في شهر واحد فقط، نفذت إسرائيل 41 توغلا داخل الأراضي السورية، رقم كهذا لا يُقرأ باعتباره حادثا أمنيا عابرا، بل بوصفه مؤشرا بنيويا على موقع سوريا الراهن في النظام الإقليمي؛ دولة مُفرغة من أدوات الردع، ومفتوحة المجال أمام اختبارات القوة، في ظل صمت رسمي لا يقل دلالة عن صوت المدافع.
المسألة لا تتعلق فقط بخروقات ميدانية في ريفي القنيطرة ودرعا، ولا باعتقال مدنيين أو تجريف أراض زراعية أو إقامة حواجز عسكرية مؤقتة داخل العمق السوري، بل بمفهوم السيادة ذاته، فما الذي يعنيه أن تُنتهك حدود دولة عشرات المرات في شهر واحد من دون رد يُذكر؟ وأي معنى يتبقى لخط وقف إطلاق النار لعام 1974 إذا بات مجرد إحداثية جغرافية قابلة للتعديل بالقوة؟
هندسة التفوق: إسرائيل واستثمار الفراغ
منذ سقوط بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا طورا جديدا من إعادة التشكل، و”إسرائيل” التي اعتبرت هذا التحول “يوما تاريخيا” في خطاب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، تعاملت مع المشهد بوصفه فرصة استراتيجية، فمئات الغارات الجوية استهدفت البنية العسكرية السورية، في سياق استباقي يهدف إلى تدمير ما تبقى من قدرات ردع تقليدية، وبالتوازي، توسع “الوجود الإسرائيلي” في الجولان المحتل، وصولا إلى جبل الشيخ، بما يضع العاصمة دمشق ضمن مدى المدفعية “الإسرائيلية”.
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” القائمة على “إدارة المخاطر” عبر منع تشكل أي قوة إقليمية قد تُهدد تفوقها النوعي، وفي هذه المقاربة، لا يُشترط وجود تهديد مباشر؛ يكفي احتمال نشوء بيئة سياسية تتيح في المستقبل إعادة بناء قدرات عسكرية مستقلة، وسوريا ما بعد الأسد تُعامل باعتبارها ساحة يجب تثبيت اختلال توازنها، لا مساعدتها على التعافي.
السلطة الجديدة: خطاب السيادة وأولويات البقاء
الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تعلن رفضها للاحتلال الإسرائيلي وانتهاك السيادة، غير أن هذا الرفض بقي في مستوى الخطاب، فلم تُسجل مواجهة مباشرة مع “القوات الإسرائيلية”، في حين انصب جهد السلطة على إعادة ترتيب الداخل عبر صدامات مع مجموعات من الأقليات، وحملات عسكرية في الشمال الشرقي ضد مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
هنا يتبدى منطق السلطة في بيئة هشة عبر الأولوية لبناء احتكار القوة داخل المجال الوطني قبل التفكير في معادلات خارجية، غير أن هذا الخيار يخلق مفارقة عميقة؛ فالدولة التي تعجز عن رد خرق خارجي متكرر، لكنها تمارس أقصى درجات الحزم في الداخل، ترسل رسالة ضمنية عن حدود قدرتها وحدود مشروعها السياسي، والسيادة تصبح انتقائية، تُفعل في مواجهة الخصوم المحليين، وتُعلق أمام اللاعبين الإقليميين.
واشنطن: الرعاية من دون كلفة
في هذا السياق، يكتسب تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنه “وضع فعليا” الرئيس السوري الحالي في السلطة، دلالة تتجاوز المجاز السياسي، فهو يعكس تصورا للعلاقات الدولية قائما على الرعاية والوكالة، ودعم سياسي يمنح الشرعية، مقابل تموضع استراتيجي ينسجم مع أولويات واشنطن وحلفائها.
الولايات المتحدة، التي كانت طرفا مركزيا في مسار إسقاط النظام السابق منذ 2011، تجد في السلطة الجديدة فرصة لإعادة صياغة النفوذ في سوريا من دون الانخراط المباشر عالي الكلفة، و”إسرائيل” تضبط المجال العسكري، وواشنطن تؤمن الغطاء السياسي، فيما تُترك إدارة التناقضات الداخلية لسلطة محلية تعتمد في بقائها على هذا التوازن الخارجي.
تُختزل سوريا في معادلة “الاستقرار الوظيفي”؛ دولة لا تشكل تهديدا لـ”إسرائيل”، ولا تفتح الباب أمام عودة نفوذ إيراني واسع، وتبقى ضمن هامش يمكن التحكم به عبر أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية.
