لا تدار المواجهات العسكرية الحديثة بالضرورة عبر الحروب المفتوحة أو المعارك الحاسمة، بل تدار عبر ما يمكن تسميته “إدارة العنف”، أي استخدام القوة بشكل محسوب ومجزأ لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد دون الانزلاق إلى حرب شاملة، هذا الإطار التحليلي، أكثر من أي توصيف آخر، يفسر السلوك “الإسرائيلي” في سوريا منذ ديسمبر 2024.
المعطيات الميدانية الموثقة – 119 حادثة عسكرية خلال ثلاثة عشر شهرا – لا تشير إلى حملة عقابية مؤقتة، ولا إلى تحضير لحرب تقليدية، بل تحول مدروس في طريقة استخدام القوة، فــ”إسرائيل”، وفق هذا السجل، لم تعد تكتفي بسياسة “الضرب بين الحروب” بل انتقلت إلى نمط أقرب إلى إدارة فضاء أمني مجاور في ظل غياب ردع مقابل فعال.
من الردع إلى إعادة تشكيل البيئة
كان السلوك “الإسرائيلي” حتى نهاية 2024 في سوريا منضبطا ضمن منطق معروف؛ ضربات جوية استباقية تستهدف “أصولا إيرانية” حسب التصريحات “الإسرائيلية”، أو بنى نقل السلاح، مع الحرص على عدم المساس المباشر بمراكز السيادة السورية، وهذا النمط كان يستند إلى فرضية أساسية؛ وجود دولة سورية ضعيفة لكنها قائمة، وقواعد اشتباك غير مكتوبة تحكم المجال.
ما تغير بعد ديسمبر 2024 لم يكن مجرد تبدل في وتيرة العمليات، بل انهيار فعلي لأحد أعمدة المعادلة التي حكمت السلوك العسكري في الجنوب السوري لعقود، فالسلطة المركزية السورية فقدت، في أعقاب التحولات السياسية والأمنية، قدرتها على فرض سيطرة متماسكة ومستمرة، خصوصا في المحافظات الجنوبية، حيث تراجعت منظومات القيادة، وتفككت سلاسل الضبط الميداني، وبرز فراغ في القرار أكثر منه في الانتشار.
هذا الانكشاف لم يخلق فراغا أمنيا بالمعنى التقليدي فحسب، بل أزال أحد أهم الكوابح غير المعلنة التي كانت تضبط “السلوك الإسرائيلي”، والمتمثلة في وجود طرف قادر، ولو نظريا، على فرض كلفة سياسية أو عسكرية لأي خرق واسع، فلم يكن التصعيد “الإسرائيلي” فجائيا أو اندفاعيا، بل اتخذ شكل عملية تراكمية محسوبة، جرى فيها توسيع هوامش الحركة خطوة بعد أخرى، عبر اختبار الردود، وقياس حدود الصمت، ثم تثبيت وقائع ميدانية صغيرة تتحول بمرور الوقت إلى مسلمات أمنية جديدة.
في الأسابيع الأولى، تجلى ذلك في موجة غارات جوية واسعة النطاق استهدفت الدفاعات الجوية والمطارات والبنية العسكرية الثقيلة، هذه المرحلة يمكن قراءتها بوصفها عملية تحييد ممنهجة لقدرات الدولة السورية، تهدف إلى ضمان تفوق جوي مطلق، وإزالة أي احتمال لفرض قيود مستقبلية على حرية العمل “الإسرائيلي”.
الجنوب السوري كمساحة اختبار
التحول الأكثر دلالة لا يظهر في الغارات الجوية، بل في التوغلات البرية المتكررة في القنيطرة ودرعا، فالتاريخ العسكري “الإسرائيلي” منذ 1974 يكاد يخلو من وجود بري مباشر داخل سوريا، وتكرار التوغلات، وإن كانت محدودة جغرافيا وزمنيا، يمثل كسرا واعيا لمحرمات قديمة.
من منظور عسكري بحت، لا تحمل هذه التوغلات قيمة تكتيكية كبيرة، فلا هي عمليات احتلال، ولا حملات تمشيط واسعة، وقيمتها الحقيقية تكمن في بعدها الاستراتيجي؛ اختبار ردود الفعل، فكل توغل لم يقابل بأي إجراء ردعي ميداني، وكل حاجز ينشأ ثم يفكك دون ثمن، يوسع المجال المتاح للخطوة التالية.
