادة تشغيل.
الاقتصاد، في نهاية المطاف، ليس فقط إدارة أسعار، بل إدارة توقعات وثقة وتوزيع أعباء، وحين ينجح الإصلاح في ملامسة حياة المواطن اليومية، تتحول الأرقام إلى مؤشرات تعاف حقيقي، لا مجرد بيانات دفاعية.