إيران وحزب الله: تراجع محور وصعود آخر
أحد المفاتيح لفهم المشهد يتمثل في تراجع الدور الإيراني وحزب الله بعد انتهاء النظام السابق، فنتنياهو لم يُخف اعتباره أن التحول في دمشق “نتيجة مباشرة للضربات” التي وُجهت إلى طهران وحلفائها، وبغض النظر عن دقة هذا الادعاء، فإن الثابت أن خروج سوريا من محور إقليمي تقوده إيران أعاد رسم خريطة التوازنات،
لكن الفراغ الذي يخلفه تراجع محور لا يعني تلقائيا نشوء توازن مستقر، بل يعني العكس بانتقال سوريا من موقع الخصم الإقليمي القادر على الإزعاج غير المباشر لـ”إسرائيل”، إلى دولة منزوعة القدرة الردعية، ما يسهل تحويلها إلى ساحة نفوذ غير متكافئ.
الجنوب السوري: مختبر السيادة المنقوصة
التوغلات الإسرائيلية في الجنوب ليست مجرد عمليات عسكرية؛ إنها رسائل سياسية، واختيار مناطق قريبة من خط وقف إطلاق النار لعام 1974 يذكر بأن الإطار القانوني القائم لم يعد رادعا كافيا، كما أن استهداف بيئات ريفية، رعاة ومزارعين وقرى حدودية، يعكس طبيعة “الضغط منخفض الكثافة”، فهي إجراءات لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنها تُبقي المجتمع المحلي في حالة هشاشة دائمة.
هذه الهشاشة تُترجم إلى نزوح داخلي، وتآكل في الثقة بالدولة، وتعميق للشعور بأن الجنوب السوري بات منطقة رمادية، لا هي تحت سيطرة كاملة لسلطة دمشق، ولا هي جزء من واقع قانوني مستقر.
سوريا في النظام الإقليمي: من فاعل إلى موضوع
إذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، نجد أن سوريا انتقلت خلال خمسة عشر عاما من كونها فاعلا إقليميا مؤثرا ولاعبا في لبنان وحليفا رئيسيا لإيران، وطرفا في معادلة الصراع العربي– “الإسرائيلي” إلى موضوع تتنازعه القوى الإقليمية والدولية، الفارق بين “الفاعل” و”الموضوع” ليس لغويا؛ إنه فارق في القدرة على المبادرة.
اليوم تُحدد حدود الحركة السورية في ضوء ثلاثة اعتبارات: أمن “إسرائيل”، وأولويات واشنطن وموازين القوى الداخلية، وأي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة يظل رهين هذه المحددات، وما لم تنجح السلطة في بلورة صيغة استقلالية حقيقية، تتطلب، قبل كل شيء، إعادة تعريف العلاقة بين الداخل والخارج.
بين السيادة الشكلية والواقعية السياسية
يجادل البعض بأن الدولة الخارجة من حرب دامت 14 عاما، خلفت نحو نصف مليون قتيل ودمارا واسعا، لا تملك ترف المواجهة مع قوة عسكرية متفوقة كإسرائيل، وهذا صحيح من منظور واقعي، لكن الواقعية لا تعني الاستسلام الدائم، بل البحث عن أدوات بديلة من دبلوماسية نشطة، وتحالفات إقليمية متوازنة، وتفعيل أطر قانونية دولية، وإعادة بناء تدريجية لقدرات الردع.
المشكلة أن هذه الأدوات تفترض حدا أدنى من الإجماع الوطني والثقة الداخلية، وفي ظل انقسامات عميقة، وصدامات مع مكونات اجتماعية أساسية، يصبح الحديث عن استراتيجية خارجية متماسكة أقرب إلى الطموح النظري.
سؤال الدولة
سوريا اليوم ليست فقط ساحة توغلات عسكرية، بل ساحة اختبار لمفهوم الدولة في بيئة شرق أوسطية يعاد تشكيلها على إيقاع القوة الصلبة، فـ”41″ توغلا في شهر واحد ليست رقما عابرا؛ إنها مرآة لاختلال بنيوي في توازن الردع، ولتحول في موقع البلاد من لاعب إلى هامش.
يبقى السؤال الجوهري هل تستطيع سلطة دمشق أن تتحول من موضوع للسياسات الإقليمية إلى صانع لها؟ الإجابة لن تُحسم في الجنوب وحده، ولا في خطابات الدعم الخارجي، بل في قدرة السوريين على إعادة بناء عقد سياسي داخلي يمنح الدولة شرعية حقيقية، ومن ثم قوة تفاوضية خارجية.
في عالم تحكمه حسابات القوة، لا مكان للدول الضعيفة إلا بقدر ما تخدم مصالح الأقوياء، سوريا كما يبدو من مشهدها الراهن، تقف عند مفترق طرق بين تكريس هذا الموقع الهامشي، أو السعي – ولو بتدرج – إلى استعادة معنى السيادة.
🇸🇾 الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا
التوغلات الإسرائيلية في شباط 2024
41 توغلًا: 28 بريًا + 13 تحليق جوي
طبيعة الانتهاكات الميدانية
خرق السيادة السورية بشكل مباشر