يمكن فهم الجنوب السوري بوصفه مختبرا لإدارة المخاطر، فـ”إسرائيل” لا تسعى إلى السيطرة عليه عسكريا، لكنها تسعى إلى التأكد من أنه لن يتحول إلى مصدر تهديد، ولا إلى قاعدة نفوذ لقوى أخرى، فالفرق جوهري بين السيطرة والإدارة، و”إسرائيل” – وفق المعطيات – اختارت الخيار الثاني لأنه أقل كلفة وأكثر مرونة.
إدارة التصعيد بدل حسمه
أحد أكثر المؤشرات وضوحا في البيانات هو ضبط مستوى العنف، على الرغم من عدد العمليات الكبير، يبقى عدد الضحايا منخفضا نسبيا قياسا بأي حملة عسكرية واسعة، وهذا ليس تفصيلا عرضيا، بل عنصر أساسي في الاستراتيجية.
العقيدة التي يمكن استنتاجها هنا تقوم على فرضية أن التصعيد غير المنضبط يعمل ضد المصالح “الإسرائيلية”، فالحرب الشاملة في سوريا ستفرض أثمانا سياسية وعسكرية لا حاجة لها، في وقت تستطيع فيه “إسرائيل” تحقيق أهدافها عبر استخدام متدرج للقوة، والملاحظ هونمط متكرر عبر تصعيد محدود، ثم تثبيت واقع جديد، ثم الانتظار.
حتى الهجمات الكبيرة – مثل استهداف وزارة الدفاع في دمشق – جاءت ضمن سقف محسوب، ولم تتبعها حملة متواصلة، ولم تستثمر لتوسيع المواجهة، والرسالة هنا ليست الردع التقليدي، بل إعادة تعريف الخطوط الحمراء.
غياب الردع المقابل
أي استراتيجية من هذا النوع تفترض شيئا أساسيا بأن الطرف الآخر غير قادر أو غير راغب في الرد، والمعطيات تؤكد هذا الافتراض، فلم تسجل أي مواجهة مباشرة، ولا أي محاولة سورية جادة لفرض كلفة على التوغلات البرية، حتى الردود الدفاعية بقيت رمزية.
هذا الغياب لا يعكس فقط ضعف القدرات، بل أيضا غياب القرار السياسي بالمواجهة، فسوريا، في وضعها الحالي، لا تملك هامش المخاطرة اللازم لتحدي واقع جديد بالقوة، وروسيا، من جهتها، أظهرت اهتماما بحماية مصالحها الساحلية أكثر من انخراطها في الجنوب.
في مثل هذه البيئة، تصبح الاستراتيجية الإسرائيلية ذاتية التعزيز، فكل خطوة غير مواجهة تجعل الخطوة التالية أسهل.
إلى أين يتجه المسار؟
القراءة الواقعية للمعطيات لا تشير إلى حرب قادمة، بل إلى تطبيع تدريجي لواقع أمني جديد، فالجنوب السوري مرشح لأن يتحول إلى منطقة تماس مدارة، لا جبهة قتال، و”إسرائيل” ستواصل استخدام القوة بشكل انتقائي من خلال توغلات قصيرة، وضربات جوية عند الضرورة، وضبط دقيق لمستوى العنف.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التصعيد السريع، بل في الترسيخ البطيء، فمع مرور الوقت، يصبح هذا الواقع مقبولا دوليا بحكم الأمر الواقع، كما حدث في تجارب إقليمية سابقة، ولن يكون السؤال هو كيف اندلعت المواجهة، بل لماذا لم تمنع عندما كان منعها ممكنا.
ما تكشفه المعطيات ليس حربا خفية، بل استراتيجية إدارة نزاع مصممة بعناية، فـ”إسرائيل” لا تبحث عن نصر حاسم في سوريا، بل عن بيئة يمكن التنبؤ بها، خالية من المفاجآت، ومنخفضة المخاطر، وهذا النهج يبدو ناجحا على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته تحديا استراتيجيا أعمق، فكل واقع يدار بالقوة دون تسوية سياسية يبقى قابلا للانفجار عندما تتغير موازين القدرة أو الإرادة.
السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل ستواصل هذا المسار، فالمعطيات تشير إلى أنها ستفعل، بل متى، وكيف، ومن أي اتجاه يأتي العامل الذي يعيد خلط الأوراق، وهذا هو جوهر المعضلة الاستراتيجية في سوريا اليوم.
السيناريوهات العسكرية: سوريا وإسرائيل
تحليل 119 حادثة عسكرية وتطور الأنماط التشغيلية

